فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان

( بابُُ مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ ولَمْ يَدْفَعْهَا إلاى السُّلْطَانِ)

أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان حكم من عرف بِالتَّشْدِيدِ من التَّعْرِيف.
قَوْله: ( وَلم يَدْفَعهَا) ، من الدّفع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَلم يرفعها، بالراء مَوضِع الدَّال، وَحَاصِل هَذِه التَّرْجَمَة أَن الْمُلْتَقط لَا يجب عَلَيْهِ أَن يدْفع اللّقطَة إِلَى السُّلْطَان، سَوَاء كَانَت قَليلَة أَو كَثِيرَة، لِأَن السّنة وَردت بِأَن وَاجِد اللّقطَة هُوَ الَّذِي يعرفهَا دون غَيره، لقَوْله: عرفهَا، إلاَّ إِذا كَانَ الْمُلْتَقط غير أَمِين، فَإِن السُّلْطَان يَأْخُذهَا مِنْهُ ويدفعها إِلَى أَمِين ليعرفها على مَا نذكرهُ عَن قريب، وَأَشَارَ بهَا أَيْضا إِلَى رد قَول من يفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير حَيْثُ يَقُولُونَ: إِن كَانَ قَلِيلا يعرفهُ وَإِن كَانَ كثيرا يرفعهُ إِلَى بَيت المَال، وَالْجُمْهُور على خِلَافه، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى ذَلِك: الْأَوْزَاعِيّ، وَفرق بَعضهم بَين اللّقطَة والضوال، وَفرق بعض الْمَالِكِيَّة وَبَعض الشَّافِعِيَّة بَين المؤتمن وَغَيره، فالزموا المؤتمن بالتعريف، وَأمرُوا بدفعها إِلَى السُّلْطَان فِي غير المؤتمن ليعطيها لمؤتمن يعرفهَا.



[ قــ :2333 ... غــ :2438 ]
- حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ رَبيعَةَ عنْ يَزيدَ مَوْلاى الْمُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ أعرابِياً سألَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ اللُّقَطَةِ قَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً فإنْ جاءَ أحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا ووِكَائِهَا وإلاَّ فاسْتَنْفِقْ بِها وسألَهُ عنْ ضالَّةِ الإبِلِ فتَمَعَّرَ وَجُهُهُ.

     وَقَالَ  مالَكَ ولَهَا مَعَها سِقاؤُها وحذَاؤُها تَردُ الماءَ وتأكُلُ الشِّجَرَ دَعْها حتَّى يَجِدَها رَبُّها وسألَهُ عنْ ضالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ.
.


مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لَا يجب على الْمُلْتَقط دَفعهَا إِلَى السُّلْطَان، بل هُوَ يعرفهَا، وَهُوَ حَاصِل معنى قَوْله: ( من عرف اللّقطَة وَلم يَدْفَعهَا إِلَى السُّلْطَان) ، والْحَدِيث مضى مكرراً مَعَ شَرحه.



( بابٌُ)

أَي: هَذَا بابُُ، وَهُوَ كالفصل لما قبله، وَهَكَذَا وَقع بِغَيْر تَرْجَمَة، وَلَيْسَ هُوَ بموجود فِي رِوَايَة أبي ذَر.



[ قــ :334 ... غــ :439 ]
- حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا النَّضْرُ قَالَ أخبرنَا إسْرَائيلُ عنْ أبي إسحاقَ قَالَ أخبرَني الْبَراءُ عنْ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما وحدَّثنا عبدُ الله بنُ رَجاءٍ قَالَ حدَّثنا إسْرَائيلُ عنْ أبي إسْحاقَ عَن الْبَرَاءِ عنْ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ انْطَلَقْتُ فإذَا أنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ لِمَنْ أنْتَ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ فسَمَّاهُ فعَرَفْتُهُ فقُلْتُ هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ فَقَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ هَلْ أنْتَ حالِبٌ لِي قَالَ نَعَمْ فأمَرْتُهُ فاعْتَقَلَ شَاة منْ غَنَمِهِ ثُمَّ أمَرْتُهُ أنْ يَنْفُضَ ضَرْعَها مِنَ الغُبَارِ ثُمَّ أمَرْتُهُ أنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا ضَرَبَ إحْدَى كفَّيْهِ بِالأُخْرَى فحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ وقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إدَاوَةً على فَمِها خِرْقَةٌ فَصَبَبْتُ علَى اللَّبَنِ حتَّى برَدَ أسْفَلُهُ فانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلْتُ اشْرَبْ يَا رسولَ الله فَشرِبَ حتَّى رَضِيتُ..
وَجه إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبابُُ الَّذِي كالفصل من الْبابُُ المترجم الَّذِي قبله من حَيْثُ إِن الْبابُُ المترجم مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام اللّقطَة، وَهَذَا أَيْضا فِيهِ شَيْء يشبه حَاله حَال اللّقطَة، وَهُوَ الشّرْب من لبن غنم لَهَا راعٍ وَاحِد فِي الصَّحرَاء، وَهُوَ فِي حكم الضائع فِي هَذِه الْحَالة، فَصَارَ كالسوط أَو الْحَبل أَو نَحْوهمَا الَّذِي يُبَاح الْتِقَاطه.
.

     وَقَالَ  الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا التلفيق بَينه وَبَين مَا تقدم آنِفا من حَدِيث: ( لَا يحلبن أحد مَاشِيَة أحد؟) قلت: كَانَ هَهُنَا إِذن عادي أَو كَانَ صَاحبه صديق الصّديق، أَو كَانَ كَافِرًا حَرْبِيّا أَو كَانَ حَالهمَا حَال اضطرار أَو من جِهَة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أولى بِالْمُؤْمِنِينَ.
انْتهى.
قلت: لَا تطلب الْمُطَابقَة إلاَّ بَين حَدِيث الْبابُُ وَالْبابُُ الَّذِي ترْجم عَلَيْهِ، وَهَهُنَا الْبابُُ الَّذِي فِيهِ هَذَا الحَدِيث مُجَرّد من التَّرْجَمَة، وَهُوَ دَاخل فِي الْبابُُ الَّذِي قبله، وَهُوَ: بابُُ من عرف اللّقطَة وَلم يَدْفَعهَا إِلَى السُّلْطَان، وَالَّذِي ذكره الْكرْمَانِي لَيْسَ لَهُ مُنَاسبَة هَهُنَا أصلا، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيم مَا ذكره بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين: بابُُ لَا يحتلب مَاشِيَة أحد إلاَّ بِإِذن، وَبَينهمَا ثَلَاثَة أَبْوَاب، وَالْأَصْل بَيَان الْمُطَابقَة بَين كل بابُُ وَحَدِيثه.

ثمَّ إِن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه عَن النَّضر، بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن شُمَيْل مصغر شَمل عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي عَن الْبَراء بن عَازِب.
الثَّانِي: عَن عبد الله بن رَجَاء بن الْمثنى الفداني الْبَصْرِيّ أبي عَمْرو عَن إِسْرَائِيل ... إِلَى آخِره، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَفِي الْهِجْرَة عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي الْأَشْرِبَة عَن مَحْمُود عَن النَّضر.
وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن سَلمَة بن شبيب، وَفِي الْأَشْرِبَة عَن أبي مُوسَى.

قَوْله: ( فَإِذا أَنا) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة.
قَوْله: ( انْطَلَقت) ، أَي: حِين كَانَ مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَاصِدين الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة.
قَوْله: ( يَسُوق غنمه) ، جملَة حَالية.
قَوْله: ( هَل فِي غنمك من لبن؟) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَحكى عِيَاض رِوَايَة ضم اللَّام وَسُكُون الْبَاء أَي: شَاة ذَات لبن، كَذَا قَالَه بَعضهم: وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا اللَّبن، بِضَم اللَّام وَسُكُون الْبَاء جمع: لبنة، وَكَذَلِكَ لبن بِكَسْر اللَّام، وَعَن يُونُس يُقَال: كم لبن غنمك وَلبن غنمك؟ أَي: ذَوَات الدّرّ مِنْهَا.
قَوْله: ( فَأَمَرته) ، أَي: بالاعتقال، وَهُوَ الْإِمْسَاك، يُقَال: اعتقلت الشَّاة إِذا وضعت رجلهَا بَين فخذيك أَو ساقيك لتحلبها.
قَوْله: ( كثبة) ، بِضَم الْكَاف وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ قدر حلبة.
وَقيل: الْقَلِيل مِنْهُ، وَقيل: الْقدح من اللَّبن.
قَوْله: ( إداوة) ، وَهِي الركوة.

وَفِي الحَدِيث من الْفَوَائِد: اسْتِصْحَاب الاداوة فِي السّفر وخدمة التَّابِع للمتبوع.
وَفِيه: من التأدب والتنظيف مَا صنعه أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من نفض يَد الرَّاعِي ونفض الضَّرع،.

     وَقَالَ  ابْن بطال: سَأَلت بعض شيوخي عَن وَجه استجازة الصّديق لشرب اللَّبن من ذَلِك الرَّاعِي، فَقَالَ لي: يحْتَمل أَن يكون الشَّارِع قد كَانَ أذن لَهُ فِي الْحَرْب، وَكَانَت أَمْوَال الْمُشْركين لَهُ حَلَالا، فعرضته على الْمُهلب، فَقَالَ لي: لَيْسَ هَذَا بِشَيْء لِأَن الْحَرْب وَالْجهَاد إِنَّمَا فرض بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَغَانِم إِنَّمَا نزل تحليلها يَوْم بدر بِنَصّ الْقُرْآن، وَإِنَّمَا شرباه بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارف عِنْدهم فِي ذَلِك الزَّمن من المكارمات، وَرُبمَا استفهم بِهِ الصّديق الرَّاعِي من أَنه حالب أَو غير حالب؟ وَلَو كَانَ بِمَعْنى الْغَنِيمَة مَا استفهمه، ويحلب على مَا أَرَادَ الرَّاعِي أَو كره، وَالله أعلم.