فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب: صوم رمضان احتسابا من الإيمان

( بابٌُ صَوْمُ رَمَضانَ احْتِسابا مِنَ الإيمانِ)

أَي: هَذَا بابُُ، قَوْله: ( صَوْم رَمَضَان) كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره: قَوْله: ( من الْإِيمَان) .
قَوْله: ( احتسابا) حَال بِمَعْنى: محتسبا، أَو مفعول لَهُ، أَو تَمْيِيز، وَفِيه نظر، وَإِنَّمَا لم يقل: إِيمَانًا واحتسابا، إِمَّا لِأَنَّهُ لما كَانَ حسبَة لله تَعَالَى خَالِصا لَهُ لَا يكون إلاَّ للْإيمَان، وَإِمَّا لِأَنَّهُ اخْتَصَرَهُ بِذكرِهِ، إِذْ الْعَادة الِاخْتِصَار فِي التراجم والعناوين؛ وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبابَُُيْنِ ظَاهر.



[ قــ :38 ... غــ :38 ]
- حدّثنا ابنُ سَلاَمٍ قَالَ أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بُن فُضَيْلٍ قَالَ حدّثنا يحْيَى بنُ سَعيدٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَن صامَ رَمَضانَ إِيمَانًا واحْتِسابا غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

( رَاجع الحَدِيث رقم 35) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن سَالم البيكندي، وَالصَّحِيح تَخْفيف لامه، وَقد مر ذكره.
الثَّانِي: مُحَمَّد بن فُضَيْل، بِضَم الْفَاء وَفتح الْمُعْجَمَة، ابْن غَزوَان بن جرير الضَّبِّيّ، مَوْلَاهُم الْكُوفِي، سمع السبيعِي وَالْأَعْمَش وَغَيرهمَا من التَّابِعين، وَعنهُ الثَّوْريّ وَأحمد وَخلق من الْأَعْيَان، قَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق من أهل الْعلم، مَاتَ سنة تسع وَخمسين وَمِائَة.
الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة.
الرَّابِع: أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله عَنهُ.
الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

وَقد مر الْكَلَام فِي أَلْفَاظه عَن قريب.
وَمعنى من صَامَ رَمَضَان أَي: فِي رَمَضَان، أَي: شهر رَمَضَان.
فَإِن قيل: هَل يَكْفِي أقل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ إسم الصَّوْم حَتَّى لَو صَامَ يَوْمًا وَاحِدًا دخل الْجنَّة؟ قلت: إِنَّه لَا يُقَال فِي الْعرف صَامَ رَمَضَان إِلَّا إِذا صَامَ كُله، والسياق ظَاهر فِيهِ.
فَإِن قيل: الْمَعْذُور كَالْمَرِيضِ إِذا ترك الصَّوْم فِيهِ، وَلَو لم يكن مَرِيضا لَكَانَ صَائِما، وَكَانَ نِيَّته الصَّوْم لَوْلَا الْعذر هَل يدْخل تَحت هَذَا الحكم؟ .
الْجَواب: نعم، كَمَا أَن الْمَرِيض إِذا صلى قَاعِدا لعذر لَهُ ثَوَاب صَلَاة الْقَائِم.
قَالَه الْعلمَاء.
فَإِن قيل: كل من اللَّفْظَيْنِ وهما: إِيمَانًا واحتسابا، يُغني عَن الآخر، إِذْ الْمُؤمن لَا يكون إلاَّ محتسبا، والمحتسب لَا يكون إلاَّ مُؤمنا، فَهَل لغير التَّأْكِيد فِيهِ فَائِدَة أم لَا؟ الْجَواب: الْمُصدق لشَيْء رُبمَا لَا يَفْعَله مخلصا بل للرياء وَنَحْوه، والمخلص فِي الْفِعْل رُبمَا لَا يكون مُصدقا بثوابه وبكونه طَاعَة مَأْمُورا بِهِ سَببا للمغفرة وَنَحْوه، أَو الْفَائِدَة هُوَ التَّأْكِيد، ونعمت الْفَائِدَة.