فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب من اشترى هديه من الطريق وقلدها

( بابُُ منِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وقَلَّدَهُ)

ذكر هَذَا الْبابُُ قبل ثَمَانِيَة أَبْوَاب بقوله: بابُُ من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق، وَزَاد فِي هَذِه التَّرْجَمَة قَوْله: وقلده.
قَوْله: ( هَدْيه) ، بِسُكُون الدَّال وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيجوز بِكَسْر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء، وَفِي بعض النّسخ: وقلدها، بتأنيث الضَّمِير، إِمَّا بِاعْتِبَار أَن الْهَدْي اسْم الْجِنْس، أَو بِاعْتِبَار مَا صدق عَلَيْهِ الْهَدْي وَهُوَ الْبَدنَة، ويروى: ببدنة، بِالتَّاءِ الفارقة بَين اسْم الْجِنْس وواحده.



[ قــ :1634 ... غــ :1708 ]
- حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نَافِعٍ قَالَ أرَادَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا الْحَجَّ عامَ حَجَّةِ الحَرُورِيَّةِ فِي عَهْدِ ابنِ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقِيلَ لَهُ إنَّ النَّاسَ كائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ونَخافُ أنْ يَصُدُّوكَ فَقَالَ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله إسْوَةٌ حسَنَةٌ إِذا أصْنَعَ كَما صنَعَ أُشْهِدُكُمْ أنِّي أوْجَبْتُ عُمْرَةً حَتَّى كانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ مَا شَأنُ الْحَجِّ والْعُمْرَةِ إلاَّ واحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أنِّي جمعْتُ حجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ وأهْدَى هَدْيا مُقَلَّدا اشْتَرَاهُ حَتَّى قَدِمَ فطَافَ بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا ولَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ولَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمَ النَّحْرِ فحَلَقَ ونَحَرَ ورَأى أنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الْحَجَّ والْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الأوَّلِ ثُمَّ قَالَ كذَلِكَ صَنَعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ( وَأهْدى هَديا مُقَلدًا اشْتَرَاهُ) ، وَكَانَ الشِّرَاء من قديد، كَمَا صرح بِهِ فِي الحَدِيث الْمَاضِي الْمَذْكُور فِي: بابُُ من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق، وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث فِي الْبابُُ الْمَذْكُور: عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن نَافِع، قَالَ: قَالَ عبد الله بن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أبي إِسْحَاق الْحزَامِي الْمدنِي، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن أبي ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم: واسْمه أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ الْمدنِي عَن مُوسَى بن عقبَة عَن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمدنِي عَن نَافِع، مولى ابْن عمر، وهم كلهم مدنيون، فَاعْتبر التَّفَاوُت بَين متني حَدِيثي الْبابَُُيْنِ.

قَوْله: ( عَام حجَّة الحرورية) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ( عَام حج الحرورية) ، والحرورية، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى: منسوبة إِلَى قَرْيَة من قرى الْكُوفَة، وَالْمرَاد بهم الْخَوَارِج، وَقد مر تَحْقِيقه فِي: بابُُ لَا تقضي الْحَائِض الصَّلَاة.
قَوْله: ( فِي عهد ابْن الزبير) يَعْنِي: فِي أَيَّام عبد الله بن الزبير بن الْعَوام.
فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف قَوْله فِي: بابُُ طواف الْقَارِن، وَمن رِوَايَة اللَّيْث عَن نَافِع عَام نزل الْحجَّاج بِابْن الزبير، لِأَن خجة الحرورية كَانَت فِي السّنة الَّتِي مَاتَ فِيهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَذَلِكَ قبل أَن يتسمى ابْن الزبير بالخلافة، ونزول الْحجَّاج بِابْن الزبير كَانَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين، وَذَلِكَ فِي آخر أَيَّام ابْن الزبير.
قلت: تَوْجِيهه بِأحد الْأَمريْنِ: أَحدهمَا: أَن الرَّاوِي قد أطلق على الْحجَّاج وَأَتْبَاعه: حرورية، لجامع مَا بَينهم من الْخُرُوج على أَئِمَّة الْحق.
وَالْآخر: أَن يحمل على تعدد الْقِصَّة.
قَوْله: ( فَقيل لَهُ) الظَّاهِر أَن الْقَائِل لِابْنِ عمر بِهَذَا القَوْل هُوَ وَلَده عبد الله، لِأَنَّهُ صرح بذلك فِي رِوَايَة أَيُّوب عَن نَافِع الَّذِي مضى فِي: بابُُ من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق.
قَوْله: ( إِذا إصنع كَمَا صنع) أَي: حِينَئِذٍ أصنع فِي حجي كَمَا صنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحُدَيْبِيَة.
قَوْله: ( حَتَّى كَانَ بِظَاهِر الْبَيْدَاء) ، ويروى: ( حِين كَانَ) ، والبيداء هُوَ الشّرف الَّذِي قُدَّام ذِي الحليفة إِلَى جِهَة مَكَّة، سمي بِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا بِنَاء وَلَا أثر، وكل مفازة بيداء.
قَوْله: ( اشْتَرَاهُ) أَي: من قديد، كَمَا ذكرنَا.
قَوْله: ( وبالصفاء) ، ويروى: ( وبالصفا والمروة) .
قَوْله: ( وَرَأى أَن قد قضى) ، أَي: أدّى.
قَوْله: ( الْحَج) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي الْحَج.
قَالَ الْكرْمَانِي، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي بعض النّسخ، ويروى: ( طواف الْحَج) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي الْحَج.
قَالَ الْكرْمَانِي، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي بعض النّسخ.
ويروى: ( طواف الْحَج) ، بِإِضَافَة الطّواف إِلَى الْحَج.
قَوْله: ( بطوافه الأول) أَي: طَوَافه الَّذِي وَقع أَولا.
قَالَ الْكرْمَانِي: أَي لم يَجْعَل لِلْقُرْآنِ طوافين، بل اكْتفى بِالْأولِ فَقَط.
وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ: يَكْفِي للقارن طواف وَاحِد.
انْتهى.
قلت: إِنَّمَا فسر الْكرْمَانِي بِهَذَا التَّفْسِير نصْرَة لمَذْهَب إِمَامه، وَلَكِن لَا يتم بِهِ دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم قَوْله: بطوافه الأول، أَن يكون طَوافا وَاحِدًا فِي نَفسه، لِأَن الطوافين يُطلق عَلَيْهِمَا: الطّواف الأول بِالنِّسْبَةِ إِلَى طواف الرُّكْن، وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة، لِأَنَّهُ لَا بُد من الطّواف بعد الْوُقُوف.
فَافْهَم.
قَوْله: ( ثمَّ قَالَ: كَذَلِك صنع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، ويروى: ( هَكَذَا صنع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) .