فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب ما جاء في الوتر

( بابُُُ مَا جَاءَ فِي الوِتْرِ)

أَي: هَذِه أَبْوَاب الْوتر: أَي: فِي بَيَان أَحْكَامهَا، هَكَذَا هُوَ عِنْد الْمُسْتَمْلِي، وَعند البَاقِينَ: بابُُ مَا جَاءَ فِي الْوتر، وَسَقَطت الْبَسْمَلَة عِنْد ابْن شيبويه والأصيلية وكريمة، وَفِي بعض النّسخ: كتاب الْوتر.
والمناسبة بَين أَبْوَاب الْوتر وأبواب الْعِيد كَون كل وَاحِد من صَلَاة الْعِيدَيْنِ وَالْوتر وَاجِبا ثبوتهما بِالسنةِ.
وَالْوتر بِالْكَسْرِ الْفَرد، وَالْوتر بِالْفَتْح الدخل، هَذِه لُغَة أهل الْعَالِيَة.
وَأما لُغَة أهل الْحجاز فبالضد مِنْهُم، وَأما تَمِيم فبالكسر فيهمَا، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ غير عَاصِم { وَالشَّفْع وَالْوتر} ( الْفجْر: 3) .
بِكَسْر الْوَاو،.

     وَقَالَ  يُونُس فِي كتاب ( اللُّغَات) : وترت الصَّلَاة، مثل: أوترتها.



[ قــ :960 ... غــ :990 ]
- حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ وعَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلاً سألَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإذَا خشِيَ أحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ( توتر لَهُ مَا قد صلى) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.

وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى.
وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك عَن نَافِع وَعبد الله بن دِينَار، وَكِلَاهُمَا عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: ( أَن رجلا) ، وَقع فِي ( مُعْجم الطَّبَرَانِيّ) هُوَ: ابْن عمر، لَكِن يُعَكر عَلَيْهِ رِوَايَة عبد الله بن شَقِيق: ( عَن ابْن عمر أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ وَأَنا بَينه وَبَين السَّائِل) ، فَذكر الحَدِيث، وَذكر مُحَمَّد بن نصر فِي كتاب ( أَحْكَام الْوتر) من رِوَايَة عَطِيَّة: عَن ابْن عمر أَن أَعْرَابِيًا سَأَلَ؟ قلت: إِذا حمل الْأَمر على تعدد السَّائِل لَا اعْتِرَاض فِيهِ، وَيجوز أَن يكون ابْن عمر عبر عَن السَّائِل تَارَة برجلاً، وَتارَة بأعرابيا، وَيجوز أَن يكون هُوَ السَّائِل مَعَ سُؤال الرجل.
قَوْله: ( عَن صَلَاة اللَّيْل) أَي: عَن عَددهَا، لِأَن جَوَابه بقوله: ( مثنى) يدل على ذَلِك، لِأَن من شَأْن الْجَواب أَن يكون مطابقا للسؤال.
قَوْله: ( مثنى) مَرْفُوع بِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ، وَهُوَ قَوْله: ( صَلَاة اللَّيْل) وَهُوَ بِدُونِ التَّنْوِين لِأَنَّهُ غير منصرف لتكرر الْعدْل فِيهِ، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ،.

     وَقَالَ  غَيره: للعدل وَالْوَصْف، والتكرير للتَّأْكِيد لِأَنَّهُ فِي معنى: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَربع مَرَّات، وَقد فسره ابْن عمر رَاوِي الحَدِيث، فَقَالَ مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: سَمِعت عقبَة بن حُرَيْث قَالَ: ( سَمِعت ابْن عمر يحدث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى، فَإِذا رَأَيْت الصُّبْح يدركك فأوتر بِوَاحِدَة فَقيل لِابْنِ عمر: مَا معنى مثنى مثنى؟ قَالَ: تسلم فِي كل رَكْعَتَيْنِ) ،.

     وَقَالَ  بَعضهم: فِيهِ رد على من زعم من الْحَنَفِيَّة أَن معنى: اثْنَيْنِ، أَن يتَشَهَّد بَين كل رَكْعَتَيْنِ، لِأَن رَاوِي الحَدِيث أعلم بالمراد بِهِ، وَمَا فسره هُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي الرّبَاعِيّة مثلا، أَنَّهَا: مثنى.
قلت: زعم هَذَا الْحَنَفِيّ بِمَا ذكر لَا يسْتَلْزم نفي السَّلَام، ومقصوده أَن لَا بُد من التَّشَهُّد بَين كل رَكْعَتَيْنِ، وَأما أَنه يسلم أَو لَا يسلم فَهُوَ بحث آخر.
وَيجوز أَن يُقَال فِي الرّبَاعِيّة: مثنى مثنى، بِالنّظرِ إِلَى أَن كل رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا مثنى، مَعَ قطع النّظر عَن السَّلَام، قَوْله: ( فَإِذا خشِي أحدكُم الصُّبْح) أَي: فَوَات صَلَاة الصُّبْح.
قَوْله: ( توتر لَهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول أسْند إِلَى مَا فِيمَا قد صلى، وَالْمعْنَى: تصير بِهِ تِلْكَ الرَّكْعَة الْوَاحِدَة وترا.
وَبِه احْتج الشَّافِعِي، على أَن الإيتار بِرَكْعَة وَاحِدَة جَائِز، وسنتكلم فِيهِ مَبْسُوطا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه الأول: احْتج بِهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: أَن صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى، وَهُوَ أَن يسلم فِي آخر كل رَكْعَتَيْنِ، وَأما صَلَاة النَّهَار فأربع عِنْدهمَا، وَعند أبي حنيفَة: أَربع فِي اللَّيْل وَالنَّهَار، وَعند الشَّافِعِي فيهمَا.
مثنى مثنى، وَاحْتج بِمَا رَوَاهُ الْأَرْبَعَة من حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: ( صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) ، وَبِمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: ( صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) ، وَبِمَا رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي ( تَارِيخ أَصْبَهَان) : عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) .
وَلأبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي اللَّيْل مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي ( سنَنه) من حَدِيث زُرَارَة بن أوفى، ( عَن عَائِشَة أَنَّهَا سُئِلت عَن صَلَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوف اللَّيْل، فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّي صَلَاة الْعشَاء فِي جمَاعَة، ثمَّ يرجع إِلَى أَهله فيركع أَربع رَكْعَات، ثمَّ يأوي إِلَى فرَاشه) الحَدِيث،.

     وَقَالَ  أَبُو دَاوُد: فِي سَماع زُرَارَة عَن عَائِشَة نظر، ثمَّ أخرجه عَن زُرَارَة عَن سعيد بن هِشَام عَن عَائِشَة، قَالَ: وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ المحفوظة عِنْدِي.
وروى أَحْمد فِي ( مُسْنده) : عَن عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: ( كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلى الْعشَاء ركع أَربع رَكْعَات وأوتر بِسَجْدَة، ثمَّ نَام حَتَّى يُصَلِّي بعْدهَا صلَاته من اللَّيْل) .
فَإِن قلت: أخرج مُسلم عَن عبد الله بن شَقِيق، ( عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي فِي بَيْتِي.
.
)
الحَدِيث، وَفِيه: ( وَيُصلي بِالنَّاسِ الْعشَاء ثمَّ يدْخل بَيْتِي وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ) ، فَهَذَا مُخَالف لحديثها الْمُتَقَدّم.
قلت: قد وَقع عَن عَائِشَة اخْتِلَاف كثير فِي أعداد الرَّكْعَات فِي صلَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي اللَّيْل، فَهَذَا إِمَّا من الروَاة عَنْهَا، وَإِمَّا مِنْهَا بِاعْتِبَار أَنَّهَا أخْبرت عَن حالات، مِنْهَا مَا هُوَ الْأَغْلَب من فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمِنْهَا مَا هُوَ نَادِر، وَمِنْهَا مَا هُوَ بِحَسب اتساع الْوَقْت وضيقه، وَلأبي حنيفَة فِي النَّهَار مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث معَاذَة أَنَّهَا سَأَلت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: ( كم كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَت: أَربع رَكْعَات يزِيد مَا شَاءَ) .
وَفِي رِوَايَة: ( وَيزِيد مَا شَاءَ) ، وروى أَبُو يعلى فِي ( مُسْنده) من حَدِيث عمْرَة ( عَن عَائِشَة قَالَت: سَمِعت أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة تَقول: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُصَلِّي الضُّحَى أَربع رَكْعَات لَا يفصل بَينهُنَّ بِكَلَام) .
( وَالْجَوَاب) : من حَدِيث الْأَرْبَعَة الَّذِي فِيهِ ذكر النَّهَار إِن التِّرْمِذِيّ لما رَوَاهُ سكت عَنهُ إلاّ أَنه قَالَ: اخْتلف أَصْحَاب شُعْبَة فِيهِ، فرفعه بَعضهم، وَوَقفه بَعضهم، وَرَوَاهُ الثِّقَات عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يذكر فِيهِ صَلَاة النَّهَار،.

     وَقَالَ  النَّسَائِيّ: هَذَا الحَدِيث عِنْدِي خطأ.
.

     وَقَالَ  فِي ( سنَنه الْكُبْرَى) : إِسْنَاده جيد إلاّ أَن جمَاعَة من أَصْحَاب ابْن عمر خالفوا الْأَزْدِيّ فِيهِ، فَلم يذكرُوا فِيهِ النَّهَار، مِنْهُم: سَالم وَنَافِع وطاووس، والْحَدِيث فِي ( الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث جمَاعَة عَن ابْن عمر، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر النَّهَار،.

     وَقَالَ  الدَّارَقُطْنِيّ: فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ( صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) غير مَحْفُوظ، وَإِنَّمَا تعرف صَلَاة النَّهَار عَن يعلى بن عَطاء عَن عَليّ الْبَارِقي عَن ابْن عمر، وَقد خَالفه نَافِع وَهُوَ أحفظ مِنْهُ فَذكر إِن صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى وَالنَّهَار أَرْبعا.
فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: سُئِلَ أَبُو عبد الله البُخَارِيّ عَن حَدِيث الْبَارِقي هَذَا: أصحيح هُوَ؟ قَالَ: نعم.
.

     وَقَالَ  ابْن الْجَوْزِيّ: هَذِه زِيَادَة من ثِقَة فَهِيَ مَقْبُولَة.
قلت: لَو كَانَ هَذَا صَحِيحا لخرجه البُخَارِيّ هُنَا،.

     وَقَالَ  يحيى: كَانَ شُعْبَة يَنْفِي هَذَا الحَدِيث، وَرُبمَا لم يرفعهُ، وروى إِبْرَاهِيم الحنيني عَن مَالك والنمري عَن نَافِع عَن ابْن عمر، يرفعهُ: ( صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) .
.

     وَقَالَ  ابْن عبد الْبر: رِوَايَة الحنيني خطأ، وَلم يُتَابِعه عَن مَالك أحد.

الْوَجْه الثَّانِي: أَن الشَّافِعِي احْتج بِهِ على أَن الإيتار بِرَكْعَة وَاحِدَة جَائِز، وَاحْتج أَيْضا بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: ( كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي من اللَّيْل عشر رَكْعَات ويوتر بِسَجْدَة وَيسْجد بسجدتي الْفجْر، فَذَلِك ثَلَاث عشرَة رَكْعَة) .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره،.

     وَقَالَ  النَّوَوِيّ: وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمذهب الْجُمْهُور.
.

     وَقَالَ  أَبُو حنيفَة: لَا يَصح الإيتار بِوَاحِدَة وَلَا تكون الرَّكْعَة الْوَاحِدَة صَلَاة قطّ، وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ترد عَلَيْهِ قلت: مَعْنَاهُ يُوتر بِسَجْدَة أَي: بِرَكْعَة وَرَكْعَتَيْنِ قبله فَيصير وتره ثَلَاثًا ونفله ثمانيا، والركعتان للفجر، وَلأبي حنيفَة أَيْضا أَحَادِيث صَحِيحَة ترد عَلَيْهِ.
مِنْهَا: مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي ( سنَنه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَة، قَالَت: ( كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يسلم فِي رَكْعَتي الْوتر) ، وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ فِي ( مُسْتَدْركه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَة، قَالَت: ( كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوتر بِثَلَاث لَا يسلم إلاّ فِي آخِرهنَّ) .
.

     وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يخرجَاهُ.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَن يحيى بن زَكَرِيَّا عَن الْأَعْمَش عَن مَالك بن الْحَارِث عَن عبد الرَّحْمَن ابْن يزِيد النَّخعِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( وتر اللَّيْل ثَلَاث كوتر النَّهَار صَلَاة الْمغرب) .
فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يروه عَن الْأَعْمَش مَرْفُوعا غير يحيى بن زَكَرِيَّا وَهُوَ ضَعِيف،.

     وَقَالَ  الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ الثَّوْريّ وَعبد الله بن نمير وَغَيرهمَا عَن الْأَعْمَش فوقفوه.
قلت: لَا يضرنا كَونه مَوْقُوفا على مَا عرف، مَعَ أَن الدَّارَقُطْنِيّ أخرج عَن عَائِشَة أَيْضا نَحوه مَرْفُوعا.
وَأخرج النَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة عَن الفضيل بن عِيَاض عَن هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن ابْن عمر، قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( صَلَاة الْمغرب وتر صَلَاة النَّهَار فأوتروا صَلَاة اللَّيْل) .
وَهَذَا السَّنَد على شَرط الشَّيْخَيْنِ.
وروى الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا روح بن الْفرج حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير حَدثنَا بكر بن مُضر عَن جَعْفَر بن ربيعَة ( عَن عقبَة بن مُسلم، قَالَ: سَأَلت عبد الله بن عمر عَن الْوتر، فَقَالَ: أتعرف وتر النَّهَار؟ فَقلت: نعم صَلَاة الْمغرب، قَالَ: صدقت وأحسنت) .
.

     وَقَالَ  الطَّحَاوِيّ: وَعَلِيهِ يحمل حَدِيث ابْن عمر ( أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صَلَاة اللَّيْل) إِلَى آخر حَدِيث الْبابُُ، قَالَ: مَعْنَاهُ: صل رَكْعَة فِي ثِنْتَيْنِ قبلهَا وتتفق بذلك الْأَخْبَار.
حَدثنَا أَبُو بكرَة حَدثنَا أَبُو دَاوُد حَدثنَا أَبُو خَالِد: سَأَلت أَبَا الْعَالِيَة عَن الْوتر.
فَقَالَ: علمنَا أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الْوتر مثل صَلَاة الْمغرب، هَذَا وتر اللَّيْل، وَهَذَا وتر النَّهَار.
وروى الطَّحَاوِيّ عَن أنس قَالَ: الْوتر ثَلَاث رَكْعَات.
وروى أَيْضا عَن الْمسور بن مخرمَة، قَالَ: دفنا أَبَا بكر لَيْلًا فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِنِّي لم أوتر، فَقَامَ وصففنا وَرَاءه فصلى بِنَا ثَلَاث رَكْعَات لم يسلم إلاّ فِي آخِرهنَّ.
وروى ابْن أبي شيبَة فِي ( مُصَنفه) : حَدثنَا حَفْص بن عمر عَن الْحسن، قَالَ: أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْوتر ثَلَاثَة لَا يسلم إلاّ فِي آخِرهنَّ.
.

     وَقَالَ  الْكَرْخِي: أجمع الْمُسلمُونَ ... إِلَى آخِره، نَحوه، ثمَّ قَالَ: وأوتر سعد بن أبي وَقاص بِرَكْعَة فَأنْكر عَلَيْهِ ابْن مَسْعُود،.

     وَقَالَ : مَا هَذِه البتيراء الَّتِي لَا نعرفها على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَعَن عبد الله بن قيس، قَالَ: ( قلت لعَائِشَة: بكم كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوتر؟ قَالَت: كَانَ يُوتر بِأَرْبَع وَثَلَاث، وست وَثَلَاث وثمان وَثَلَاث، وَعشر وَثَلَاث، وَلم يكن يُوتر بِأَقَلّ من سبع وَلَا بِأَكْثَرَ من عشرَة) .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فقد نصت على الْوتر بِثَلَاثَة وَلم تذكر الْوتر بِوَاحِدَة، فَدلَّ على أَنه لَا اعْتِبَار للركعة البتيراء.
.

     وَقَالَ  النَّوَوِيّ:.

     وَقَالَ  أَصْحَابنَا: لم يقل أحد من الْعلمَاء: إِن الرَّكْعَة الْوَاحِدَة لَا يَصح الإيتار بهَا إلاّ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَمن تابعهما قلت: عجبا للنووي كَيفَ ينْقل هَذَا النَّقْل الْخَطَأ وَلَا يردهُ مَعَ علمه بخطئه، وَقد ذكرنَا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ أَن الإيتار بِثَلَاث، وَلَا تجزى الرَّكْعَة الْوَاحِدَة.
وروى الطَّحَاوِيّ: عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه أثبت الْوتر بِالْمَدِينَةِ بقول الْفُقَهَاء: ثَلَاث لَا يسلم إلاّ فِي آخِرهنَّ، واتفاق الْفُقَهَاء بِالْمَدِينَةِ على اشْتِرَاط الثَّلَاث بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة يبين لَك خطأ نقل النَّاقِل اخْتِصَاص ذَلِك بِأبي حنيفَة وَالثَّوْري وأصحابهما.
فَإِن قلت: مَا تَقول فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( فَإِذا خشيت الصُّبْح فأوتر بِرَكْعَة؟) قلت: مَعْنَاهُ مُتَّصِلَة بِمَا قبلهَا، وَلذَلِك قَالَ: ( توتر لَك مَا قبلهَا) ، وَمن يقْتَصر على رَكْعَة وَاحِدَة كَيفَ توتر لَهُ مَا قبلهَا وَلَيْسَ قبلهَا شَيْء؟ فَإِن قلت: رُوِيَ أَنه قَالَ: ( من شَاءَ أوتر بِرَكْعَة، وَمن شَاءَ أوتر بِثَلَاث أَو بِخمْس) قلت: هُوَ هُوَ مَحْمُول على أَنه كَانَ قبل استقرارها، لِأَن الصَّلَاة المستقرة لَا يُخَيّر فِي أعداد ركعاتها، وَكَذَا قَول عَائِشَة: ( كَانَ يسلم بَين كل رَكْعَتَيْنِ ويوتر بِوَاحِدَة) ، يُعَارضهُ مَا روى ابْن مَاجَه عَن أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَنه كَانَ يُوتر بِسبع أَو بِخمْس لَا يفصل بَينهُنَّ بِتَسْلِيم وَلَا كَلَام، فَيحمل على أَنه كَانَ قبل اسْتِقْرَار الْوتر، وَمِمَّا يدل على مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ حَدِيث النَّهْي عَن البتيراء: أَن يُصَلِّي الرجل وَاحِدَة يُوتر بهَا.
أخرجه ابْن عبد الْبر فِي ( التَّمْهِيد) عَن أبي سعيد: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن البتيراء، وَمِمَّنْ قَالَ: يُوتر بِثَلَاث لَا يفصل بَينهُنَّ: عمر وعَلى وَابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَأبي بن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَأنس وَأَبُو أُمَامَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة وَأهل الْكُوفَة،.

     وَقَالَ  التِّرْمِذِيّ: ذهب جمَاعَة من الصَّحَابَة وَغَيرهم إِلَيْهِ.
وَعند النَّسَائِيّ بِسَنَد صَحِيح ( عَن ابي بن كَعْب: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوتر: بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَقل هُوَ الله أحد وَلَا يسلم إلاّ فِي آخِرهنَّ) .
وَعند التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحَارِث: ( عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُوتر بِثَلَاث) .

الْوَجْه الثَّالِث: فِي وَقت الْوتر، وَوَقته وَقت الْعشَاء، فَإِذا خرج وقته لَا يسْقط عَنهُ بل يَقْضِيه.
وَفِي ( شرح الْمُهَذّب) : جُمْهُور الْعلمَاء على أَن وَقت الْوتر يخرج بِطُلُوع الْفجْر، وَقيل: إِنَّه يَمْتَد بعد الْفجْر إِلَى أَن يصلى الْفجْر.
قَالَ ابْن بزيزة: ومشهور مَذْهَب مَالك أَن يصليه بعد طُلُوع الْفجْر مَا لم يصل الصُّبْح، والشاذ من مذْهبه إِنَّه لَا يُصَلِّي بعد طُلُوع الْفجْر.
قَالَ: وبالمشهور من مذْهبه قَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ، وَمن السّلف: ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعبادَة بن الصَّامِت وَحُذَيْفَة وَأَبُو الدَّرْدَاء وَعَائِشَة.
.

     وَقَالَ  طَاوُوس: يُصَلِّي الْوتر بعد صَلَاة الصُّبْح،.

     وَقَالَ  أَبُو ثَوْر وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن وَاللَّيْث: يُصَلِّي وَلَو طلعت الشَّمْس،.

     وَقَالَ  سعيد بن جُبَير: يُوتر من الْقَابِلَة، وَفِي ( المُصَنّف) : عَن الْحسن قَالَ: لَا وتر بعد الْغَدَاة، وَفِي لفظ: ( إِذا طلعت الشَّمْس فَلَا وتر) ،.

     وَقَالَ  الشّعبِيّ: من صلى الْغَدَاة وَلم يُوتر فَلَا وتر عَلَيْهِ، وَكَذَا قَالَه مَكْحُول وَسَعِيد بن جُبَير.





[ قــ :960 ... غــ :991 ]
- وعَنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ كانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ والرَّكْعَتَيْنِ فِي الوِتْرِ حَتَّى يَأمُرَ بِبَعْضِ حاجَتِهِ.

قَالَ بَعضهم: وَهُوَ مَعْطُوف على الْإِسْنَاد الأول، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَلّق، وَلَو كَانَ مُسْندًا لم يفرقه، وَإِنَّمَا فرقه لأمرين: أَحدهمَا: أَنه كَانَ سمع كلا مِنْهُمَا مفترقا عَن الآخر.
وَالْآخر: أَنه أَرَادَ الْفرق بَين الحَدِيث والأثر، وَهَذَا مَا رَوَاهُ مَالك عَن نَافِع أَن ابْن عمر ... إِلَى آخِره، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن أبي وهب عَن مَالك، وَأخرجه أَيْضا عَن صَالح بن عبد الرَّحْمَن عَن سعيد بن مَنْصُور: حَدثنَا هشيم عَن مَنْصُور ( عَن بكر بن عبد الله، قَالَ: صلى عمر رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام أرحل لنا، ثمَّ قَامَ فأوتر بِرَكْعَة) .
قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَفِي هَذِه الْآثَار أَنه كَانَ يُوتر بِثَلَاث، وَلَكِن يفصل بَين الْوَاحِدَة والاثنتين.
فَإِن قلت: هَذَا يُؤَيّد مَذْهَب من قَالَ: إِن الْوتر رَكْعَة وَاحِدَة.
قُلْنَا: إِن ابْن عمر لما سَأَلَهُ عقبَة بن مُسلم عَن الْوتر فَقَالَ: أتعرف وتر النَّهَار؟ فَقَالَ: نعم، صَلَاة الْمغرب.
قَالَ: صدقت، أَو أَحْسَنت، فَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن الْوتر كَانَ عِنْد ابْن عمر ثَلَاث رَكْعَات كَصَلَاة الْمغرب، فَالَّذِي روى عَنهُ مِمَّا ذكرنَا فعله، وَهَذَا قَوْله وَالْأَخْذ بالْقَوْل أولى لِأَنَّهُ أقوى، وَقد قُلْنَا: إِن الْحسن الْبَصْرِيّ حكى إِجْمَاع الْمُسلمين على الثَّلَاث بِدُونِ الْفَصْل.





[ قــ :961 ... غــ :99 ]
- حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ مَخْرَمَةَ بنِ سُلَيْمَانَ عنْ كُرَيْبٍ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ باتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَهْيَ خالَتُهُ فاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ واضْطَجَعَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أوْ قَرِيبا مِنْهُ فاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آياتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألَى شَنٍّ مُعَلقَةٍ فَتَوَضَّأَ فأحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ فَقُمْتُ إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأسِي وَأخَذَ بِأذُنِي يَفْتِلُهَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جاءَهُ المُؤَذِّنُ فقامَ فَصلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ..
إِنَّمَا ذكر هَذَا الحَدِيث هَهُنَا بعد أَن ذكره فِي عدَّة مَوَاضِع فِي: الْعلم وَالطَّهَارَة وَالْأَمَانَة والمساجد وَغَيرهَا، لِأَن فِيهِ تعلقا بالوتر، وَهُوَ قَوْله: (ثمَّ أوتر) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، ولنذكر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ.
قَوْله: (أَنه بَات عِنْد مَيْمُونَة) ، وَزَاد شريك بن أبي نمر: (عَن كريب عِنْد مُسلم فرقبت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَيفَ يُصَلِّي) .
وَزَاد أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) من هَذَا الْوَجْه: بِاللَّيْلِ، وَلمُسلم من طَرِيق عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (بَعَثَنِي الْعَبَّاس إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
.
) وَزَاد النَّسَائِيّ من طَرِيق حبيب بن أبي ثَابت (عَن كريب: فِي إبل أعطَاهُ إِيَّاهَا من الصَّدَقَة) .
وَلأبي عوَانَة من طَرِيق عَليّ بن عبد الله ابْن عَبَّاس عَن أَبِيه: (أَن الْعَبَّاس بَعثه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَاجَة فَوَجَدَهُ جَالِسا فِي الْمَسْجِد، فَلم استطع أَن ُأكَلِّمهُ، فَلَمَّا صلى الْمغرب قَامَ فَرَكَعَ حَتَّى أذن الْمُؤَذّن بِصَلَاة الْعشَاء) ، وَلابْن خُزَيْمَة من طَرِيق طَلْحَة بن نَافِع عَنهُ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعد الْعَبَّاس ذودا من الْإِبِل، فَبَعَثَنِي إِلَيْهِ بعد الْعشَاء وَكَانَ فِي بَيت مَيْمُونَة) .
فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف مَا قبله؟ قلت: يحْتَمل على أَنه لما لم يكلمهُ فِي الْمَسْجِد أَعَادَهُ إِلَيْهِ بعد الْعشَاء.
ولمحمد بن نصر فِي (كتاب قيام اللَّيْل) من طَرِيق مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن نويفع، (عَن كريب من الزِّيَادَة، فَقَالَ لي: يَا بني، بت اللَّيْلَة عندنَا) .
وَفِي رِوَايَة حبيب بن أبي ثَابت: (فَقلت: لَا أَنَام حَتَّى أنظر إِلَى مَا يصنع) ، أَي فِي صَلَاة اللَّيْل، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق الضَّحَّاك بن عُثْمَان عَن مخرمَة (فَقلت لميمونة: إِذا قَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأيقظيني) .
قَوْله: (فِي عرض الوسادة) ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن الْوَلِيد الْمَذْكُورَة: (وسَادَة من أَدَم حشوها لِيف) ، وَفِي رِوَايَة طَلْحَة ابْن نَافِع الْمَذْكُور: (ثمَّ دخل مَعَ امْرَأَته فِي فراشها) ، وَزَاد: (أَنَّهَا كَانَت ليلتئذ حَائِضًا) ، وَفِي رِوَايَة شريك بن أبي نمر عَن كريب فِي (التَّفْسِير) : (فَتحدث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَهله سَاعَة) .
.

     وَقَالَ  ابْن الْأَثِير: الوسادة المخدة وَالْجمع الوسائد، وَفِي (الْمطَالع: وَقد قَالُوا: إساد ووساد، والوساد مَا يتوسد إِلَيْهِ للنوم.
.

     وَقَالَ  أَبُو الْوَلِيد: وَالظَّاهِر أَنه لم يكن عِنْدهمَا فرَاش غَيره، فَلذَلِك باتوا جَمِيعًا فِيهِ.
وَالْعرض، بِفَتْح الْعين ضد الطول، وَفِي (الْمطَالع) : وَبَعْضهمْ يضمها وَالْفَتْح أشهر، وَهُوَ النَّاحِيَة والجانب.
.

     وَقَالَ  ابْن عبد الْبر: وَهِي الْفراش وَشبهه.
قَالَ: وَكَانَ وَالله أعلم مُضْطَجعا عِنْد رجل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو عِنْد رَأسه.
قَوْله: (حَتَّى انتصف اللَّيْل أَو قَرِيبا مِنْهُ) وَجزم شريك بن أبي نمر فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة: بِثلث اللَّيْل الْأَخير.
فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَينهمَا؟ قلت: يحمل على أَن الاستيقاظ وَقع مرَّتَيْنِ، فَفِي الأول: نظر إِلَى السَّمَاء ثمَّ تَلا الْآيَات ثمَّ عَاد لمضجعه فَنَامَ، وَفِي الثَّانِيَة: أعَاد ذَلِك ثمَّ تَوَضَّأ وَصلى، وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ: عَن سَلمَة بن كهيل عَن كريب فِي (الصَّحِيحَيْنِ) : (فَقَامَ من اللَّيْل فَأتى حَاجته ثمَّ غسل وَجهه وَيَديه ثمَّ قَامَ فَأتى الْقرْبَة.
.
) الحَدِيث.
وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَسْرُوق عَن سَلمَة عِنْد مُسلم: (ثمَّ قَامَ قومة أُخْرَى) ، وَعِنْده من رِوَايَة شُعْبَة عَن سَلمَة: (فَبَال) ، بدل: (فَأتى حَاجته) .
فَإِن قلت: قَرِيبا مَنْصُوب بِمَاذَا؟ قلت: بعامل مُقَدّر نَحْو: صَار اللَّيْل قَرِيبا من الانتصاف.
قَوْله: (من آل عمرَان) أَي: من خاتمتها وَهِي { إِن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض} (آل عمرَان: 091) .
إى آخرهَا.
قَوْله: (ثمَّ قَامَ إِلَى شن، زَاد مُحَمَّد بن الْوَلِيد: (ثمَّ استفرغ من الشن فِي إِنَاء ثمَّ تَوَضَّأ) .
قَوْله: (معلقَة) إِنَّمَا أنثها بِاعْتِبَار أَن الشن فِي معنى الْقرْبَة.
قَوْله: (فَأحْسن الْوضُوء) ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن الْوَلِيد وَطَلْحَة بن نَافِع جَمِيعًا: (فأسبغ الْوضُوء) ، وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن دِينَار عَن كريب: (فَتَوَضَّأ وضُوءًا خَفِيفا) ، وَلمُسلم من طَرِيق عِيَاض عَن مخرمَة: (فأسبغ الْوضُوء وَلم يمس من المَاء إلاّ قَلِيلا، وَزَاد فِيهَا: (فَتَسَوَّكَ) ، وَفِي رِوَايَة شريك عَن كريب: (فاستن) .
قَوْله: (ثمَّ قَامَ يُصَلِّي) ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن الْوَلِيد: (ثمَّ أَخذ بردا لَهُ حضرميا فتوشحه، ثمَّ دخل الْبَيْت فَقَامَ يُصَلِّي) .
قَوْله: (فَأخذ بأذني) زَاد مُحَمَّد بن الْوَلِيد فِي رِوَايَته: (فَعرفت أَنه إِنَّمَا صنع ذَلِك ليؤنسني بِيَدِهِ فِي ظلمَة اللَّيْل) .
وَفِي رِوَايَة الضَّحَّاك بن عُثْمَان: (فَجعلت إِذا أغفيت أَخذ بشحمة أُذُنِي) .
قَوْله: (فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ) ، وَفِي رِوَايَة هَذَا الْبابُُ ذكر الرَّكْعَتَيْنِ سِتّ مَرَّات، ثمَّ قَالَ: (ثمَّ أوتر) ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنه صلى ثَلَاث عشرَة رَكْعَة، وَصرح بذلك فِي رِوَايَة سَلمَة الْآتِيَة فِي الدَّعْوَات، حَيْثُ قَالَ: (فتتامت) ، وَلمُسلم: (فتكاملت صلَاته ثَلَاث عشرَة رَكْعَة) .
وَظَاهر هَذَا أَنه فصل بَين كل رَكْعَتَيْنِ، وَوَقع التَّصْرِيح بذلك فِي رِوَايَة طَلْحَة بن نَافِع حَيْثُ قَالَ فِيهَا: (يسلم بَين كل رَكْعَتَيْنِ) ، وَلمُسلم من رِوَايَة عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس التَّصْرِيح بِالْفَصْلِ أَيْضا، وَقد ورد عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذَا الْبابُُ أَحَادِيث كَثِيرَة بروايات مُخْتَلفَة، وَكَذَلِكَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
.

     وَقَالَ  الطَّحَاوِيّ: إِذا جمعت مَعَاني هَذِه الْأَحَادِيث تذل على أَن وتره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ثَلَاث رَكْعَات.
قَوْله: (ثمَّ اضْطجع حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذّن فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ) ، قَالَ القَاضِي: فِيهِ أَن الِاضْطِجَاع كَانَ قبل رَكْعَتي الْفجْر، وَفِيه رد على الشَّافِعِي فِي قَوْله: إِنَّه كَانَ بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَذهب مَالك وَالْجُمْهُور إِلَى أَنه بِدعَة.
قَوْله: (ثمَّ خرج) أَي: إِلَى الْمَسْجِد فصلى الصُّبْح بِالْجَمَاعَة.



[ قــ :96 ... غــ :993 ]
- حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهَبٍ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرٌ وأنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ القَاسِمِ حدَّثَهُ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فإِذَا أرَدْتَ أنْ تَنْصَرِفَ فارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا صَلَّيْتَ..
قد مضى هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي بابُُ مَا جَاءَ فِي الْوتر: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع وَعبد الله بن دِينَار كِلَاهُمَا عَن ابْن عمر، وَهَهُنَا أخرجه عَن يحيى بن سُلَيْمَان أبي سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي نزيل مصر، وَهُوَ من أَفْرَاده، يرْوى عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

قَالَ القاسِمُ: ورَأيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلاثٍ وَإنْ كُلاًّ لَوَاسِعٌ أرْجُو أنْ لاَ يَكُونَ بِشَيءٍ منْهُ بَأْسٌ

الْقَاسِم: هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمَذْكُور آنِفا فِي الحَدِيث.
قَالَ بَعضهم: هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور كَذَلِك أخرجه أَبُو نعيم فِي ( مستخرجه) وَوهم من زعم أَنه مُعَلّق.
قلت: الصَّوَاب مَعَ من ادّعى التَّعْلِيق لِأَنَّهُ فَصله عَمَّا قبله، فَجعله ابْتِدَاء كَلَام، وَلَا يلْزم من اسْتِخْرَاج أبي نعيم إِيَّاه مَوْصُولا أَن يكون هَذَا مَوْصُولا.
قَوْله: ( مُنْذُ أدركنا) أَي: مُنْذُ زمَان بلوغنا الْعقل والحلم.
قَوْله: ( يوترون بِثَلَاث) ، أَي: بِثَلَاث رَكْعَات.
قَوْله: ( وَإِن كلا) أَي: وَإِن كل وَاحِد من الرَّكْعَة وَالثَّلَاث وَاسع، يَعْنِي: لَا حرج فِي فعل أَيهمَا شَاءَ.
.

     وَقَالَ  الْكرْمَانِي: من الرَّكْعَة وَالثَّلَاث وَالْخمس والسبع وَالتسع والإحدى عشرَة لجائز.
قلت: الْكَلَام فِي الْوتر الَّذِي هُوَ رَكْعَة وَاحِدَة أم ثَلَاث رَكْعَات وَمَا فَوق الثَّلَاث من الأوتار لَيْسَ فِيهِ خلاف،.

     وَقَالَ  بَعضهم: فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَن الْقَاسِم فهم من قَوْله: ( فاركع رَكْعَة) أَي: مُنْفَرِدَة مُنْفَصِلَة، وَدلّ ذَلِك على أَنه لَا فرق عِنْده بَين الْوَصْل والفصل فِي الْوتر.
قلت: الْقَاسِم صَاحب لِسَان وَفهم وَعلم، كَيفَ ينْسب إِلَيْهِ مَا لَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ؟ فَإِن قَوْله: ( فاركع رَكْعَة) يَعْنِي: رَكْعَة وَاحِدَة، وَهُوَ أَعم من أَن تكون مُتَّصِلَة أَو مُنْفَصِلَة، وَلَكِن قَوْله: ( توتر لَك مَا صليت) ، يدل على أَنه يوصلها بالركعتين اللَّتَيْنِ قبلهَا حَتَّى يكون مَا صلاه وترا ثَلَاث رَكْعَات، لِأَن المُرَاد من قَوْله: ( مَا صليت) ، هُوَ الَّذِي صلاه قبل هَذِه الرَّكْعَة، وَلَا يكون هَذَا وترا إلاَّ إِذا انضمت إِلَيْهِ هَذِه الرَّكْعَة الْوَاحِدَة من غير فصل، فَإِذا فصل لَا يكون الْوتر إلاّ هَذِه الرَّكْعَة وَهِي وَاحِدَة، والواحدة بتيراء، وَقد نهى عَنْهَا على مَا ذكرنَا فِيمَا مضى.





[ قــ :963 ... غــ :994 ]
- حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ إخْبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ ركْعَةً كانَتْ تِلْكَ صَلاَتَهُ تَعْنِي بِاللَّيْلِ فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذالِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَة قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ ويرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْمَنِ حَتَّى يأتِيهِ المُؤذِّنُ لِلصَّلاَةِ..

هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بابُُ طول السُّجُود فِي قيام اللَّيْل، بِهَذَا الْإِسْنَاد والمتن بعينهما، وَأَبُو الْيَمَان الحكم ابْن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.
قَوْله: ( كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عشرَة رَكْعَة) ، وَرُوِيَ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، خلاف مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَنهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: ( أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاث عشرَة رَكْعَة، ثمَّ يُصَلِّي إِذا سمع النداء رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) أخرجه أَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي عَن مَالك.
وَأخرجه الطَّحَاوِيّ عَن يُونُس بن عبد على عَن ابْن وهب عَن مَالك نَحوه، وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم، قَالَا: حَدثنَا أبان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة ( عَن عَائِشَة عَن نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل ثَلَاث عشرَة رَكْعَة، كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِي رَكْعَات ويوتر بِرَكْعَة، ثمَّ يُصَلِّي.
قَالَ مُسلم: بعد الْوتر رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ قَاعد، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع قَامَ فَرَكَعَ، وَيُصلي بَين أَذَان الْفجْر وَالْإِقَامَة رَكْعَتَيْنِ)
.
وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا.
وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة، قَالَت: ( وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي من اللَّيْل عشر رَكْعَات ويوتر بِسَجْدَة، وَيسْجد سَجْدَتي الْفجْر، فَذَلِك ثَلَاث عشرَة رَكْعَة) .
وَأخرج أَيْضا من حَدِيث الْأسود بن يزِيد: ( أَنه دخل على عَائِشَة فَسَأَلَهَا عَن صَلَاة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِاللَّيْلِ فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاث عشرَة رَكْعَة من اللَّيْل، ثمَّ إِنَّه يُصَلِّي إِحْدَى عشرَة رَكْعَة وَيتْرك رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قبض حِين قبض وَهُوَ يُصَلِّي من اللَّيْل تسع رَكْعَات آخر صلَاته من اللَّيْل الْوتر) .
وروى أَيْضا من حَدِيث سعد بن هِشَام فِي حَدِيث طَوِيل: أَنه سَأَلَ عَائِشَة قَالَ: ( قلت حدثيني عَن قيام اللَّيْل! فَأخْبرت بِهِ ثمَّ قَالَ: حدثيني عَن وتر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَت: كَانَ يُوتر بثمان رَكْعَات لَا يجلس إلاّ فِي الثَّامِنَة والتاسعة، وَلَا يسلم إلاّ فِي التَّاسِعَة، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس، فَتلك إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، يَا بني، فَلَمَّا أسن وَأخذ اللَّحْم أوتر بِسبع رَكْعَات لم يجلس إلاّ فِي السَّادِسَة وَالسَّابِعَة، وَلم يسلم إلاّ فِي السَّابِعَة، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس، فَتلك تسع رَكْعَات يَا بني) .
إعلم أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أطلقت على جَمِيع صلَاته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي اللَّيْل الَّتِي كَانَ فِيهَا الْوتر: وترا، فجملتها إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، وَهَذَا كَانَ قبل أَن يبدن وَيَأْخُذ اللَّحْم، فَلَمَّا بدن وَأخذ اللَّحْم أوتر بِسبع رَكْعَات، وَهَهُنَا أَيْضا أطلقت على الْجَمِيع: وترا، وَالْوتر مِنْهَا ثَلَاث رَكْعَات، أَربع قبله من النَّفْل وَبعده رَكْعَتَانِ، فالجميع تسع رَكْعَات.
فَإِن قلت: قد صرحت فِي الصُّورَة الأولى بقولِهَا: ( لَا يجلس إلاّ فِي الثَّامِنَة وَلَا يسلم إلاّ فِي التَّاسِعَة) ، وصرحت فِي الصُّورَة الثَّانِيَة بقولِهَا: ( لم يجلس إلاّ فِي السَّادِسَة وَالسَّابِعَة، وَلم يسلم إلاّ فِي السَّابِعَة) .
قلت: هَذَا اقْتِصَار مِنْهَا على بَيَان جُلُوس الْوتر وَسَلَامه، لِأَن السَّائِل إِنَّمَا سَأَلَ عَن حَقِيقَة الْوتر وَلم يسْأَل عَن غَيره، فأجابت مبينَة بِمَا فِي الْوتر من الْجُلُوس على الثَّانِيَة بِدُونِ سَلام، وَالْجُلُوس أَيْضا على الثَّالِثَة بِسَلام وَهَذَا عين مَذْهَب أبي حنيفَة، وَسكت عَن جُلُوس الرَّكْعَات الَّتِي قبلهَا وَعَن السَّلَام فِيهَا، كَمَا أَن السُّؤَال لم يَقع عَنْهَا، فجوابها قد طابق سُؤال السَّائِل، غير أَنَّهَا أطلقت على الْجَمِيع: وترا فِي الصُّورَتَيْنِ لكَون الْوتر فِيهَا، وَيُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ مَا روى الطَّحَاوِيّ: من حَدِيث يحيى بن أَيُّوب عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن ( عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتر بعدهمَا: بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَيقْرَأ فِي الْوتر: قل هُوَ الله أحد، وَقل أعوذ بِرَبّ الفلق، وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس) .
وَأخرج من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: ( أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يقْرَأ فِي الْوتر فِي الرَّكْعَة الأولى: بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَة: قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَة: قل هُوَ الله أحد) .
وَقد وَقع الِاخْتِلَاف فِي أعداد رَكْعَات صلَاته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِاللَّيْلِ من سبع وتسع وَإِحْدَى عشرَة وَثَلَاث عشرَة إِلَى سبع عشرَة رَكْعَة، وَقدر عدد رَكْعَات الْفَرْض فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة.
فَإِن قلت: مَا تَقول فِي هَذَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: كل وَاحِد من الروَاة مثل عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَزيد بن خَالِد وَغَيرهم أخبر بِمَا شَاهده، وَأما الِاخْتِلَاف عَن عَائِشَة فَقيل: هُوَ من الروَاة عَنْهَا، وَقيل: هُوَ مِنْهَا: وَيحْتَمل أَنَّهَا أخْبرت عَن حالات: مِنْهَا: مَا هُوَ الْأَغْلَب من فعله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمِنْهَا: مَا هُوَ نَادِر: وَمِنْهَا: مَا هُوَ اتّفق من اتساع الْوَقْت وضيقه على مَا ذَكرْنَاهُ.