فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب ما جاء في قاتل النفس

( بابُُ مَا جاءَ فِي قاتِلِ النَّفْسِ)

أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي حق قَاتل النَّفس، قيل: مَقْصُود التَّرْجَمَة حكم قَاتل النَّفس، وَالْمَذْكُور فِي الْبابُُ حكم قَاتل نَفسه فَهُوَ أخص من التَّرْجَمَة، وَلكنه أَرَادَ أَن يلْحق بِقَاتِل نَفسه قَاتل غَيره من بابُُ الأولى.
قلت: قَوْله: قَاتل النَّفس، أَعم من أَن يكون قَاتل نَفسه، وَقَاتل غَيره، فَهَذَا اللَّفْظ يَشْمَل الْقسمَيْنِ فَلَا يحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى دَعْوَى الأخصية وَلَا إِلَى إِلْحَاق قَاتل الْغَيْر بِقَاتِل نَفسه، وَلَا يلْزم أَن يكون حَدِيث الْبابُُ طبق التَّرْجَمَة من سَائِر الْوُجُوه، بل إِذا صدق الحَدِيث على جُزْء مَا صدقت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، كفى.
وَقيل: عَادَة البُخَارِيّ إِذا توقف فِي شَيْء ترْجم عَلَيْهِ تَرْجَمَة مُبْهمَة كَأَنَّهُ يُنَبه على طَرِيق الِاجْتِهَاد، وَقد نقل عَن مَالك أَن قَاتل النَّفس لَا تقبل تَوْبَته، وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يصلى عَلَيْهِ.
قلت: لَا نسلم أَن هَذِه التَّرْجَمَة مُبْهمَة، والإبهام من أَيْن جَاءَ وَهِي ظَاهِرَة فِي تنَاولهَا الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين كَمَا ذكرنَا؟.

     وَقَالَ  بَعضهم: لَعَلَّ البُخَارِيّ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ( أُتِي بِرَجُل قتل نَفسه بمشاقص فَلم يصل عَلَيْهِ) .
وَفِي رِوَايَة للنسائي: ( أما أَنا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ) لكنه لما لم يكن على شَرطه أَوْمَأ إِلَيْهِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَأورد فِيهَا مَا يُشبههُ من قصَّة قَاتل نَفسه.
قلت: تَوْجِيه كَلَام البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة بالتخمين لَا يُفِيد، وَكَلَامه ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ.

[ قــ :1309 ... غــ :1363 ]
- حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ ثابتِ ابنِ الضَّحَّاكِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ كاذِبا مُتَعَمِّدا فَهْوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ..
وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة مَا ذَكرْنَاهُ.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تقدمُوا، وخَالِد هُوَ الْحذاء وَأَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ الأشْهَلِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، وَهُوَ صَغِير، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين.

وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي النذور عَن مُعلى بن أَسد وَفِي الْأَدَب أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار.
وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي غَسَّان وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع.
وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي تَوْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع.
وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن مَحْمُود بن خَالِد وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن الْمثنى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: ( بِملَّة) ، الْملَّة الدّين كملة الْإِسْلَام واليهودية والنصرانية، وَقيل: هِيَ مُعظم الدّين، وَجُمْلَة مَا يَجِيء بِهِ الرُّسُل.
صورته أَن يحلف بدين النَّصَارَى أَو بدين مِلَّة من ملل الْكَفَرَة.
قَوْله: ( كَاذِبًا) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: حلف، أَي: حَال كَونه كَاذِبًا فِي تَعْظِيم تِلْكَ الْملَّة الَّتِي حلف بهَا، فَيكون هَذَا الْحَال من الْأَحْوَال اللَّازِمَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: { وَهُوَ الْحق مُصدقا} ( الْبَقَرَة: 29، وفاطر: 13) .
لِأَن من عظم غير مِلَّة الْإِسْلَام كَانَ كَاذِبًا فِي تَعْظِيم ذَلِك دَائِما فِي كل حَال، وَفِي كل وَقت، وَلَا ينْتَقل عَنهُ وَلَا يصلح أَن يُقَال: إِنَّه يَعْنِي بِكَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَوِي فِي حَقه كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذمه الشَّرْع من حَيْثُ إِنَّه حلف بِتِلْكَ الْملَّة الْبَاطِلَة مُعظما لَهَا على نَحْو مَا يعظم بِهِ مِلَّة الْإِسْلَام الْحق، وَلَا فرق بَين أَن يكون صَادِقا أَو كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ.
قَوْله: ( مُتَعَمدا) أَيْضا حَال من الْأَحْوَال المتداخلة أَو المترادفة، قيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْحَالِف بذلك غير مُعْتَقد لذَلِك فَهُوَ آثم مرتكب كَبِيرَة إِذْ قد تشبه فِي قَوْله بِمن يعظم تِلْكَ الْملَّة ويعتقدها، فغلظ عَلَيْهِ الْوَعيد بِأَن صير كواحد مِنْهُم مُبَالغَة فِي الردع والزجر، كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم} ( الْمَائِدَة: 15) .
.

     وَقَالَ  الْقُرْطُبِيّ: قَوْله: ( مُتَعَمدا) ، يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَانَ مُعْتَقدًا لتعظيم تِلْكَ الْملَّة الْمُغَايرَة لملة الْإِسْلَام، وَحِينَئِذٍ يكون كَافِرًا حَقِيقَة، فَيبقى اللَّفْظ على ظَاهره.
قَوْله: ( فَهُوَ كَمَا قَالَ) ، قَالَ ابْن بطال: أَي: هُوَ كَاذِب لَا كَافِر، وَلَا يخرج بِهَذِهِ الْقِصَّة من الْإِسْلَام إِلَى الدّين الَّذِي حلف بِهِ لِأَنَّهُ لم يقل مَا يَعْتَقِدهُ، فَوَجَبَ أَن يكون كَاذِبًا، كَمَا قَالَ لَا كَافِرًا.
قَالَ: فَإِن ظن أَن فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيلا على إِبَاحَة الْحلف بِملَّة غير الْإِسْلَام صَادِقا لاشتراطه فِي الحَدِيث أَن يحلف بِهِ كَاذِبًا، قيل لَهُ: لَيْسَ كَمَا توهمت لوُرُود نهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحلف بِغَيْر الله نهيا مُطلقًا، فَاسْتَوَى فِي ذَلِك الْكَاذِب والصادق.
.

     وَقَالَ  الْكرْمَانِي: قَوْله: ( فَهُوَ كَمَا قَالَ) أَي: فَهُوَ على مِلَّة غير الْإِسْلَام، لِأَن الْحلف بالشَّيْء تَعْظِيم لَهُ، ثمَّ قَالَ: الظَّاهِر أَنه تَغْلِيظ.
قلت: حمله على هَذَا التَّفْسِير صرفه معنى قَوْله: كَاذِبًا إِلَى الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، وَقد ذكرنَا أَنه لَا يصلح ذَلِك لِاسْتِوَاء كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام،.

     وَقَالَ  ابْن الْجَوْزِيّ إِنَّمَا يحلف الْحَالِف بِمَا كَانَ عَظِيما عِنْده، وَمن اعْتقد تَعْظِيم مِلَّة من ملل الْكفْر فقد ضاهى الْكفَّار.
انْتهى.
قلت: فقد كفر حَقِيقَة والمضاهاة دون ذَلِك.
قَوْله: ( بحديدة) أَرَادَ بِهِ آلَة قاطمة مثل السَّيْف والسكين وَنَحْوهمَا، والحديدة أخص من الْحَدِيد سمي بِهِ لِأَنَّهُ منيع، لِأَن أَصله من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع وَالْجمع حدائد، وَجَاء فِي الشّعْر: الحديدات.
قَوْله: ( عذب بِهِ) ، ويروى: ( بهَا) ، أَي: بالحديدة، وَأما تذكير الضَّمِير فباعتبار الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا يعذب بهَا لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه على أَن الْحَالِف بِالْيَمِينِ الْمَذْكُور ينْعَقد يَمِينه وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، لِأَن الله تَعَالَى أوجب على الْمظَاهر الْكَفَّارَة، وَهُوَ مُنكر من القَوْل وزور، وَالْحلف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مُنكر وزور،.

     وَقَالَ  النَّوَوِيّ: لَا ينْعَقد بِهَذِهِ الْأَشْيَاء يَمِين، وَعَلِيهِ أَن يسْتَغْفر الله ويوحده وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ سَوَاء فعله أم لَا.
.

     وَقَالَ : هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء، وَاحْتَجُّوا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( من حلف فَقَالَ بِاللات والعزى فَلْيقل لَا إِلَه إلاَّ الله) ، وَلم يذكر فِي الحَدِيث كَفَّارَة، قُلْنَا: لَا يلْزم من عدم ذكرهَا فِيهِ نفي وجوب الْكَفَّارَة،.

     وَقَالَ  ابْن بطال فِي قَوْله: ( وَمن قتل نَفسه بحديدة) : أجمع الْفُقَهَاء وَأهل السّنة على أَنه من قتل نَفسه أَنه لَا يخرج بذلك من الْإِسْلَام، وَأَنه يصلى عَلَيْهِ وإثمه عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ مَالك، وَلم يكره الصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَّا عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالصَّوَاب قَول الْجَمَاعَة لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنّ الصَّلَاة على الْمُسلمين وَلم يسْتَثْن مِنْهُم أحدا فيصلى على جَمِيعهم.
قلت: قَالَ أَبُو يُوسُف: لَا يصلى على قَاتل نَفسه لِأَنَّهُ ظَالِم لنَفسِهِ فَيلْحق بالباغي وقاطع الطَّرِيق، وَعند أبي حنيفَة وَمُحَمّد: يصلى عَلَيْهِ لِأَن دَمه هذر كَمَا لَو مَاتَ حتفه.





[ قــ :1309 ... غــ :1364 ]
- وَقَالَ حجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حَدثنَا جَريرُ بنُ حازِمٍ عنِ الحَسَنِ قَالَ حَدثنَا جُنْدَبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِي هاذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ الله عزَّ وجَلَّ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ.

( الحَدِيث 4631 طرفه فِي: 3643) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله فِي ذكر بني إِسْرَائِيل فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال فَذكره، وَفِي ( التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه بِلَفْظ: قَالَ، وخرجه فِي أَخْبَار بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال، قَالَ: وَهُوَ يضعف قَول من قَالَ: إِنَّه إِذا قَالَ عَن شَيْخه،.

     وَقَالَ  فلَان، يكون أَخذه عَنهُ مذاكرة، وَلَفظه هُنَاكَ: كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع، فَأخذ سكينا فحز بهَا يَده فَمَا رقي الدَّم حَتَّى مَاتَ، وَعند مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي: حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا أبي، وَلَفظه: ( خرجت بِهِ قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَته فنكاها فَلم يرق الدَّم حَتَّى مَاتَ) .
.

     وَقَالَ  أَبُو عبد الله الْحَاكِم مُحَمَّد هَذَا هُوَ الذهلي، قَالَ الجياني: وَنسبه أَبُو عَليّ ابْن السكن عَن الْفربرِي، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا حجاج،.

     وَقَالَ  الدَّارَقُطْنِيّ: قد أخرج البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن معمر وَهُوَ مَشْهُور بالرواية، ثمَّ رَوَاهُ أَبُو عَليّ عَن حَكِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو بكر بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن قديد حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحرز حَدثنَا حجاج فَذكره.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: ( فِي هَذَا الْمَسْجِد) ، الظَّاهِر أَنه مَسْجِد الْبَصْرَة، قَوْله: ( فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَاف) ذكر هَذَا للتَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق.
قَوْله: ( عَن النَّبِي) ، ويروى: ( عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَهُوَ ظَاهر، لِأَنَّهُ يُقَال: كذب عَلَيْهِ، وَأما رِوَايَة: عَن، فعلى معنى النَّقْل، قَوْله: ( بِرَجُل جراح) ، لم يعرف الرجل من هُوَ، و: الْجراح، بِكَسْر الْجِيم، ويروى: ( خراج) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَهُوَ فِي اصْطِلَاح الْأَطِبَّاء: الورم إِذا اجْتمعت مادته المتفرقة فِي لِيف الْعُضْو الورم إِلَى تجويف وَاحِد، وَقبل ذَلِك يُسمى ورما وَفِي ( الْمُحكم) هُوَ اسْم لما يخرج فِي الْبدن، زَاد فِي ( الْمُنْتَهى) : من القروح.
وَفِي ( الْمغرب) : الْخراج، بِالضَّمِّ البثر الْوَاحِدَة، خراجة، وَزعم أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنه يجمع على خراجات وخرجات.
وَفِي ( الجمهرة) و ( الْجَامِع) و ( الموعب) : الْخراج مَا خرج على الْجَسَد من دمل وَنَحْوه وَزعم النَّوَوِيّ أَن الْخراج قرحَة، بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء، وَهِي وَاحِدَة القروح، وَهِي حبات تخرج فِي بدن الْإِنْسَان.
وَفِي ( التَّلْوِيح) : ينظر فِيهِ من سلفه فِيهِ.
قَوْله: ( قتل نَفسه) ، أَي: بِسَبَب الْجراح، وَهِي جملَة وَقعت صفة، ويروى: ( فَقتل) .
قَوْله: ( بدرني) ، معنى الْمُبَادرَة: عدم صبره حَتَّى يقبض الله روحه حتف أَنفه، يُقَال: بدرني، أَي: سبقني من بدرت إِلَى الشَّيْء أبدر بَدْرًا: إِذا أسرعت: وَكَذَلِكَ: بادرت إِلَيْهِ.
قَوْله: ( حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) مَعْنَاهُ: إِن كَانَ مستحلاً فعقوبته مُؤَبّدَة، أَو مَعْنَاهُ: حرمت قبل دُخُول النَّار، أَو المُرَاد من الْجنَّة: جنَّة خَاصَّة لِأَن الْجنان كَثِيرَة، أَو هُوَ من بابُُ التغيظ، أَو هُوَ مُقَدّر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَعيد لهَذَا الرجل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وانضم إِلَى هَذَا الرجل مشركه،.

     وَقَالَ  ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون كَافِرًا، لقَوْله: ( فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) ، وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الْجنَّة مُحرمَة على الْكَافِر سَوَاء قتل نَفسه اَوْ استبقاها، وعَلى تَقْدِير أَن يكون كَافِرًا، إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول من يَقُول: إِن الْكفَّار مطالبون بالفروع الشَّرْعِيَّة، وعَلى القَوْل الآخر: لَا يحسن ذَلِك، ثمَّ إِن الحَدِيث لَا دلَالَة فِيهِ على كفر وَلَا إِيمَان، بل هُوَ على الْإِيمَان أدل من غَيره، وَالله أعلم، لَا سِيمَا وَقد ورد فِي ( المُصَنّف) لِابْنِ أبي شيبَة: حَدثنَا شريك عَن سماك ( عَن جَابر بن سَمُرَة: أَن رجلا من أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَصَابَته جِرَاحَة فآلمته، فَأخذ مشقصا فَقتل بِهِ نَفسه، فَلم يصلِّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ) .





[ قــ :1309 ... غــ :1364 ]
- وَقَالَ حجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حَدثنَا جَريرُ بنُ حازِمٍ عنِ الحَسَنِ قَالَ حَدثنَا جُنْدَبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِي هاذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ الله عزَّ وجَلَّ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ.

( الحَدِيث 4631 طرفه فِي: 3643) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله فِي ذكر بني إِسْرَائِيل فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال فَذكره، وَفِي ( التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه بِلَفْظ: قَالَ، وخرجه فِي أَخْبَار بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال، قَالَ: وَهُوَ يضعف قَول من قَالَ: إِنَّه إِذا قَالَ عَن شَيْخه،.

     وَقَالَ  فلَان، يكون أَخذه عَنهُ مذاكرة، وَلَفظه هُنَاكَ: كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع، فَأخذ سكينا فحز بهَا يَده فَمَا رقي الدَّم حَتَّى مَاتَ، وَعند مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي: حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا أبي، وَلَفظه: ( خرجت بِهِ قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَته فنكاها فَلم يرق الدَّم حَتَّى مَاتَ) .
.

     وَقَالَ  أَبُو عبد الله الْحَاكِم مُحَمَّد هَذَا هُوَ الذهلي، قَالَ الجياني: وَنسبه أَبُو عَليّ ابْن السكن عَن الْفربرِي، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا حجاج،.

     وَقَالَ  الدَّارَقُطْنِيّ: قد أخرج البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن معمر وَهُوَ مَشْهُور بالرواية، ثمَّ رَوَاهُ أَبُو عَليّ عَن حَكِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو بكر بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن قديد حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحرز حَدثنَا حجاج فَذكره.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: ( فِي هَذَا الْمَسْجِد) ، الظَّاهِر أَنه مَسْجِد الْبَصْرَة، قَوْله: ( فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَاف) ذكر هَذَا للتَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق.
قَوْله: ( عَن النَّبِي) ، ويروى: ( عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَهُوَ ظَاهر، لِأَنَّهُ يُقَال: كذب عَلَيْهِ، وَأما رِوَايَة: عَن، فعلى معنى النَّقْل، قَوْله: ( بِرَجُل جراح) ، لم يعرف الرجل من هُوَ، و: الْجراح، بِكَسْر الْجِيم، ويروى: ( خراج) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَهُوَ فِي اصْطِلَاح الْأَطِبَّاء: الورم إِذا اجْتمعت مادته المتفرقة فِي لِيف الْعُضْو الورم إِلَى تجويف وَاحِد، وَقبل ذَلِك يُسمى ورما وَفِي ( الْمُحكم) هُوَ اسْم لما يخرج فِي الْبدن، زَاد فِي ( الْمُنْتَهى) : من القروح.
وَفِي ( الْمغرب) : الْخراج، بِالضَّمِّ البثر الْوَاحِدَة، خراجة، وَزعم أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنه يجمع على خراجات وخرجات.
وَفِي ( الجمهرة) و ( الْجَامِع) و ( الموعب) : الْخراج مَا خرج على الْجَسَد من دمل وَنَحْوه وَزعم النَّوَوِيّ أَن الْخراج قرحَة، بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء، وَهِي وَاحِدَة القروح، وَهِي حبات تخرج فِي بدن الْإِنْسَان.
وَفِي ( التَّلْوِيح) : ينظر فِيهِ من سلفه فِيهِ.
قَوْله: ( قتل نَفسه) ، أَي: بِسَبَب الْجراح، وَهِي جملَة وَقعت صفة، ويروى: ( فَقتل) .
قَوْله: ( بدرني) ، معنى الْمُبَادرَة: عدم صبره حَتَّى يقبض الله روحه حتف أَنفه، يُقَال: بدرني، أَي: سبقني من بدرت إِلَى الشَّيْء أبدر بَدْرًا: إِذا أسرعت: وَكَذَلِكَ: بادرت إِلَيْهِ.
قَوْله: ( حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) مَعْنَاهُ: إِن كَانَ مستحلاً فعقوبته مُؤَبّدَة، أَو مَعْنَاهُ: حرمت قبل دُخُول النَّار، أَو المُرَاد من الْجنَّة: جنَّة خَاصَّة لِأَن الْجنان كَثِيرَة، أَو هُوَ من بابُُ التغيظ، أَو هُوَ مُقَدّر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَعيد لهَذَا الرجل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وانضم إِلَى هَذَا الرجل مشركه،.

     وَقَالَ  ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون كَافِرًا، لقَوْله: ( فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) ، وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الْجنَّة مُحرمَة على الْكَافِر سَوَاء قتل نَفسه اَوْ استبقاها، وعَلى تَقْدِير أَن يكون كَافِرًا، إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول من يَقُول: إِن الْكفَّار مطالبون بالفروع الشَّرْعِيَّة، وعَلى القَوْل الآخر: لَا يحسن ذَلِك، ثمَّ إِن الحَدِيث لَا دلَالَة فِيهِ على كفر وَلَا إِيمَان، بل هُوَ على الْإِيمَان أدل من غَيره، وَالله أعلم، لَا سِيمَا وَقد ورد فِي ( المُصَنّف) لِابْنِ أبي شيبَة: حَدثنَا شريك عَن سماك ( عَن جَابر بن سَمُرَة: أَن رجلا من أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَصَابَته جِرَاحَة فآلمته، فَأخذ مشقصا فَقتل بِهِ نَفسه، فَلم يصلِّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ) .





[ قــ :1310 ... غــ :1365 ]
- حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ.
قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يخْنُقُهَا فِي النَّارِ وَالَّذِي يَطْعُنُها يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ.

( الحَدِيث 5631 طرفه فِي: 8775) .

هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ من هَذَا الْوَجْه، وَأخرجه فِي الطِّبّ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مطولا.
وَمن ذَلِك الْوَجْه أخرجه مُسلم، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الخنق، وَفِيه من الزِّيَادَة ذكر السم وَغَيره، وَلَفظه: ( فَهُوَ فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا) ، وَقد تمسك بِهِ الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم مِمَّن قَالَ بتخليد أَصْحَاب الْمعاصِي فِي النَّار، وَأجَاب أهل السّنة بأجوبة، مِنْهَا: أَنهم قَالُوا: هَذِه لزِيَادَة وهم،.

     وَقَالَ  التِّرْمِذِيّ بعد أَن أخرجه، رَوَاهُ مُحَمَّد بن عجلَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، فَلم يذكر: ( خَالِدا مخلدا) ، قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح، لِأَن الرِّوَايَات قد صحت أَن أهل التَّوْحِيد يُعَذبُونَ ثمَّ يخرجُون مِنْهَا، وَقد ذكرنَا أجوبة أُخْرَى فِي هَذَا الْبابُُ، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
قَوْله: ( يخنق) ، بِضَم النُّون.
قَوْله: ( يطعنها) ، بِفَتْح الْعين وَضمّهَا، وَإِنَّمَا كَانَ الخنق والطعن فِي النَّار، لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل.