فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلا فله سلبه من غير أن يخمس، وحكم الإمام فيه

( بابُُ منْ لَم يُخَمِّسِ الأسْلاَبَ)

هَذَا بابُُ يذكر فِيهِ من لم ير بتخميس الأسلاب، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى خلاف فِيهِ، فَقَالَ الشَّافِعِي: كل شَيْء من الْغَنِيمَة يُخَمّس إلاَّ السَّلب فَإِنَّهُ لَا يُخَمّس، وَبِه قَالَ أَحْمد وَابْن جرير.
وَجَمَاعَة من أهل الحَدِيث، وَعَن مَالك: أَن الإِمَام مُخَيّر فِيهِ إِن شَاءَ خمسه وَإِن شَاءَ لم يخمسه، وَاخْتَارَهُ القَاضِي إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق، وَفِيه قَول ثَالِث: أَنَّهَا تخمس، إِذا كثرت وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه،.

     وَقَالَ  الثَّوْريّ وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ يُخَمّس، وَهُوَ قَول مَالك، وَرِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس،.

     وَقَالَ  الزُّهْرِيّ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن ابْن عَبَّاس: السَّلب من النَّفْل، وَالنَّفْل يُخَمّس،.

     وَقَالَ  ابْن قدامَة: السَّلب للْقَاتِل إِذا قتل فِي كل حَال إلأ أَن ينهزم الْعَدو، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر، وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر،.

     وَقَالَ  مَسْرُوق: إِذا التقى الزحفان فَلَا سلب لَهُ، إِنَّمَا النَّفْل قبله أَو بعده، وَنَحْوه قَول نَافِع.
.

     وَقَالَ  الْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَأَبُو بكر بن أبي مَرْيَم: السَّلب للْقَاتِل مَا لم تمتد الصُّفُوف بَعْضهَا إِلَى بعض، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا سلب لأحد.
.

     وَقَالَ  أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: السَّلب من غنيمَة الْجَيْش حكمه حكم سَائِر الْغَنِيمَة إِلَّا أَن يَقُول الإِمَام: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه، فَحِينَئِذٍ يكون لَهُ،.

     وَقَالَ  ابْن قدامَة: وَبِه قَالَ مَالك،.

     وَقَالَ  أَحْمد: لَا يُعجبنِي أَن يَأْخُذ السَّلب إلاَّ بِإِذن الإِمَام، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ.
.

     وَقَالَ  ابْن الْمُنْذر وَالشَّافِعِيّ: لَهُ أَخذه بِغَيْر إِذْنه.
قَوْله: ( الأسلاب) ، جمع سلب بِفتْحَتَيْنِ على وزن فعل بِمَعْنى مفعول، أَي: مسلوب، وَهُوَ مَا يَأْخُذهُ أحد القرنين فِي الْحَرْب من قرنه مِمَّا يكون عَلَيْهِ وَمَعَهُ من سلَاح وَثيَاب ودابة وَغَيرهَا، وَعَن أَحْمد: لَا تدخل الدَّابَّة، وَعَن الشَّافِعِي: يخْتَص بأداة الْحَرْب.

ومنْ قَتَلَ قَتِيلاً فلَهُ سَلَبُهُ مِنْ غَيْرِ أنْ يُخَمِّسَ وحُكْمَ الإمامِ فيهِ
قَوْله: ( وَمن قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه) هَذَا الْمِقْدَار أخرجه الطَّحَاوِيّ،.

     وَقَالَ : حَدثنَا أَبُو بكرَة وَابْن مَرْزُوق، قَالَا: حَدثنَا أَبُو دَاوُد عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة عَن أنس: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ يَوْم حنين: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه، فَقتل أَبُو طَلْحَة يَوْمئِذٍ عشْرين رجلا فَأخذ أسلابهم.
وَأَبُو بكرَة: بكار القَاضِي، وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن دَاوُد الطَّيَالِسِيّ.
وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي ( سنَنه) وَلَكِن لَفظه: من قتل كَافِرًا فَلهُ سلبه.
قَوْله: ( قَتِيلا) يَعْنِي: مشارفاً للْقَتْل، لِأَن قتل الْقَتِيل لَا يتَصَوَّر.
قَوْله: ( من غير أَن يُخَمّس) ، لَيْسَ من لفظ الحَدِيث، وَأَرَادَ بِهِ أَن السَّلب لَا يُخَمّس، ويروى: من غير خمس بِضَمَّتَيْنِ، وَخمْس بِسُكُون الْمِيم.
قَوْله: ( وَحكم الإِمَام فِيهِ) ، عطف على قَوْله: من لم يُخَمّس، فَافْهَم.



[ قــ :2999 ... غــ :3141 ]
- حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يُوسُفُ بنُ الماجِشُونِ عنْ صالِحِ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ قَالَ بَيْنَا أَنا واقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ فنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وشِمَالِي فإذَا أَنا بِغُلامَيْنِ مِنَ الأنْصَارِ حدِيثَةٍ أسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ أنْ أكُونَ بَيْنَ أضْلَعَ مِنْهُمَا فغَمَزَنِي أحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أبَا جَهْلٍ.

قُلْتُ نَعَمْ مَا حاجَتُكَ إلَيْهِ يَا ابنَ أخِي قَالَ أُخْبِرْت أنَّهُ يَسُبُّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رأيْتُهُ لاَ يُفارِقُ سَوَادِي سَوادَهُ حتَّى يَمُوتَ الأعْجَلُ مِنَّا فتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَها فلَمْ أنْشَبْ أنْ نَظَرْتُ إِلَى أبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ.

قُلْتُ أَلا أَن هذَا صاحِبُكُمَا الَّذِي سألْتُمَانِي فابْتَدَراهُ بِسَيْفَيْهِما فضَرَباهُ حتَّى قتَلاهُ ثُمَّ انْصَرَفا إِلَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَراهُ فقالَ أيُّكُمَا قتَلَهُ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنا قتَلْتُهُ فَقَالَ هَلْ مَسَحْتُما سَيْفَيْكُما قَالَا لافنَظَر فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ كِلاكُما قتَلَهُ سلَبُهُ لِمُعاذِ بنِ عَمْرِو ابنِ الجَمُوحِ وَكَانَا مُعَاذَ بنَ عَفْرَاءَ ومُعاذَ بنَ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يُخَمّس سلب أبي جهل.

ويوسف هُوَ ابْن يَعْقُوب بن عبد الله بن أبي سَلمَة، واسْمه دِينَار التَّيْمِيّ الْقرشِي، والماجشون هُوَ يَعْقُوب، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ، تَفْسِيره: المورد، وَهُوَ بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا وَضم الشين الْمُعْجَمَة، وَصَالح بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن، وَإِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن سمع أَبَاهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم.
وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى عَن يُوسُف بن الْمَاجشون.

قَوْله: ( بَينا أَنا) قد مر غير مرّة أَن أَصله: بَين، فأشبعت الفتحة فَصَارَ: بَينا، ويضاف إِلَى جملَة وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب، فَجَوَابه هُوَ قَوْله: فَإِذا أَنا بغلامين، وهما: معَاذ بن عَمْرو ومعاذ بن عفراء، وَيَجِيء ذكرهمَا عَن قريب.
قَوْله: ( حَدِيثَة أسنانهما) ، صفة الغلامين، فَلذَلِك جر لفظ: حَدِيثَة، و: أسنانهما، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: حَدِيثَة.
قَوْله: ( بَين أضلع) ، بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة أَي: بَين أَشد وَأقوى مِنْهُمَا، أَي: من الغلامين الْمَذْكُورين وَهُوَ على وزن أفعل من الضلاعة، وَهِي: الْقُوَّة.
يُقَال: اضطلع بِحمْلِهِ: أَي: قوي عَلَيْهِ ونهض بِهِ، وَهَذَا هَكَذَا رُوَاة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَحده: بَين أصلح مِنْهُمَا، بالصَّاد والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَنسب ابْن بطال هَذِه الرِّوَايَة لمسدد شيخ البُخَارِيّ،.

     وَقَالَ : خَالفه إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة عِنْد الطَّحَاوِيّ، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل عِنْد ابْن سنجر، وَعَفَّان عِنْد ابْن أبي شيبَة، فكلهم رووا: أضلع، بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة، وَرِوَايَة ثَلَاثَة حفاظ أولى من رِوَايَة وَاحِد خالفهم،.

     وَقَالَ  الْقُرْطُبِيّ: الَّذِي فِي مُسلم: أضلع، وَوَقع فِي بعض رواياته: أصلح، وَالْأول الصَّوَاب.
قَوْله: ( هَل تعرف أَبَا جهل؟) هُوَ عَمْرو بن هِشَام بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي الْقرشِي فِرْعَوْن هَذِه الْأمة.
قَوْله: ( أخْبرت) ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول.
قَوْله: ( لَا يُفَارق سوَادِي سوَاده) ، يَعْنِي: لَا يُفَارق شخصي شخصه، وَأَصله أَن الشَّخْص يرى على الْبعد أسود.
قَوْله: ( الأعجل منا) أَي: الْأَقْرَب أَََجَلًا، وَهُوَ كَلَام مُسْتَعْمل يفهم مِنْهُ أَن يلازمه وَلَا يتْركهُ إِلَى وُقُوع الْمَوْت بِأَحَدِهِمَا، وصدور هَذَا الْكَلَام فِي حَال الْغَضَب والانزعاج يدل على صِحَة الْعقل الوافر وَالنَّظَر فِي العواقب، فَإِن مُقْتَضى الْغَضَب أَن يَقُول: حَتَّى أَقتلهُ، لَكِن الْعَاقِبَة مَجْهُولَة.
قَوْله: ( فَلم أنشب) ، فَلم ألبث، يُقَال: نشب بَعضهم فِي بعض، أَي: دخل وَتعلق، ونشب فِي الشَّيْء إِذا وَقع فِيمَا لَا مخلص لَهُ مِنْهُ، وَلم ينشب أَن فعل كَذَا، أَي: لم يلبث، وَحَقِيقَته لم يتَعَلَّق بِشَيْء غَيره، وَلَا بسواه، ومادته: نون وشين مُعْجمَة وباء مُوَحدَة.
قَوْله: ( يجول فِي النَّاس) ، بِالْجِيم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ( يَزُول) ، هُوَ بِمَعْنَاهُ، أَي: يضطرب فِي الْمَوَاضِع وَلَا يسْتَقرّ على حَال.
قَوْله: ( أَلا) ، للتحضيض والتنبيه.
قَوْله: ( فابتداره) ، أَي: سبقاه مُسْرِعين.
قَوْله: ( فَنظر فِي السيفين) ليستدل بهما على حَقِيقَة كَيْفيَّة قَتلهمَا، فَعلم أَن الجموح هُوَ المثخن،.

     وَقَالَ  الْمُهلب: نظره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي السيفين ليرى مَا بلغ الدَّم من سيفيهما، وَمِقْدَار عمق دخولهما فِي جسم الْمَقْتُول ليحكم بِالسَّيْفِ لمن كَانَ فِي ذَلِك أبلغ، وَلذَلِك سَأَلَهُمَا أَولا: هَل مسحتما سيفيكما؟ لِأَنَّهُمَا لَو مسحاهما لما بَين المُرَاد من ذَلِك.
قَوْله: ( فَقَالَ: كلاكما قَتله) ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك، وَإِن كَانَ أَحدهمَا أَو الَّذِي أثخنه تطييباً لقلب الآخر من حَيْثُ إِن لَهُ مُشَاركَة فِي الْقَتْل.
قَوْله: ( سلبه) أَي: سلب أبي جهل لِمعَاذ بن عَمْرو بن الجموح، وَإِنَّمَا حكم لَهُ مَعَ أَنَّهُمَا اشْتَركَا فِي الْقَتْل لِأَن الْقَتْل الشَّرْعِيّ الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ اسْتِحْقَاق السَّلب هُوَ الْإِثْخَان، وَهُوَ إِنَّمَا وجد مِنْهُ،.

     وَقَالَ  الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن الأنصاريين ضرباه فأثخناه وبلغا بِهِ الْمبلغ الَّذِي يعلم أَنه لَا يجوز بَقَاؤُهُ على تِلْكَ الْحَال إلاَّ قدر مَا يطفأ، فَدلَّ قَوْله: كلاكما قَتله، على أَن كلاًّ مِنْهُمَا وصل إِلَى قطع الحشوة وإبانتها، وَبِه يعلم أَن عمل كل من سيفيهما كعمل الآخر، غير أَن أَحدهمَا سبق بِالضَّرْبِ فَصَارَ فِي حكم الْمُثبت لجراحه حَتَّى وَقعت بِهِ ضَرْبَة الثَّانِي فاشتركا فِي الْقَتْل، إلاَّ أَن أَحدهمَا قَتله وَهُوَ مُمْتَنع وَالْآخر قَتله وَهُوَ مُثبت، فَلذَلِك قضى بالسلب للسابق إِلَى إثخانه.
وَلما روى الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث قَالَ فِيهِ: دَلِيل على أَن السَّلب لَو كَانَ وَاجِبا للْقَاتِل بقتْله إِيَّاه لَكَانَ وَجب سلبه لَهما، وَلم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ينتزعه من أَحدهمَا فيدفعه إِلَى الآخر إلاَّ يرى أَن الإِمَام لَو قَالَ: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه، وَقتل رجلَانِ قَتِيلا إِن سلبه لَهما، نِصْفَانِ، وَأَنه لَيْسَ للْإِمَام أَن يحرم أَحدهمَا ويدفعه إِلَى الآخر، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لَهُ فِيهِ من الْحق مثل مَا لصَاحبه، وهما أولى بِهِ من الإِمَام، فَلَمَّا كَانَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي سلب أبي جهل أَن يَجعله لأَحَدهمَا دون الآخر دلّ ذَلِك أَنه كَانَ أولى بِهِ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ لم يكن قَالَ يَوْمئِذٍ: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه.
.

     وَقَالَ  أَيْضا: إِن سلب الْمَقْتُول لَا يجب للْقَاتِل بقتْله صَاحبه إلاَّ أَن يَجْعَل الإِمَام إِيَّاه لَهُ على مَا فِيهِ صَلَاح الْمُسلمين من التحريض على قتال عدوهم.

قَوْله: ( وَكَانَا) أَي: الغلامان الْمَذْكُورَان من الْأَنْصَار: معَاذ بن عفراء ومعاذ عَمْرو بن الجموح.
أما معَاذ بن عفراء، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وبالراء وبالمد: وَهِي أمه عفراء بنت عبيد بن ثَعْلَبَة ابْن غنم بن مَالك بن النجار، وَهُوَ معَاذ بن الْحَارِث بن رِفَاعَة بن سَواد، وَهَكَذَا قَالَه مُحَمَّد بن إِسْحَاق،.

     وَقَالَ  ابْن هِشَام: هُوَ معَاذ ابْن الْحَارِث بن عفراء بن سَواد بن مَالك بن النجار،.

     وَقَالَ  مُوسَى بن عقبَة: معَاذ بن الْحَارِث بن رِفَاعَة بن الْحَارِث، شهد بَدْرًا هُوَ وأخواه عَوْف ومعوذ بَنو عفراء، وهم بَنو الْحَارِث بن رِفَاعَة،.

     وَقَالَ  أَبُو عمر: ولمعاذ بن عفراء رِوَايَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي النَّهْي عَن الصَّلَاة بعد الصُّبْح وَبعد الْعَصْر، مَاتَ فِي خلَافَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَأما معَاذ: بن عَمْرو بن الجموح، فالجموح ابْن زيد بن حرَام بن كَعْب بن غنم بن كَعْب بن سَلمَة بن سعيد بن عَليّ بن أَسد بن ساردة بن يزِيد بن جشم بن الْخَزْرَج السّلمِيّ الخزرجي الْأنْصَارِيّ، شهد الْعقبَة وبدراً هُوَ وَأَبوهُ عَمْرو، وَقتل عَمْرو بن الجموح، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَوْم أحد، وَذكر ابْن هِشَام عَن زِيَاد عَن ابْن إِسْحَاق: أَنه الَّذِي قطع رجل أبي جهل بن هِشَام وصرعه،.

     وَقَالَ : وَضرب ابْنه عِكْرِمَة بن أبي جهل يَد معَاذ فطرحها، ثمَّ ضربه معوذ بن عفراء حَتَّى أثْبته وَتَركه وَبِه رَمق، ثمَّ وقف عَلَيْهِ عبد الله بن مَسْعُود واحتز رَأسه حِين أمره رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن يلتمسه فِي الْقَتْلَى، وَفِي ( صَحِيح مُسلم) ابْن ابْني عفراء ضرباه حَتَّى برد، بِالدَّال: أَي مَاتَ.
وَفِي رِوَايَة: ( حَتَّى برك) ، بِالْكَاف أَي: سقط على الأَرْض، وَكَذَا فِي البُخَارِيّ فِي: بابُُ قتل أبي جهل، وَادّعى الْقُرْطُبِيّ أَنه وهم، الْتبس على بعض الروَاة معَاذ بن الجموح بمعاذ بن عفراء،.

     وَقَالَ  ابْن الْجَوْزِيّ: ابْن الجموح لَيْسَ من ولد عفراء، ومعاذ بن عفراء مِمَّن بَاشر قتل أبي جهل، فَلَعَلَّ بعض إخْوَته حَضَره أَو أَعْمَامه، أَو يكون الحَدِيث: ابْن عفراء، فغلط الرَّاوِي فَقَالَ: ابْنا عفراء،.

     وَقَالَ  أَبُو عمر: أصح من هَذَا حَدِيث أنس بن مَالك: أَن ابْن عفراء قَتله،.

     وَقَالَ  ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يَكُونَا أَخَوَيْنِ لأم، أَو يكون بَينهمَا رضَاع،.

     وَقَالَ  الدَّاودِيّ: ابْنا عفراء: سهل وَسُهيْل، وَيُقَال: معوذ ومعاذ، وروى الْحَاكِم فِي ( إكليله) من حَدِيث الشّعبِيّ عَن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف حمل: رجل كَانَ مَعَ أبي جهل على ابْن عفراء فَقتله، فَحمل ابْن عفراء الآخر على الَّذِي قتل أَخَاهُ فَقتله، وَمر ابْن مَسْعُود على أبي جهل، فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أعز الْإِسْلَام، فَقَالَ أَبُو جهل: تَشْتمنِي يَا رويعي هُذَيْل؟ فَقَالَ: نعم وَالله، وأقتلك فَحَذفهُ أَبُو جهل بِسَيْفِهِ،.

     وَقَالَ : دُونك هَذَا إِذا، فَأَخذه عبد الله فَضَربهُ حَتَّى قَتله، وقاال: يَا رَسُول الله { قتلت أَبَا جهل} فَقَالَ: الله الَّذِي لَا إل هـ إلاَّ هُوَ، فَحلف لَهُ، فَأَخذه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدِهِ ثمَّ انْطلق مَعَه حَتَّى أرَاهُ إِيَّاه، فَقَامَ عِنْده،.

     وَقَالَ : الْحَمد لله الَّذِي أعز الْإِسْلَام وَأَهله، ثَلَاث مَرَّات، والتوفيق بَين هَذِه الرِّوَايَات: إِثْبَات الِاشْتِرَاك فِي قتل أبي جهل، وَلَكِن السَّلب مَا ثَبت إلاَّ لِلَّذِي أثخنه، على مَا مر، فَافْهَم.
قَالَ مُحَمَّدٌ سَمِ يُوسُفَ صالِحاً وإبْرَاهِيمَ أباهُ
مُحَمَّد هُوَ البُخَارِيّ: أَي سمع يُوسُف بن الْمَاجشون صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد، وَسمع إِبْرَاهِيم أَبَاهُ، وَهَذِه الزِّيَادَة هُنَا لأبي ذَر، وَأبي الْوَقْت، وَأَرَادَ بِهَذِهِ دفع قَول من يَقُول: إِن بَين يُوسُف وَبَين صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن رجل هُوَ عبد الْوَاحِد بن أبي عون، وَهُوَ رجل مَشْهُور ثِقَة، فَيكون الحَدِيث مُنْقَطِعًا، وَقد ذكره الْبَزَّار فِي رِوَايَته عَن مُحَمَّد بن عبد الْملك القريشي، وَعلي بن مُسلم قَالَا: حَدثنَا يُوسُف بن أبي سَلمَة حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن أبي عون حَدثنِي صَالح بن إِبْرَاهِيم بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلاَّ من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد، ووثق عبد الْوَاحِد فَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ الزِّيَادَة أَن سَماع يُوسُف عَن صَالح وَسَمَاع إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه ثَابت، فَالْحَدِيث مُتَّصِل.





[ قــ :3000 ... غــ :314 ]
- حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنِ ابنِ أفْلَحَ عنْ أبِي محَمَّدٍ مَوْلَى أبي قَتَادَة عنْ أبِي قتَادَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خَرَجْنَا مَع رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ حُنَيْنٍ فلَمَّا الْتَقَيْنَا كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلةٌ فرَأيْتُ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِينَ عَلا رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ فاسْتَدَرْتُ حتَّى أتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حتَّى ضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ علَى حَبْلِ عاتِقِهِ فأقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجَدْتُ مِنْها رِيحَ المَوْتِ ثُمَّ أدْرَكَهُ المَوْتُ فأرْسَلَنِي فَلَحِقْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فقُلْتُ مَا بالُ النَّاسِ قَالَ أمْرُ الله ثُمَّ إنَّ النَّاسَ رَجَعُوا وجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ مَنْ قَتَلَ قَتيلاً لَهُ علَيْهِ بَيِّنَةٌ فلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لي ثُمَّ جَلَسْتُ ثُمَّ قالَ مَنْ قتَلَ قَتِيلاً لَهُ عليهِ بَيِّنَةٌ فلَهُ سَلْبُهُ فقلْتُ منْ يَشْهَدُ لي ثُمَّ جَلَسْتُ ثمَّ قالَ الثَّالِثَةَ مِثلَهُ فقالَ رَجُلٌ صَدَقَ يَا رسولَ الله وسَلَبُهُ عِنْدِي فأرْضِه عنِّي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَا الله إِذا يَعْمِدُ إِلَى أسَدٍ منْ أُسْدِ الله يقاتِلُ عنِ الله ورَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُعْطِيكَ سلَبَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدَقَ فأعْطَاهُ فبعْتُ الدِّرْعَ فابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفاً فِي بَنِي سلَمَةَ فإنَّهُ لأوَّلُ مالٍ تأثَّلْتُهُ فِي الإسْلامِ.
.


مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السَّلب الَّذِي أَخذه أَبُو قَتَادَة لم يُخَمّس، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد ذكر فِي كتاب الْبيُوع فِي: بابُُ بيع السِّلَاح فِي الْفِتْنَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مُخْتَصرا.

وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَابْن أَفْلح هُوَ عمر بن كثير بن أَفْلح، وَأَبُو مُحَمَّد هُوَ نَافِع مولى أبي قَتَادَة، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ.

وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَمن أخرجه غَيره، ولطائف إِسْنَاده.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: ( عَام حنين) ، وَكَانَ فِي السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة، وحنين وادٍ بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال، وَهُوَ منصرف.
قَوْله: ( جَوْلَة) ، أَي: بِالْجِيم أَي: دوران واضطراب، من جال يجول إِذا دَار.
قَوْله: ( فاستدرت) ، من الدوران، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فاستدبرت من الاستدبار.
قَوْله: ( على حَبل عَاتِقه) ، وَهُوَ مَوضِع الرِّدَاء من الْعُنُق، وَقيل: مَا بَين الْعُنُق والمنكب، وَقيل: هُوَ عرق أَو عصب هُنَاكَ.
قَوْله: ( مَا بَال النَّاس؟) أَي: مَا حَال النَّاس منهزمين.
قَوْله: ( قَالَ: أَمر الله) ، أَي: قَالَ عمر: جَاءَ أَمر الله تَعَالَى، وَيُقَال: مَعْنَاهُ مَا حَالهم بعد الانهزام؟ فَقَالَ: أَمر الله غَالب وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين.
قَوْله: ( رجعُوا) أَي: بعد الانهزام.
قَوْله: ( لَاها الله إِذا) ، كَذَا الرِّوَايَة بِالتَّنْوِينِ، قَالَ الْخطابِيّ: وَالصَّوَاب فِيهِ: لَاها الله ذَا، بِغَيْر ألف قبل الذَّال، وَمَعْنَاهُ: لَا وَالله يجْعَلُونَ الْهَاء مَكَان الْوَاو، بِمَعْنى: وَالله لَا يكون ذَا.
.

     وَقَالَ  الْمَازرِيّ: مَعْنَاهُ: لَاها الله ذَا يَمِيني أَو قسمي،.

     وَقَالَ  أَبُو زيد: ذَا، زَائِدَة، وَفِي هَذَا لُغَتَانِ: الْمَدّ وَالْقصر، قَالُوا: وَيلْزم الْجَرّ بعْدهَا كَمَا يلْزم بعد الْوَاو، وَقَالُوا: وَلَا يجوز الْجمع بَينهمَا، فَلَا يُقَال: لَاها وَالله.
.

     وَقَالَ  أَبُو عُثْمَان الْمَازِني: من قَالَ: لَاها الله إِذا، فقد أَخطَأ، إِنَّمَا هُوَ: لَاها الله ذَا،.

     وَقَالَ  الْجَوْهَرِي: هَا، للتّنْبِيه، وَقد يقسم بهَا يُقَال: لَاها الله مَا فعلت، وَقَوْلهمْ: لَاها الله ذَا، أَن أَصله: لَا وَالله هَذَا، ففرقت بَين: هَا وَذَا، وَتَقْدِيره: لَا وَالله مَا فعلت هَذَا،.

     وَقَالَ  الْكرْمَانِي الْمَعْنى صَحِيح على لفظ: إِذا، يَعْنِي بِالتَّنْوِينِ جَوَابا وَجَزَاء، وَتَقْدِيره: لَا وَالله إِذا صدق لَا يكون أَو لَا يعمد، ويروى بِرَفْع: الله، مُبْتَدأ و: هَا، للتّنْبِيه، و: لَا يعمد، خَبره، قَوْله: ( يعمد) بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالنون أَيْضا، وَكَذَلِكَ ( يعطيك) بِالْيَاءِ وَالنُّون أَي: لَا يقْصد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى رجل كالأسد يُقَاتل عَن جِهَة الله وَرَسُوله نصْرَة فِي الدّين فَيَأْخُذ حَقه.
قَوْله: ( يعطيك) أَي: لَا يعطيك أَيهَا الرجل المسترضي حق أبي قَتَادَة لَا وَالله كَيفَ وَهُوَ أَسد الله؟ قَوْله: ( إِلَى أسَدٍ مِن أُسْدِ الله) ، الأول بِفتْحَتَيْنِ مُفْرد، وَالثَّانِي، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين جمع أَسد، ( فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صدق) .
أَي: أَبُو بكر.
قَوْله: ( فَأعْطَاهُ) أَي: فَأعْطى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَا قَتَادَة الدرْع، وَمُقْتَضى الظَّاهِر أَن يَقُول: فَأَعْطَانِي، فَعدل إِلَى الْغَيْبَة التفاتاً أَو تجريداً، وَهُوَ مفعول ثَان، وَالْأول مَحْذُوف، وَإِنَّمَا أعطَاهُ بِلَا بَيِّنَة لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَعَلَّه علم أَنه الْقَاتِل بطرِيق من الطّرق، وَلَا يُقَال: إِن أَبَا قَتَادَة اسْتحق السَّلب بِإِقْرَار من هُوَ فِي يَده، لِأَن المَال كَانَ مَنْسُوبا إِلَى الْجَيْش جَمِيعهم، فَلَا اعْتِبَار لإِقْرَاره.
قَوْله: ( فابتعت بِهِ مخرفاً) ، أَي: اشْتريت بالدرع، أَي: بِثمنِهِ إِن كَانَ بَاعه، والمخرف، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء بعْدهَا فَاء، وَهُوَ الْبُسْتَان، وَقيل: الْحَائِط من النّخل يخرف فِيهِ الرطب، أَي: يجتنى.
قَوْله: ( فِي بني سَلمَة) بِكَسْر اللَّام.
قَوْله: ( تأثلته) ، أَي: جمعته، وَهُوَ من بابُُ التفعل، فِيهِ معنى التَّكَلُّف مَأْخُوذ من الأثلة، وَهُوَ الأَصْل، أَي: اتخذته أصلا لِلْمَالِ، ومادته: همزَة وثاء مُثَلّثَة وَلَام، يُقَال: مَال مؤثل ومجد مؤثل، أَي: مَجْمُوع ذُو أصل.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ من قَالَ: إِن السَّلب من رَأس الْغَنِيمَة لَا من الْخمس، لِأَن إعطاءه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَا قَتَادَة كَانَ قبل الْقِسْمَة لِأَنَّهُ نقل حِين برد الْقِتَال، وَأجَاب أَصْحَابنَا وَمَالك عَنهُ، فَقَالَ: هَذَا حجَّة لنا لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بعد تقضي الْحَرْب، وَقد حيزت الْغَنَائِم، وَهَذِه حَالَة قد سبق فِيهَا مِقْدَار حق الْغَانِمين، وَهُوَ الْأَرْبَعَة الْأَخْمَاس على مَا أوجبهَا الله لَهُم، فَيَنْبَغِي أَن يكون من الْخمس.
.

     وَقَالَ  الْقُرْطُبِيّ: هَذَا الحَدِيث أدل دَلِيل على صِحَة مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة، وَزعم من خَالَفنَا أَن هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ بِمَا قَالَه يَوْم حنين، وَهُوَ فَاسد لوَجْهَيْنِ.
الأول: أَن الْجمع بَينهمَا مُمكن، فَلَا نسخ.
الثَّانِي: روى أهل السّير وَغَيرهم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ يَوْم بدر: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه، كَمَا قَالَه يَوْم حنين، وغايته أَن يكون من بابُُ تَخْصِيص الْعُمُوم.
وَفِيه: أَن ( لَاها الله) ، يَمِين، وَلَكنهُمْ قَالُوا: إِنَّه كِنَايَة، إِن نوى بهَا الْيَمين كَانَت يَمِينا، وإلاَّ فَلَا.
قلت: ظَاهر الحَدِيث يدل على أَنه يَمِين.
وَفِيه: جَوَاز كَلَام الْوَزير ورد مسَائِل الْأَمِير قبل أَن يعلم جَوَاب الْأَمِير، كَمَا فعله أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين قَالَ: ( لَاها الله) .
وَفِيه: إِذا ادّعى رجل أَنه قتل رجلا بِعَيْنِه، وَادّعى سلبه هَل يعْطى لَهُ؟ فَقَالَت طَائِفَة: لَا بُد من الْبَيِّنَة، فَإِن أصَاب أحدا فَلَا بُد أَن يحلف مَعَه وَيَأْخُذهُ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة من أهل الحَدِيث،.

     وَقَالَ  الْأَوْزَاعِيّ: لَا يحْتَاج إِلَيْهَا وَيُعْطى بقوله.
وَفِيه: من اسْتدلَّ بِهِ على دُخُول من لَا سهم لَهُ فِي عُمُوم قَوْله: من قتل قَتِيلا، وَعَن الشَّافِعِي: لَا يسْتَحق السَّلب إلاَّ من اسْتحق السهْم، وَبِه قَالَ مَالك، لِأَنَّهُ إِذا لم يسْتَحق السهْم فَلِأَن لَا يسْتَحق السَّلب بِالطَّرِيقِ الأولى، ورد بِأَن السهْم علق على المظنة، وَالسَّلب يسْتَحق بِالْفِعْلِ فَهُوَ أولى، وَهَذَا هُوَ الْأَصَح.
وَفِيه: أَن السَّلب مُسْتَحقّ للْقَاتِل الَّذِي أثخنه بِالْقَتْلِ دون من وقف عَلَيْهِ.
وَفِيه: أَن السَّلب مُسْتَحقّ للْقَاتِل من كل مقتول حَتَّى لَو كَانَ الْمَقْتُول امْرَأَة، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر،.

     وَقَالَ  الْجُمْهُور: شَرطه أَن يكون الْمَقْتُول من الْمُقَاتلَة،.

     وَقَالَ  ابْن قدامَة: وَيجوز أَن يسلب الْقَتْلَى ويتركهم عُرَاة، قَالَه الْأَوْزَاعِيّ، وَكَرِهَهُ الثَّوْريّ وَابْن الْمُنْذر.