فهرس الكتاب

فتح البارى لابن رجب - باب إذا سلم في ركعتين، أو في ثلاث، فسجد سجدتين، مثل سجود الصلاة أو أطول

باب
إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث سجد [سجدتين]
مثل سجود الصلاة أو أطول
[ قــ :1183 ... غــ :1227]
أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] الظهر
أو العصر، فقال له ذو اليدين:
الصلاة يا رسول الله، نقصت؟ فقال النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] لأصحابه: " أحق ما يقول؟ "
قالوا
: نعم.
فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين.

قال سعد: ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين، فسلم وتكلم،
ثم صلى ما بقي، وسجد سجدتين، وقال: هكذا فعل النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] .

بوب البخاري هذا الباب، على أن
من سلم من نقص ركعتين أو ركعة من
صلاته، فإنه يأتي بما بقي عليه، ويسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو
أطول، وتجزئه صلاته.

ولم يخرج الحديث من الرواية التي فيها: " وسجد سجدتين مثل سجوده
أو أطول "،
وإنما خرجها فيما بعد من حديث ابن سيرين، عن أبي هريرة.

وهذه الرواية المخرجة في هذا الباب من أهل
المدينة، رواها سعد بن
إبراهيم الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] ، [و] عن
عروة، عن
النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] .

ولعل البخاري إنما صدر طرق حديث أبي هريرة برواية المدنيين؛ لأن هذه
الرواية فيها متابعة لرواية البصريين
في ذلك السجود للسهو، وإن كانت رواية
البصريين فيها زيادة ذكر طول السجود.

وقد ذكر النسائي: أنه لا يعلم
أحدا ذكر عن أبي سلمة في هذا
الحديث: " ثم سجد سجدتين " غير سعد بن إبراهيم.
ثم خرجه من طريق عمران
بن أبي أنس ويحيى بن أبي كثير والزهري، عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة - ولم يذكر فيه سوى قضاء الركعتين.

وخرجه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة - ولم يتم
لفظ الحديث، بل اختصره.

وقال أبو
داود: رواه يحيى بن أبي كثير وعمران بن أبي أنس، عن أبي
سلمة - والعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه - عن
أبي هريرة - ولم يذكروا: أنه
سجد السجدتين.

ورواه ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، وقال فيه:
" ولم
يسجد للسهو ".

قلت: قد خرجه الإمام أحمد، عن حجاج، عن ابن أبي ذئب - فذكر
الحديث، وقال في
آخره - قال ابن أبي ذئب: قال الزهري: سألت أهل
العلم بالمدينة، فما أخبرني أحد أن النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] صلاهما.

يعني: سجدتي السهو.

فرجعت رواية نفي السجود إلى الزهري، ورواية الزهري بذلك غير معروفة
[ولا] مشهورة.

وقد روى
الزهري هذا الحديث عن سعيد وأبي سلمة وعبيد الله بن
عبد الله، عن أبي هريرة.

خرجه أبو داود من طريق
الأوزاعي، عنه بهذا الإسناد، وفي حديثه:
ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك.

وخرجه أبو داود
والنسائي من رواية صالح بن كيسان، عن الزهري،
عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة - مرسلا.

قال
الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - وأبو سلمة
وأبو بكر بن الحارث بن هشام وعبيد الله بن
عبد الله.

وخرجه الإمام أحمد وابن حبان في " صحيحه " من طريق معمر، عن
الزهري، عن أبي سلمة وأبي
بكر بن سليمان، عن أبي هريرة.

وخرج النسائي من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن
سعيد
وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن وابن أبي حثمة، عن أبي هريرة،
عن النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] ، أنه لم يسجد يومئذ قبل
التسليم ولا بعده.
وخرجه مالك في " الموطأ " عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة
وأبي بكر بن أبي حثمة -
مرسلا.

واختلف على الأوزاعي في وصله عن الزهري وإرساله.

وقد أنكر هذا على الزهري غير واحد من الأئمة.

وعده مسلم بن الحجاج في " كتاب التمييز " من أوهام الزهري؛ لصحة
الروايات بخلاف روايته، وأن النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] سجد
للسهو يومئذ.

قلت: الذي يظهر - والله أعلم -: أن الزهري روى هذا الحديث عن
سعيد وأبي سلمة وغيرهما،
من غير ذكر سجود السهو بنفي ولا إثبات، وأن
الزهري أتبع ذلك بقوله من عنده: " لم يسجد النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] يومئذ للسهو
".

فهذا مما أرسله الزهري [وأدرجه] في الحديث، فمن اقتصر على هذا
القدر من حديث الزهري ووصله فقد وهم؛ لأنه أسند المدرج بانفراده.

وقد ذكر الزهري أنه لم
يخبره بالسجود أحد من أهل العلم بالمدينة،
فكان ينفي السجود لهذا، وهذا بمجرده لا يبطل رواية الحفاظ الأثبات
للسجود.
وقد روي عن الزهري، أنه حمل ترك السجود للسهو في هذه القصة على
أحد وجهين:
أحدهما: أنه
قال: كان هذا قبل أن يشرع سجود السهو.

فروى عنه معمر، أنه قال: كان هذا قبل بدر، ثم استحكمت الأمور.
أنه كان يرى أنه لم يسجد يومئذ للسهو؛ لأن الناس يقنوا النبي
[- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] حتى استيقن.

وكلا الوجهين
ضعيف.

أما الأول؛ فلأن أبا هريرة شهد هذه القصة، وكان إسلامه بعد بدر بكثير،
وسيأتي بسط ذلك فيما بعد -
إن شاء الله تعالى.

وأما الثاني؛ فمضمونه أنه إنما يسجد للسهو إذا استدام الشك، فأما إذا
تيقن الأمر، وعمل عليه
، فإنه لا يسجد، وإن كان قد زاد في الصلاة، وهذا
مذهب غريب.

نعم؛ لو شك في شيء من صلاته، ثم زال
شكه قبل السلام، وتبين أنه
لم يزد في صلاته ولم ينقص، فهنا يستحب السجود ولا يجب -: نقله ابن
منصور،
عن أحمد وإسحاق.

وقال أصحابنا: الصحيح من مذهبنا ومذهب الشافعي: أنه لا يسجد إلا أن
يكون قد فعل قبل
زوال شكه ما يجوز أن يكون زائدا، فإنه يسجد.

وفي المذهبين وجه آخر: لا يسجد بحال؛ لأن السجود إنما يشرع
[من]
زيادة أو نقص أو تجويزهما، ولم يوجد شيء من ذلك.

وهذا قول سفيان الثوري.

وقد روي عن أبي
هريرة، أن النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] سجد للسهو في هذه القصة من
وجوه أخر:
فروى ذلك مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن
أبي أحمد، عن أبي هريرة - فذكر هذا الحديث
، وقال فيه: فأتم رسول الله
[- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] [ما] بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم.

وقد خرجه
مسلم من هذا الوجه.

رواه - أيضا - الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن
ابن مالك،
عن أبي هريرة، أن النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] سجد يوم ذي اليدين سجدتين
بعد السلام.

خرجه النسائي.

ورواه - أيضا -
عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس الهفاني، قال:
حدثني أبو هريرة - بهذا الحديث -، وذكر فيه: أن النبي
[- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] [سلم] ثم
سجد سجدتي السهو وهو جالس، ثم سلم.

خرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في " صحيحه ".

وروى السجود - أيضا - في هذه القصة: عمران بن حصين، عن النبي
[- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] .

فروى خالد الحذاء، عن أبي
قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن
حصين، قال: سلم رسول الله [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام
فدخل
الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله،
فخرج مغضبا، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، [ثم] سجد سجدتي
السهو، ثم سلم.

خرجه مسلم.

وفي رواية له - أيضا -: فخرج غضبان، حتى انتهى إلى الناس،
فقال: " أصدق هذا؟ " قالوا: نعم، فصلى
ركعة، ثم سلم، ثم سجد
سجدتين، ثم سلم.

وهذه الرواية تدل على أن الخروج من المسجد لا يمنع البناء على الصلاة
لمن سلم من نقص في صلاته، فلأن لا سجود السهو فبمجرده أولى.

وفي رواية لمسلم: أن الرجل الذي
قال للنبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] ، كان اسمه الخرباق،
وكان في يده طول.

فمن الناس من قال: هو ذو اليدين المذكور في حديث
أبي هريرة.

وقال طائفة: هما رجلان، وواقعتان متعددتان، ونص على ذلك الإمام
أحمد.

وقد دل هذا
الحديث - من جميع طرقه - على أن من سلم من نقص
ركعة فأزيد من صلاته ناسيا، ثم ذكر قريبا، أنه يبني على
ما مضى من صلاته،
ولا يلزمه إعادتها، وهو قول جمهور أهل العلم.

فإن هذا إنما زاد في صلاته سلاما ناسيا،
والسلام مشروع في الصلاة، لكنه
أتى به قبل محله، فلا تبطل به الصلاة، كما لو زاد سجدة سهوا.

ووافق على ذلك أكثر من يقول: إن كلام
الساهي يبطل الصلاة، كأبي
حنيفة وأحمد - في رواية.

واختلف عن سفيان الثوري.

فروى عنه كذلك، هو
المشهور عنه.

وروى يعلى بن عبيد، عنه، أنه إذا سلم ساهيا قطع صلاته؛ لأنه تكلم في
صلاته ساهيا.

حكاه أصحابه عنه في كتبهم.

وحكاه ابن عبد البر عن بعض أصحاب أبي حنيفة - أيضا.

وكذلك روى عبد
الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، ثم قال: إلا أن
يكون النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] صنع الذي يقولون.

يعني: سلم [ثم]
بنى على صلاته، فتوقف في ذلك حيث لم يكن
الحديث عنده.

واختلفوا: هل يشترط للبناء على ما مضى من
الصلاة أن يذكر مع
قرب الفصل، أو لا يشترط ذلك، بل يبني ولو ذكر بعد طول الفصل؟ على
قولين:
أحدهما: لا يبني إلا مع قرب الفصل، فإن طال الفصل بطلت الصلاة
واستأنفها، وهذا [قول] أبي حنيفة ومالك
والشافعي وأحمد وأبي خيثمة
وسليمان بن داود الهاشمي.
يبني ولو طال الفصل، وهو قول مكحول والأوزاعي ويحيى
الأنصاري والحسن بن حي.

ونقل صالح
وغيره، عن أحمد ما يدل على ذلك - أيضا.
وقال الليث: يبني ما لم ينتقض وضوؤه الذي صلى به تلك الصلاة.

وفي حديث عمران بن حصين ما يدل على البناء مع طول الفصل.

والله أعلم.

واختلفوا - أيضا -: هل
يبني مع عمله عملا كثيرا ينافي الصلاة مثله،
أو لا يبني معه؟ وفيه خلاف عن الشافعي وأحمد، سبق ذكره؛ وأن
العمل
الكثير مع السهو: هل تبطل به الصلاة، أم لا؟
وفي حديث أبي هريرة وعمران بن حصين: ما يدل على
أنه يبني مع
[ذلك] كثرة العمل في هذه الحال سهوا.

واختلفوا: هل يبني، وإن خرج من المسجد، أو لا يبني
إلا مع كونه في
المسجد؟ وفيه خلاف سبق ذكره في تأخير سجود السهو نسيانا.

واختلفوا: هل يبني مع تكلمه
في هذه الحال، أم كلامه يقطع البناء
ويستأنف مع الصلاة؟
فقالت طائفة: إن تكلم بطلت صلاته، واستأنفها،
وهو قول النخعي
والثوري وأبي حنيفة، وروي عن الحسن وعطاء، وهو رواية عن قتادة، وعن
أحمد اختارها
كثير من أصحابه.

لكن أحمد لم يقل: إن الكلام في الصلاة نسخ، وإنما قاله طائفة من
أصحابه، موافقة للكوفيين.

واستدلوا بقول
الزهري: كان هذا - يعني: قصة ذي اليدين - قبل بدر،
ثم استحكمت الأمور بعد.

وقد ذكر الزهري في روايته
: أن [الذي] كلم النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] هو ذو الشمالين
ابن عمر حليف بني زهرة.

كذا في " مسند أحمد " و" صحيح ابن
حبان ".

وكذا خرج النسائي أنه ذو الشمالين بن عمرو.

وكذا سماه عمران بن أبي أنس في روايته، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة:
ذا الشمالين.

وهذه متابعة للزهري.

قالوا: ذو الشمالين قتل يوم بدر، وتحريم الكلام
إنما شرع بعد ذلك.

وروى محمد بن أبي السري، عن عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، عن
أيوب، عن ابن
سيرين والحسن، عن أبي هريرة، أن النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] سجد بعد
السلام والكلام قبل النسخ، فنسخ، وثبت السجدتان.

والمراد: أنه نسخ السجود بعد الكلام، وصار الكلام مبطلا تعاد معه
الصلاة.

ومحمد بن أبي السري، ليس
بالحافظ.

ولعل هذا من تصرف بعض الرواة بالمعنى عنده.

وكل من قال هذا، قال: إن كلام الناسي يبطل الصلاة.

وقال طائفة أخرى: بل يبني، وإن تكلم في هذه الحال، إذا ظن تمام
صلاته؛ فإنه إنما تكلم ناسيا الصلاة، وهذا قول
الشافعي وأحمد - في رواية
عنه.

قالوا: إن قصة السهو كانت بعد تحريم الكلام، فلم ينسخ، بل دلت على
أن
كلام الناسي مستثنى من عموم الكلام المبطل للصلاة، كما أن الأكل في
الصيام ناسيا معفو عنه لا يبطل به الصيام.

واستدلوا على تأخر قصة ذي اليدين، بأن أبا هريرة شهدها، وأبو هريرة إنما
أسلم عام خيبر، وممن ذكر ذلك:
الشافعي وأحمد.

وشهدها عمران بن حصين، وإنما أسلم بعد بدر، فيما قيل.

وشهدها معاوية بن حديج،
وحديثه مخرج في " كتاب النسائي " وغيره،
ومعاوية بن حديج ممن تأخر إسلامه، حتى قيل: إنه أسلم قبل موت
النبي،
بشهرين.

وهذا كله بعد تحريم الكلام في الصلاة؛ فإنه كان إما بمكة قبل الهجرة،
أو عقيب الهجرة قبل
بدر، كما دل عليه حديث ابن مسعود، وقد سبق الكلام
على ذلك.

قالوا: وقول الزهري: " إن ذلك كان قبل بدر
" وهم منه، وكذلك قوله:
" إن [الذي] كلم النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] ذو الشمالين "، وإنما هو ذو اليدين.

قالوا: وقد بقي ذو
اليدين بعد النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] ، وأما المقتول ببدر، فهو ذو
الشمالين، وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد، وأنكر أحمد أن يكون ذو اليدين
قتل ببدر.

وذهب طائفة إلى أنهما واحد.

وهؤلاء ذهبوا إلى أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة، وروي عن ابن عباس
وابن الزبير.

وروي عن الزبير
بن العوام بإسناد منقطع.

وهو قول الشعبي وعروة وعطاء والحسن وقتادة - في رواية عنهم - وعمرو
ابن دينار
والشافعي وأحمد - في رواية - وإسحاق وأبي خيثمة وغيرهم من فقهاء
الحديث.
فعلى هذه المقالة: إنما تكلم
النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] بعد سلامه نسيانا؛ لظنه أن صلاته
قد تمت.

وخرج الطبراني من رواية معلى بن مهدي: حدثنا حماد
بن زيد، عن
أيوب وابن عون وهشام وسلمة بن علقمة، عن محمد، عن أبي هريرة، أن
النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] تكلم في
الصلاة ناسيا، فبنى على ما صلى.

وهذا مروي بالمعنى، مختصرا من قصة ذي اليدين.

واختلفت الرواية عن
أحمد: هل يختص كلام الساهي بما كان من مصلحة
الصلاة؛ لحال كلام النبي [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] وأصحابه في قصة ذي اليدين، أم
يعم ما كان
لمصلحة الصلاة وغيره؟ .


ورجح طائفة من المتأخرين من أصحابنا اختصاصه بما كان لمصلحة الصلاة؛ لأن الرخصة إنما وردت في؛ ولأنه إذا كان لمصلحة الصلاة، وفعله ساهياً، فهو شبيه بالسلام من الصلاة ساهياً، وهو غير مبطل عند جمهور العلماء كما تقدم.

واختلف أصحابنا: هل محل الخلاف إذا سلم من صلاته، يظن أنها قد تمت، ثم تكلم حينئذ؛ لأن هذه هي الصورة التي وردت فيها الرخصة، وهي التي يقع فيها كلام الساهي غالباً، أم تعم ذلك وغيره لمن تكلم في صلب صلاته ساهياً؟ وفيه طريقان للأصحاب 0
وأكثر [كلام الإمام] أحمد يدل على الأول.

وقد ذكرنا - فيما تقدم - أن أحمد لم يقل: إن حديث ذي اليدين نسخ، كما يقوله غيره، وإنما اختلفت الرواية عنه: هل كان ذلك خاصاً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبمن كلمه، أو هو عام، أم يختص بعده بالإمام دون المأموم؟
فروي عنه، أنه كانَ خاصاً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومن كلمه.

وهذه الرواية اختيار أبي بكر الخلال وصاحبه.

فأما النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقد يقول: إنه كان مخصوصاً بجواز الكلام في الصلاة لمصلحتها، إما سهواً أو مطلقاً.

وأما المجيبون له، فقد صرح بأن إجابتهم للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت واجبة، فلا تبطل صلاتهم بذلك، وكلام ذي اليدين له بقوله: ( ( قصرت الصلاة، أم نسيت؟) ) كانَ في وقت يجوز فيهِ قصر الصَّلاة، فكان - أيضا - يظن أن صلاتهم تمت، وهذا لايوجد بعدهم.

وأما قول ذي اليدين بعد ذلك: ( ( بل نسيت يا رسول الله) ) - وفي رواية: ( ( قد كان بعض ذلك) ) ، فقد تكلم وهو عالم أن صلاتهم لم تتم، لكنه لم يعلم أنهم في الصلاة، وأن البناء يجوز لهم على ما مضى، بل قد يكون ظن أن ما مضى من الصلاة بطل ولغي، وأنهم الآن ليسوا في صلاة، وربما كان تكلم غير ذي اليدين من الصحابة لذلك؛ فإن جواز البناء إنما علم من فعل النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يومئذ، لا قبله.

لكن هذا يقع للناس كثيراً، فهل حكم هذا حكم من تكلم يظن أنه ليس في
صلاة، فهو كالساهي، أم لا؟
الظاهر: أن هذا ملحق بالجاهل بأنه في صلاة، يعذر في كلامه، بخلاف الصائم، إذا جهل الوقت فاكل يظنه ليلاً، فتبين أنه نهاراً.

وحكوا الخلاف عن أحمد، في كل من تكلم وهو يعتقد أنه ليس في صلاة، وأنه خرج منها، يكون جاهلاً بأن [عمل] كلامه يبطل الصلاة.

ولأصحابنا وجهان فيمن أكل [في] الصيام ما لا يعتقد أنه يفطره، هل يفطربه، أم لا؟ وهو - أيضا - جاهل.

ولهم وجهان فيمن أكل ناسيا، فظن أنه أفطر، وأنه لا يلزمه الإمساك، ثُمَّ
جامع، هل عليه كفارة بجماعه، أم لا؟
وحكى ابن المنذر، أنه لا كفارة عليهِ عندَ جمهور العلماء؛ لأنه لم يتعمد افساد الصوم.

وللشافعية فيهِ وجهان - أيضا.

وكلامهم يدل على أنه يفطر بذلك؛ فإن الجهل لايعذر به في الصوم، ويعذر به في الصَّلاة، فإذا سلم من صلاته، يظن أنها تمت، ثُمَّ علم أنها لم تتم، وظن أن صلاته بطلت، فتكلم، فهوَ كالجاهل.

وكذا إذا سلم الإمام ناسيا، والماموم يعلم، فتكلم ظاناً أن صلاته بطلت
بالسلام، فأحمد جعل هذا الحكم خاصاً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - في رواية عنه.

وجعله - في رواية أخرى عنه - عاما للأمة في حق كل من تكلم وهو يظن أن صلاته قد تمت، خاصة كما يقوله الشافعي.

وفرق - في رواية أخرى عنه - بين الإمام والمأموم؛ لأن الإمام لايسأل عن تمام صلاته إلا وهو شاك، والمأموم إنما يجيب وهو عالم بأن صلاته لم تتم، بخلاف حال الصحابة مع النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإن بعضهم تكلم وهو يظن أن الصَّلاة قد تمت؛ لاحتمال قصرها عنده، وبعضهم تكلم مجيباً للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكلا الأمرين لا يوجد في حق من بعدهم.

ولكن يوجد في حق من بعدهم من يظن أن صلاتهم قد تمت كالإمام، ومن يظن أن صلاته تبطل بالسلام نسياناً، فيتكلم حينئذ، جاهلا بأنه في صلاة.
وخرج أبو داود من حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: صلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحدى صلاتي العشي، فصلى ركعتين، ثم سلم - وذكر الحديث، وفيه: قال: ( ( أصدق ذو اليدين؟) ) .

فاومئوا - أي: نعم - وذكر الحديث.

وذكر أن حماد بن زيد تفرد بقوله: ( ( فأومئوا) ) .

وقول إسحاق بن راهويه في هذا كقول أحمد، بالتفريق بين الإمام والمأمومين.

قال: إنما تكلم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه ظن تمأم صلاته، وذو اليدين ظن أن الصَّلاة قصرت وتمت، والصحابة اجابوا النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن اجابته بالكلام عليهم واجبة، لم يجدوا من ذَلِكَ بداً.

قالَ: وإن تكلم الإمام اليوم، وهو شاك في تمام صلاته، واستثبت من معه، جاز لهُ ذَلِكَ، ولو كانوا قدو نبهوه بالتسبيح، ولا يجوز لهم أن يتكلموا إذا علموا أن صلاتهم لم تتم، وتبطل به صلاتهم.

روى كل ذلك حرب وابن منصور، عن إسحاق.

ونقل ابن قرة الزبيدي، عن مالك، أن من تكلم في صلاته بعد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعاد صلاته؛ لأن الصحابة تكلموا وهم يظنون أن الصَّلاة قد قصرت، فلا يجوز ذَلِكَ اليوم.

وإلى هذه الرواية ذهب ابن كنانة من أصحابه.

وذكر الحارث بن مسكين وابن وضاح أن سائر أصحاب مالك خالفوا ابن القاسم فيما رواه عن مالك.

وقالت طائفة: حديث ذي اليدين يتخرج على أن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، عمداً ولا سهواً، وهو قول الأوزاعي وأيوب وحماد بن زيد وربيعة.

ومالك - في المشهور عنه -: نقله ابن القاسم، عنه.

وهو رواية عن أحمد.

وروي عنه، اختصاصه بالإمام.

ومذهب مالك: اختصاصه بالإمام والمأموم، دون المنفرد.

وروي هذا المعنى عن ابن الزبير وغيره من المتقدمين.

ويستدل له بأن في حديث معاوية بن حديج - الذي يأتي ذكره -: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بلالاً أن يقيم الصلاة.

وكذا رواه عبيد بن عمير - مرسلاً.

وهذا يدل على أن إقامة الصلاة والأمر بها لايبطل البناء على ما مضى من
الصلاة.
وادعى قوم: أن هذا كان من خصائص النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، وهذا رواية عن مالك وأحمد، قد سبق ذكرها.

وقد رويت هذه القصة من حديث أبي هريرة، وأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[سلم] من ركعتين، وأن الذي كلم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو ذي اليدين.

ومن حديث عمران بن الحصين، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سلم من ثلاث ركعات، وأن الذي كلمه هو الخرباق.

خرجه مسلم.

وقد نص أحمد على أنهما حديثان، وليسا بقصة واحدة -: نقله عنه علي بن سعيد.

وروى - أيضا - معاوية بن حديج، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى يوما، فسلم، وقد بقيت من الصلاة ركعة، فادركه رجل، فقال: نسيت من الصلاة ركعة، فرجع فدخل المسجد، وأمر بلالاً فأقام، فصلى للناس ركعة.
قال: فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: تعرف الرجل؟ قلت: لا، الا أن أراه، فمر بي، فقلت: هوَ هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله.

خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم.

وقال: صحيح حسن الإسناد.

وفي رواية.
أنه المغرب.
وقد أنكر الإمام أحمد أن يكون لمعاوية بن حديج صحبة، وأثبته البخاري والأكثرون.

قال ابن حبان: هذا يدل على أن هذه ثلاثة أحوال متباينة في ثلاث صلوات، لا في صلاة واحدة.

ورجح ابن عبد البر وغيره أنها صلاة واحدة، وأن اختلفت بعض الروايات فيها.

وهذا أشبه.
والله أعلم.

وعلى القول بأن الكلام نسياناً أو جاهلاً لايبطل الصلاة، إنما هو في اليسير، فأما إن كثر وطال، ففيه وجهان.

والمنصوص عن [أحمد] ، أنه يبطل حينئذ -: نقله عنه أبو داود وغيره.

وكذلك لأصحاب الشافعي وجهان - أيضا.

والمنصوص، عنه: أنه يبطل - أيضا -: نقله عنه البويطي.

قال: الشافعي: لا يشك مسلم أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينصرف إلا وهو يرى أن قد أكمل الصلاة، وظن ذو اليدين أن الصلاة قد قصرت بحادث من الله، ولم يقبل
رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ذي اليدين؛ إذ سأل غيره، ولما سأل غيره احتمل أن يكون سأل من لم يسمع كلامه، فيكونون مثله - يعني: مثل ذي اليدين -، واحتمل أن يكون سأل من سمع كلامه، ولو سمع النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رد عليهِ، فلما سمع النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رد عليهِ كانَ في معنى ذي اليدين، من أنه لم يدر: أقصرت الصَّلاة أم نسي النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأجابه، ومعناه معنى ذي اليدين مع أن الفرض عليهم جوابه.

ثم قال: فلما قبض رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تناهت الفرائض فلا يزداد فيها، ولا ينتقص منها أبداً.

قال: فهذا فرق ما بيننا وبينه، إذا كان أحدنا إماما اليوم.

وفي حديث أبي هريرة المخرج في هذا الباب فوائد كثير جداً، يطول
استقصاؤها، ولكن نشير إلى بعضها إشارة:
فمنها: أن اليقين لا يزال بالشك؛ فإن ذا اليدين كان على يقين من أن صلاتهم تلك أربع ركعات، فلما صلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ركعتين احتمل أن يكون قصرت الصلاة، واحتمل أن يكون ناسياً، فسأل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أقصرت الصلاة أم نسيت؟
ومنها: أن انفراد الواحد من بين الجماعة بشيء لايمكن في مثله أن ينفرد بعلمه عنهم، يتوقف في قوله، حتَّى يتابعه عليهِ غيره.

وهذا اصل جهابذة الحفاظ: ( ( أن القول قول الجماعة دون المنفرد عنهم بزيادة ونحوها) ) ، لاسيما أن كانوا زيادة الثقة مقبولة مطلقاً، وليس ذلك بشيء، فإذا توبع على قوله اعتمد عليه.

ومنها: أنه قد استدل به بعض من لايقبل خبر الواحد المنفرد به، حتى يتابع
عليه.

ورد ذلك الإمام أحمد، وفرق بينهما بأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما سلم من صلاته؛ لأنه كانَ يعتقد اعتقاداً جازماً أنه أتم صلاته، فلذلك توقف في قول ذي اليدين وحده، دون بقية الجماعة الذين شهدوا الصَّلاة.

وأما خبر الواحد الثقة الذي ليس له معارض أقوى منه، فإنه يجب قبوله؛ لأدلة دلت على ذَلِكَ، وقد يتوقف فيهِ احياناً؛ لمعارضته بما يقتضي التوقف فيهِ، كما توقف النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قول ذي اليدين حتى توبع عليه.
ومنها: أنه يستدل به على أن الحاكم إذا نسي حكمه، فشهد عليه شاهدان، أنفده وأمضاه، وأن لم يذكره، وهو قول مالك وأحمد.

وعند أبي حنيفة والشافعي: لاينفذه حتى يذكر حكمه به.

وفيه فوائد أخر، تتعلق بسجود السهو، ياتي ذكرها فيما بعد - إن [شاء الله] تعالى.