فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحلت لكم الغنائم»

( بابُُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُحِلَّتْ لَكُمُ الغَنَائِمُ)

أَي: هَذَا بابُُ فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( أحلّت لكم الْغَنَائِم أَي وَلم تحل لأحد غَيْركُمْ) .

وَقَالَ الله تَعالى: { وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيَرَةً تأخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} ( الْفَتْح: 021) .

تَمام الْآيَة: { وكف أَيدي النَّاس عَنْكُم ولتكون آيَة للْمُؤْمِنين وَيهْدِيكُمْ صراطاً مُسْتَقِيمًا} ( الْفَتْح: 02) .
قَوْله: { وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة} ( الْفَتْح: 02) .
هِيَ مَا أصابوها مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبعده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
قَوْله: ( فَعجل لكم هَذِه) ، يَعْنِي غَنَائِم خَيْبَر.
قَوْله: ( وكف أَيدي النَّاس عَنْكُم) أَي: أَيدي قُرَيْش كفهم الله بِالصُّلْحِ،.

     وَقَالَ  قَتَادَة: أَيدي الْيَهُود،.

     وَقَالَ  مقَاتل: إِنَّهُم أَسد وغَطَفَان حلفاء أهل خَيْبَر جَاءُوا لينصروا أهل خَيْبَر، فقذف الله فِي قُلُوبهم الرعب فانصرفوا.



[ قــ :2978 ... غــ :3119 ]
- حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ قَالَ حدَّثنا حُصَيْنٌ عنْ عامِرٍ عَن عُرْوَةَ البَارِقِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الخَيْلُ معْقُودٌ فِي نَوَاصِيها الخَيْرُ الأجْرُ والمَغْنَمُ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ.
.


مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ( والمغنم) وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان، وحصين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، وَعُرْوَة بن الْجَعْد، وَيُقَال: أبي الْجَعْد الْبَارِقي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء وَالْقَاف: الْأَزْدِيّ.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بابُُ الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن حُصَيْن وَابْن أبي سفر عَن الشّعبِيّ عَن عُرْوَة بن الْجَعْد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظَة: والمغنم، وَأخرجه أَيْضا فِي: بابُُ الْجِهَاد ماضٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَفِيه: الْأجر والمغنم.





[ قــ :979 ... غــ :310 ]
- حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أَبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلاَ كِسْرَى بَعْدَهُ وإذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ والَّذِي نفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُما فِي سَبِيلِ الله.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ( لتنفقن كنوزهما فِي سَبِيل الله) لِأَن كنوزهما كَانَت مَغَانِم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

قَوْله: ( فَلَا كسْرَى بعده) ، أَي: فِي الْعرَاق.
( وَلَا قَيْصر) أَي: فِي الشَّام، وَكلمَة: لَا، هُنَا بِمَعْنى: لَيْسَ، فَلَا يلْزم التكرير،.

     وَقَالَ  الْخطابِيّ: أما كسْرَى فقد قطع الله دابره وانفقت كنوزه فِي سَبِيل الله، وَأما قَيْصر فَكَانَ الشَّام منشأه وَبهَا بَيت الْمُقَدّس، وَهُوَ الَّذِي لَا يتم لِلنَّصَارَى نسك إلاَّ فِيهِ، وَلَا يملك أحد على الرّوم من مُلُوكهمْ حَتَّى يكون قد دخله سرا أَو جَهرا، وَقد أجلى عَنْهَا وافتتحت خزائنه الَّتِي فِيهَا وَلم يخلفه أحد من القياصرة بعده إِلَى أَن ينجز الله تَمام وعده فِي فتح قسطنطينية فِي آخر الزَّمَان.





[ قــ :980 ... غــ :311 ]
- حدَّثنا إسْحَاقُ سَمِعَ جَرِيراً عنْ عَبْدِ المَلِكِ عنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا هلَكَ كِسْرَى فَلاَ كِسْرَي بَعْدَهُ وإذَا هَلَكَ قيْصَرُ فَلاَ قَيْصَرَ بَعْدَهُ والَّذِي نفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقَنَّ كُنُوزُهُما فِي سَبِيلِ الله.

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الَّذِي قبله.
وَإِسْحَاق هَذَا قَالَ الجياني: لم أره مَنْسُوبا إِلَى أحد، وَنسبه أَبُو نعيم إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
قلت: ثَلَاثَة أنفس كل وَاحِد مِنْهُم يُسمى: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وروى البُخَارِيّ عَن كل وَاحِد مِنْهُم: فإسحاق بن إِبْرَاهِيم من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، وَجَرِير بن عبد الحميد، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر الْكُوفِي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن قبيصَة بن عقبَة وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن قُتَيْبَة عَن جرير بِهِ.





[ قــ :981 ... غــ :31 ]
- حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنان قالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرَنَا سَيَّارٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ الْفَقِير ُ قَالَ حدَّثنا جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسوُلُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ.
( انْظُر الحَدِيث 533 وطرفه) .


مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وهشيم، بِضَم الْهَاء: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الوَاسِطِيّ، وسيار، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن أبي سيار، واسْمه وردان أَبُو الحكم الوَاسِطِيّ، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن صُهَيْب الْكُوفِي الْمَعْرُوف بالفقير، قَالَ الْكرْمَانِي: الْفَقِير ضد الْغَنِيّ.
قلت: لَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ من فقار الظّهْر لَا من المَال، وَهُوَ الَّذِي أُصِيب فِي فقار ظَهره، وَهُوَ خرزاته، الْوَاحِدَة فقارة.

والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بابُُ أول التَّيَمُّم، بأتم مِنْهُ عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن هشيم وَعَن سعيد بن النَّضر عَن هشيم عَن سيار عَن يزِيد الْفَقِير ... الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: ( وَأحلت لي الْغَنَائِم) هِيَ من خَصَائِصه، فَلم تحل لأحد غَيره وَغير أمته، على مَا ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ.





[ قــ :98 ... غــ :313 ]
- حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسوُلَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إلاَّ الجهادُ فِي سَبِيلِه وتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ.
.


مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ( أَو غنيمَة) وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَقد تكَرر ذكره، والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بابُُ الْجِهَاد من الْإِيمَان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم مِنْهُ عَن حرمي بن حَفْص عَن عبد الْوَاحِد إِلَى آخِره.

قَوْله: ( أَو يرجعه) ، بِفَتْح الْيَاء، لِأَن رَجَعَ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ.
قَوْله: ( أَو غنيمَة) ، يَعْنِي لَا يَخْلُو عَن أَحدهمَا مَعَ جَوَاز الِاجْتِمَاع بَينهمَا، بِخِلَاف: أَو: الَّتِي فِي: أَو، يرجعه فَإِنَّهَا تفِيد منع الْخُلُو وَمنع الْجمع كليهمَا.





[ قــ :983 ... غــ :314 ]
- حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ قَالَ حدَّثنا ابنُ المُبَارَكِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَزَا نَبِي مِنَ الأَنْبِيَاءٍ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْني رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأة وهْوَ يُرِيدُ أنْ يَبْنِيَ بِها ولَمَّا يَبْنِ بِهَا ولاَ أحَدٌ بَنَى بُيُوتَاً ولَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا وَلَا أحَدٌ اشْتَرَى غَنَماً أوْ خَلِفَاتٍ وهْوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا فغَزَا فَدَنا مِنَ القَرْيَةِ صَلاَةَ العَصْرِ أوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلْشَّمْسِ إنَّكِ مأمُورَةٌ وَأَنا مأمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حتَّى فتَحَ لله علَيْهِ فجَمَعَ الغَنَائِمَ فجاءَتْ يَعْنِي النَّارَ لِتأكُلَهَا فلَمُ تَطْعَمْهَا فَقَالَ إنَّ فِيكُمْ غُلُولاً فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمُ الْغُلُولُ فَلْيُبايِعْنِي قَبِيلَتُكَ فلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أوْ ثَلاَثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ الغُلُولُ فَجاؤا بِرَأسٍ مِثْلَ رأسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فوَضَعُوهَا فَجاءَتِ النَّارُ فأكَلَتْهَا ثُمَّ أحَلَّ الله لَنا الغَنَائِمَ رأى ضَعْفَنا وعَجْزَنا فأحَلَّهَا لَنا.
(الحَدِيث 413 طرفه فِي: 7515) .


مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أحل لنا الْغَنَائِم) .

وَمُحَمّد بن الْعَلَاء أَبُو كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي: وَابْن الْمُبَارك هُوَ عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي كريب أَيْضا عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (غزا نَبِي من الْأَنْبِيَاء) قَالَ ابْن إِسْحَاق: هَذَا النَّبِي هُوَ يُوشَع بن نون، وَلم تحبس الشَّمْس، إلاَّ لَهُ ولنبينا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَبِيحَة الْإِسْرَاء حِين انتظروا العير الَّتِي أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقدومها عِنْد شروق الشَّمْس فِي ذَلِك الْيَوْم.
وأصل ذَلِك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما توجه من بَيت الْمُقَدّس بعد نُزُوله من الْإِسْرَاء لَقِي عير بني فلَان بضجنان، وَلما دخل مَكَّة أخبر بذلك وَقَالَ: الْآن تصوب عيرهم من ثنية التَّنْعِيم الْبَيْضَاء.
يقدمهَا جمل أَوْرَق عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ إِحْدَاهمَا سَوْدَاء وَالْأُخْرَى برقاء، قَالَ: فابتدر الْقَوْم الثَّنية فوجدوا مثل مَا أخبر، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَعَن السّديّ: أَن الشَّمْس كَادَت أَن تغرب قبل أَن يقدم ذَلِك العير فَدَعَا الله، عز وَجل، فحبسها حَتَّى قدمُوا كَمَا وصف لَهُم قَالَ: فَلم تحبس الشَّمْس على أحد إلاَّ عَلَيْهِ ذَلِك الْيَوْم، وعَلى يُوشَع بن نون، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ.
قلت: حبست أَيْضا فِي الخَنْدَق حِين شغل عَن صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس فَصلاهَا، ذكره عِيَاض فِي (إكماله).

     وَقَالَ  الطَّحَاوِيّ: رُوَاته ثِقَات، وَوَقع لمُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، تَأْخِير طُلُوع الْفجْر، روى إِبْنِ إِسْحَاق فِي الْمُبْتَدَأ من حَدِيث يحيى بن عُرْوَة عَن أَبِيه، أَن الله عز وَجل، أَمر مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِالْمَسِيرِ ببني إِسْرَائِيل، وَأمره بِحمْل تَابُوت يُوسُف وَلم يدل عَلَيْهِ حَتَّى كَاد الْفجْر يطلع، وَكَانَ وعد بني إِسْرَائِيل أَن يسير بهم إِذا طلع الْفجْر، فَدَعَا ربه أَن يُؤَخر طلوعه حَتَّى يفرغ من أَمر يُوسُف فَفعل الله، عز وَجل، ذَلِك.
وبنحوه ذكر الضَّحَّاك فِي (تَفْسِيره الْكَبِير) وَقد وَقع ذَلِك أَيْضا للْإِمَام عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْحَاكِم عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَام على فَخذ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا رَسُول الله { إِنِّي لم أصل الْعَصْر} فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أللهم إِن عَبدك عليا احْتبسَ بِنَفسِهِ على نبيك، فَرد عَلَيْهِ شرقها.
قَالَت أَسمَاء: فطلعت الشَّمْس حَتَّى وَقعت على الْجبَال وعَلى الأَرْض، ثمَّ قَامَ عَليّ فَتَوَضَّأ وَصلى الْعَصْر، وَذَلِكَ بالصهباء، وَذكره الطَّحَاوِيّ فِي (مُشكل الْآثَار، قَالَ: وَكَانَ أَحْمد بن صَالح يَقُول: لَا يَنْبَغِي لمن سَبيله الْعلم أَن يتَخَلَّف عَن حفظ حَدِيث أَسمَاء لِأَنَّهُ من أجل عَلَامَات النُّبُوَّة.
.

     وَقَالَ : وَهُوَ حَدِيث مُتَّصِل، وَرُوَاته ثِقَات وإعلال ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا الحَدِيث لَا يلْتَفت إِلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ وَقع لِسُلَيْمَان، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: سَأَلت عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن هَذِه الْآيَة { إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب} (ص: 3) .
فَقَالَ: مَا بلغك فِي هَذَا يَا ابْن عَبَّاس؟ فَقلت لَهُ: سَمِعت كَعْب الْأَحْبَار يَقُول: إِن سُلَيْمَان، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، اشْتغل ذَات يَوْم بِعرْض الأفراس وَالنَّظَر إِلَيْهَا حَتَّى تَوَارَتْ الشَّمْس بالحجاب ردوهَا عَليّ يَعْنِي الأفراس، وَكَانَت أَرْبَعَة عشر، فردوها عَلَيْهِ فَأمر بِضَرْب سوقها وأعناقها بِالسَّيْفِ، فَقَتلهَا، وَإِن الله تَعَالَى سلب ملكه أَرْبَعَة عشر يَوْمًا لِأَنَّهُ ظلم الْخَيل بقتلها، فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كذب كَعْب، لَكِن سُلَيْمَان اشْتغل بِعرْض الأفراس ذَات يَوْم لِأَنَّهُ أَرَادَ جِهَاد عَدو حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب، فَقَالَ يَأْمر الله للْمَلَائكَة الموكلين بالشمس، ردوهَا عَليّ، يَعْنِي الشَّمْس، فردوها عَلَيْهِ حَتَّى صلى الْعَصْر فِي وَقتهَا، وَأَن أَنْبيَاء الله لَا يظْلمُونَ وَلَا يأمرون بالظلم، وَلَا يرضون بالظلم لأَنهم معصومون مطهرون.
قَوْله: (ملك بضع امْرَأَة) ، بِضَم الْبَاء، وَهُوَ النِّكَاح أَي ملك عقدَة نِكَاحهَا، وَهُوَ أَيْضا يَقع على الْجِمَاع وعَلى الْفرج.
قَوْله: (وَهُوَ يُرِيد) الْوَاو فِيهِ للْحَال.
قَوْله: (أَن يَبْنِي بهَا) أَي: يدْخل عَلَيْهَا وتزف إِلَيْهِ، ويروى: أَن يبتني، من الابتناء من بابُُ الافتعال.
قَوْله: (وَلما يبن بهَا) أَي: وَالْحَال أَنه لم يدْخل عَلَيْهَا.
قَوْله: (أَو: خلفات) ، جمع خلفة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وَفتح الْفَاء.
.

     وَقَالَ  ابْن فَارس: هِيَ النَّاقة الْحَامِل، وَقيل: جمعهَا مَخَاض على غير قِيَاس، كَمَا يُقَال لوَاحِدَة النِّسَاء: امْرَأَة، وَقيل: هِيَ الَّتِي استكملت سنة بعد النِّتَاج، ثمَّ حمل عَلَيْهَا فلقحت، وَقيل: الخلفة الَّتِي توهم أَن بهَا حملا، ثمَّ لم تلقح.
.

     وَقَالَ  الْأَصْمَعِي: فَلَا تزَال خلفة حَتَّى تبلغ عشرَة أشهر،.

     وَقَالَ  الْجَوْهَرِي الخلفة، بِكَسْر اللَّام الْمَخَاض من النوق، الْوَاحِدَة خلفة.
وَفِي (المغيث) : يُقَال: خلفت إِذا حملت، وَاخْتلفت إِذا حَالَتْ وَلم تحمل.
قَوْله: (فَدَنَا من الْقرْيَة) قيل: هِيَ أرِيحَا.
.

     وَقَالَ  ابْن إِسْحَاق: لما مَاتَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَانْقَضَت الْأَرْبَعُونَ سنة بعث يُوشَع بن نون نَبيا، فَأخْبر بني إِسْرَائِيل أَنه نَبِي الله، وَأَن الله قد أمره بِقِتَال الجبارين فصدقوه وَبَايَعُوهُ، فَتوجه ببني إِسْرَائِيل إِلَى أرِيحَا وَمَعَهُ تَابُوت الْمِيثَاق، فأحاط بِمَدِينَة أرِيحَا سِتَّة أشهر فَلَمَّا كَانَ السَّابِع نفخوا فِي الْقُرُون ضج الشّعب ضجة وَاحِدَة، فَسقط سور الْمَدِينَة، فَدَخَلُوهَا وَقتلُوا الجبارين، وَكَانَ الْقِتَال يَوْم الْجُمُعَة، فَبَقيت مِنْهُم بَقِيَّة، وكادت الشَّمْس تغرب وَتدْخل لَيْلَة السبت فخشي يُوشَع أَن يعْجزُوا فَقَالَ: أللهم أردد الشَّمْس عَليّ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّك فِي طَاعَة الله، وَأَنا فِي طَاعَة الله، وَهُوَ معنى قَوْله: إِنَّك مأمورة وَأَنا مَأْمُور، يَعْنِي: إِنَّك مأمورة بالغروب وَأَنا مَأْمُور بِالصَّلَاةِ أَو الْقِتَال قبل الْغُرُوب.
قَوْله: (فَلم تطعمها) ، أَي: فَلم تطعم النَّار الْغَنَائِم، وَإِنَّمَا قَالَ: فَلم تطعمها وَلم يقل فَلم تأكلها للْمُبَالَغَة، إِذْ مَعْنَاهُ: لم تذق طعمها، كَقَوْلِه تَعَالَى: { وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ مني} (الْبَقَرَة: 94) .
قَوْله: (إِن فِيكُم غلولاً) ، وَهُوَ الْخِيَانَة فِي الْمغنم، وَكَانَ من خَصَائِص الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين أَن يجمعوا الْغَنَائِم فِي مربد فتأتي نَار من السَّمَاء فتحرقها، فَإِن كَانَ فِيهَا غلُول أَو مَا لَا يحل لم تأكلها، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي قرابينهم كَانَ المتقبل تَأْكُله النَّار، وَمَا لَا يتَقَبَّل يبْقى على حَاله وَلَا تَأْكُله، ففضل الله هَذِه الْأمة وَجعلهَا خير أمة أخرجت للنَّاس وَأَعْطَاهُمْ مَا لم يُعْط أحدا غَيرهم، وَأحل لَهُم الْغَنَائِم، ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الحَدِيث بقوله: رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا رَحْمَة من الله علينا، وَهِي من خَصَائِص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي أكل النَّار غنائمهم والتحليل لنا؟ قلت: جعل هَذَا فِي حَقهم حَتَّى لَا يكون قِتَالهمْ لأجل الْغَنِيمَة لقصورهم فِي الْإِخْلَاص، وَأما تحليلها فِي حق هَذِه الْأمة فلكون الْإِخْلَاص غَالِبا عَلَيْهِم، فَلم يحْتَج إِلَى باعث آخر.