فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب {وعلى الذين يطيقونه فدية} [البقرة: 184]

(بابٌُ {وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ} )

أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان حكم قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: 481) .
أَي: وعَلى الَّذين يُطِيقُونَ الصَّوْم الَّذين لَا عذر بهم إِن أفطروا: {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: 481) .
نصف صَاع من بر، أَو صَاع من غَيره عِنْد أهل الْعرَاق، وَعند أهل الْحجاز مد، وَكَانَ فِي بَدْء الْإِسْلَام فرض عَلَيْهِم الصَّوْم، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم فَرخص لَهُم فِي الْإِفْطَار والفدية.
.

     وَقَالَ  معَاذ: كَانَ فِي ابْتِدَاء الْأَمر: من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر وَأطْعم عَن كل يَوْم مِسْكينا حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها وارتفاع فديَة، على الِابْتِدَاء وَخَبره مقدما هُوَ قَوْله {وعَلى الَّذين} وَقِرَاءَة عَامَّة فديَة بِالتَّنْوِينِ وَقَوله: {طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: 581) .
بَيَان: لفدية، أَو: بدل مِنْهَا، وَفِي قِرَاءَة نَافِع: {طَعَام مَسَاكِين} بِالْجمعِ،.

     وَقَالَ ت طَائِفَة: بل هَذَا خَاص بالشيخ والعجوز الْكَبِير الَّذين لم يطيقا الصَّوْم رخص لَهما الْإِفْطَار ويفديان، والفدية الْجَزَاء، وَالْبدل من قَوْلك: فديت الشَّيْء بالشَّيْء أَي: هَذَا بِهَذَا.
.

     وَقَالَ  الزَّمَخْشَرِيّ: وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: يطوقونه، تفعيل من الطوق، إِمَّا بِمَعْنى الطَّاقَة أَو القلادة، أَي: يكلفونه أَو يقلدونه، وَعَن ابْن عَبَّاس: يتطوقونه بِمَعْنى: يتكلفونه، أَو يتقلدونه ويطوقونه بإدغام التَّاء فِي الطَّاء، ويطيقونه ويطيقونه بِمَعْنى يتطقونه، وأصلهما: يطيقُونَهُ ويتطيوقونه، على أَنَّهُمَا من فعيل، وتفعيل من الطوق، فأدغمت الْيَاء فِي الْوَاو بعد قَلبهَا يَاء، وهم الشُّيُوخ والعجائز، فعلى هَذَا لَا نسخ بل هُوَ ثَابت، وَالله أعلم.

قَالَ ابنُ عُمَرَ وسَلَمَة بنُ الأكْوَعِ نَسخَتْها {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومنْ كانَ مَرِيضا أوْ علَى سَفرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ الله بِكُمْ الْيُسْرَ ولاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ولِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا الله عَلى مَا هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الْبَقَرَة: 581) .

أَي: قَالَ عبد الله بن عمر بن الْخطاب وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع، وَهُوَ سَلمَة بن عَمْرو بن الْأَكْوَع أَبُو إِيَاس الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي.
قَوْله: (نسختها) أَي: نسخت آيَة: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: 481) .
آيَة {شهر رَمَضَان} (الْبَقَرَة: 581) .
أما حَدِيث ابْن عمر فوصله فِي آخر الْبابُُ عَن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة، وَقد أخرجه عَنهُ أَيْضا فِي التَّفْسِير.
وَأما حَدِيث أم سَلمَة فوصله فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بِلَفْظ: (لما نزلت {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: 481) .
كَانَ من أَرَادَ أَن يفْطر أفطر وافتدى، حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها) .

وَقد اخْتلف السّلف فِي قَوْله عز وَجل: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: 481) .
فَقَالَ قوم: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث سَلمَة وَابْن عمر ومعاذ، وَهُوَ قَول عَلْقَمَة وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَابْن شهَاب، وعَلى هَذَا تكون قراءتهم {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: 481) .
بِضَم الْيَاء وَكسر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء الثَّانِيَة، وَعند ابْن عَبَّاس: هِيَ محكمَة، وَعَلِيهِ قِرَاءَة: {يطوقونه} بِالْوَاو الْمُشَدّدَة، وروى عَنهُ: {يطيقُونَهُ} بِضَم الطَّاء وَالْيَاء المشددتين.

ثمَّ إِن الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز إِذا كَانَ الصَّوْم يجهدهما ويشق عَلَيْهِمَا مشقة شَدِيدَة، فَلَهُمَا أَن يفطرا ويطعما لكل يَوْم مِسْكينا، وَهَذَا قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَسَعِيد ابْن جُبَير وطاووس وَأبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل،.

     وَقَالَ  مَالك: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، لِأَنَّهُ لَو ترك الصَّوْم لعَجزه مَا تجب فديَة، كَمَا تَركه لمَرض اتَّصل بِهِ الْمَوْت، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ربيعَة وَأبي ثَوْر وَدَاوُد، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن الْمُنْذر، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ كالمذهبين: أَحدهمَا: لَا تجب الْفِدْيَة عَلَيْهِمَا لعدم وجوب الصَّوْم عَلَيْهِمَا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيد: تجب الْفِدْيَة لكل يَوْم مد من طَعَام.
.

     وَقَالَ  الْبُوَيْطِيّ: هِيَ مُسْتَحبَّة، وَلَو أحدث الله تَعَالَى للشَّيْخ الفاني قُوَّة حَتَّى قدر على الصَّوْم بعد الْفِدْيَة يبطل حكم الْفِدْيَة، وَفِي كتب أَصْحَابنَا: فَإِن أخر الْقَضَاء حَتَّى دخل رَمَضَان آخر صَامَ الثَّانِي لِأَنَّهُ فِي وقته، وَقضى الأول بعده لِأَنَّهُ وَقت الْقَضَاء وَلَا فديَة عَلَيْهِ،.

     وَقَالَ  سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة يطعم وَلَا يقْضِي.

وَقَضَاء رَمَضَان إِن شَاءَ فرقه وَإِن شَاءَ تَابعه، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَمَالك.
وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : فَلَو قَضَاهُ غير مُرَتّب أَو مفرقا جَازَ عندنَا، وَعند الْجُمْهُور، لِأَن اسْم الصَّوْم يَقع على الْجَمِيع، وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) : وروى عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبيدَة السَّلمَانِي وَالقَاسِم وَعبيد بن عُمَيْر وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَسَالم وَعَطَاء وَأبي ميسرَة وطاووس وَمُجاهد وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَأبي قلَابَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحَاكِم وَعِكْرِمَة وَعَطَاء بن يسَار وَأبي الزِّنَاد وَزيد بن أسلم وَقَتَادَة وَرَبِيعَة وَمَكْحُول وَالثَّوْري وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق أَنهم قَالُوا: يقْضِي مفرقا، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن عمر وَعُرْوَة وَالشعْبِيّ وَنَافِع بن جُبَير بن مطعم وَمُحَمّد بن سِيرِين: أَنه يقْضِي مُتَتَابِعًا وَإِلَى هَذَا ذهب أهل الظَّاهِر.
.

     وَقَالَ  ابْن حزم: الْمُتَابَعَة فِي قَضَاء رَمَضَان وَاجِبَة لقَوْله تَعَالَى: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} فَإِن لم يفعل يَقْضِيهَا مُتَفَرِّقَة لقَوْله تَعَالَى {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (آل عمرَان: 331) .
وَلم يجد لذَلِك وقتا يبطل الْقَضَاء بِخُرُوجِهِ.
وَفِي (الاستذكار) عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يَقُول: يَصُوم قَضَاء رَمَضَان مُتَتَابِعًا من أفطره من مرض أَو سفر، وَعَن ابْن شهَاب أَن ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة اخْتلفَا.
فَقَالَ أَحدهمَا: يفرق،.

     وَقَالَ  الآخر: لَا يفرق.
وَعَن يحيى بن سعيد سمع ابْن الْمسيب يَقُول: أحب أَن لَا يفرق قَضَاء رَمَضَان، وَإِن تَوَاتر.
قَالَ أَبُو عمر: صَحَّ عندنَا عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَنَّهُمَا أجازا أَن يفرقا قَضَاء رَمَضَان، وَصحح الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَاد حَدِيث عَائِشَة، نزلت: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: 581) .
مُتَتَابِعَات، فَسَقَطت مُتَتَابِعَات،.

     وَقَالَ  ابْن قدامَة: لم تثبت عندنَا صِحَّته، وَلَو صَحَّ حملناه على الِاسْتِحْبابُُ، والأفضلية.
وَقيل: وَلَو ثبتَتْ كَانَت مَنْسُوخَة لفظا وَحكما، وَلِهَذَا لم يقْرَأ بهَا أحد من قراء الشواذ.
قلت: وَفِي الْمَنَافِع قَرَأَ بهَا أبي وَلم يشْتَهر.
فَكَانَت كَخَبَر وَاحِد غير مَشْهُور، فَلَا يجوز الزِّيَادَة على الْكتاب بِمثلِهِ، بِخِلَاف قِرَاءَة ابْن مَسْعُود فِي كَفَّارَة الْيَمين فَإِنَّهَا قِرَاءَة مَشْهُورَة غير متواترة.

وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف السّلف فِي قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: 481) .
هَل هِيَ محكمَة أَو مَخْصُوصَة أَو مَنْسُوخَة؟ كلهَا أَو بَعْضهَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُور: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، ثمَّ اخلفوا: هَل بَقِي مِنْهَا مَا لم ينْسَخ؟ فَروِيَ عَن ابْن عمر وَالْجُمْهُور: أَن حكم الْإِطْعَام باقٍ على من لم يطق الصَّوْم لكبره،.

     وَقَالَ  جمَاعَة من السّلف وَمَالك وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد: جَمِيع الْإِطْعَام مَنْسُوخ، وَلَيْسَ على الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم إطْعَام، واستحبه لَهُ مَالك،.

     وَقَالَ  قَتَادَة: كَانَت الرُّخْصَة لمن يقدر على الصَّوْم ثمَّ نسخ فِيهِ، وَبَقِي فِيمَن لَا يُطيق.
.

     وَقَالَ  ابْن عَبَّاس وَغَيره: نزلت فِي الْكَبِير وَالْمَرِيض اللَّذين لَا يقدران على الصَّوْم، فَهِيَ عِنْده محكمَة، لَكِن الْمَرِيض يقْضِي إِذا برأَ، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه لَا إطْعَام على الْمَرِيض.
.

     وَقَالَ  زيد بن أسلم وَالزهْرِيّ وَمَالك: هِيَ محكمَة، وَنزلت فِي الْمَرِيض يفْطر ثمَّ يبرأ فَلَا يقْضِي حَتَّى يدْخل رَمَضَان آخر، فَيلْزمهُ صَوْمه، ثمَّ يقْضِي بَعْدَمَا أفطر وَيطْعم عَن كل يَوْم مدا من حِنْطَة، فَأَما من اتَّصل مَرضه برمضان آخر فَلَيْسَ عَلَيْهِ إطْعَام، بل عَلَيْهِ الْقَضَاء فَقَط.
.

     وَقَالَ  الْحسن وَغَيره: الضَّمِير فِي: يطوقونه، عَائِد على الْإِطْعَام لَا على الصَّوْم، ثمَّ نسخ ذَلِك فَهِيَ عِنْده عَامَّة.

وَقَالَ ابنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي لَيْلَى قَالَ حَدثنَا أصحابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَزَلَ رمَضانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فكانَ مَنْ أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ ورُخِّصَ لَهُمُ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْها {وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ {فَأُمِرُوا بالصَّوْمِ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكَانَ من أطْعم) إِلَى قَوْله: (فنسختها) .
وَابْن نمير، بِضَم النُّون: اسْمه عبد الله، مر فِي: بابُُ مَا ينْهَى من الْكَلَام فِي الصَّلَاة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، عَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء.
وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن، رأى كثيرا من الصَّحَابَة مثل: عمر وَعُثْمَان وَعلي وَغَيرهم، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : (قدم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمَدِينَة وَلَا عهد لَهُم بالصيام، فَكَانُوا يَصُومُونَ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر حَتَّى نزل رَمَضَان، فاستكثروا ذَلِك وشق عيهم، فَكَانَ من أطْعم مِسْكينا كل يَوْم ترك الصّيام مِمَّن يطيقه، رخص لَهُم فِي ذَلِك، ثمَّ نُسْخَة {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: 481) .
فَأمروا بالصيام.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق شُعْبَة والمسعودي عَن الْأَعْمَش مطولا فِي الْأَذَان والقبلة وَالصِّيَام، وَاخْتلف فِي إِسْنَاده اخْتِلَافا كثيرا، وَطَرِيق ابْن نمير هَذَا أرجحها.

قَوْله: (حَدثنَا أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه روى هَذَا الحَدِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، وَلَا يُقَال لمثل هَذَا رِوَايَة مَجْهُول لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول.
قَوْله: (فنسختها) {وَأَن تَصُومُوا} (الْبَقَرَة: 481) .
الضَّمِير فِي نسختها يرجع إِلَى الْإِطْعَام الَّذِي يدل عَلَيْهِ أطْعم، والتأنيث بِاعْتِبَار الْفِدْيَة، وَقَوله {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: 481) .
فِي مَحل الرّفْع على الفاعلية، وَالتَّقْدِير قَوْله: وَأَن تَصُومُوا.
وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وصومكم خير لكم،.

     وَقَالَ  الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ وَجه نسخهَا لَهَا والخيرية لَا تَقْتَضِي الْوُجُوب؟ قلت: مَعْنَاهُ الصَّوْم خير من التَّطَوُّع بالفدية، والتطوع بهَا سنة، بِدَلِيل أَنه خير، وَالْخَيْر من السّنة لَا يكون إلاَّ وَاجِبا.
انْتهى.
قلت: إِن كَانَ المُرَاد من السّنة هِيَ سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَسنة النَّبِي كلهَا خير، فَيلْزم أَن تكون كل سنة وَاجِبَة وَلَيْسَ كَذَلِك.
.

     وَقَالَ  السّديّ: عَن مرّة عَن عبد الله، قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: 481) .
.

     وَقَالَ : وَالله يَقُول: {الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: 481) .
أَي: يتجشمونه، قَالَ عبد الله: فَكَانَ من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر وَأطْعم مِسْكينا.
{فَمن تطوع} (الْبَقَرَة: 481) .
قَالَ: أطْعم مِسْكينا آخر {فَهُوَ خير لَهُ وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: 481) .
فَكَانُوا كَذَلِك حَتَّى نسختها: {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: 581) .



[ قــ :1866 ... غــ :1949 ]
- حدَّثنا عَيَّاشٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الأعْلَى قَالَ حدثنَا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهُمَا قرَأ: فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ، قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ.
(الحَدِيث 9491 طرفه فِي: 6054) .


أشتر بِهَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى وصل التَّعْلِيق الَّذِي علقه فِي أول الْبابُُ بقوله: قَالَ ابْن عمر، وَأَشَارَ أَيْضا إِلَى بَيَان قِرَاءَة عبد الله ابْن عمر فِي قَوْله: {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: 481) .
فَإِنَّهُ قَرَأَ: مِسْكين، وبصيغة الْإِفْرَاد، وَلَكِن لما ذكر فِي التَّفْسِير، قَالَ: طَعَام مَسَاكِين، بِصِيغَة الْجمع، وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (صَحِيحه) وَأَشَارَ أَيْضا إِلَى أَن {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: 481) .
مَنْسُوخَة غير مَخْصُوصَة وَلَا محكمَة.
وَعَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة والشين الْمُعْجَمَة، وَعبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ الْمدنِي.