فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب {ويسألونك عن الروح} [الإسراء: 85]

( بابٌُ: { ويَسْألُونَكَ عنِ الرُّوحِ} )

أَي: هَذَا بابُُ فِي قَوْله عز وَجل: { ويسألونك عَن الرّوح} ( الْإِسْرَاء: 58) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْأَكْثَر على أَن الَّذِي سَأَلُوهُ عَنهُ هُوَ حَقِيقَة الرّوح فَأخْبر أَنه من أَمر الله أَي: مِمَّا اسْتَأْثر بِعِلْمِهِ.
وَعَن أبي بُرَيْدَة: مضى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا يعلم الرّوح، وَعَن ابْن عَبَّاس: قَالَت الْيَهُود للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أخبرنَا عَن الرّوح؟ وَكَيف يعذب؟ وَإِنَّمَا هِيَ من الله، وَلم يكن نزل عَلَيْهِ فِيهِ شَيْء فَلم يحر إِلَيْهِم جَوَابا، فَجَاءَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِهَذِهِ الْآيَة.
.

     وَقَالَ  الْأَشْعَرِيّ: هُوَ النَّفس الدَّاخِل من الْخَارِج، قَالَ: وَقيل: هُوَ جسم لطيف يُشَارك الْأَجْسَام الظَّاهِرَة والأعضاء الظَّاهِرَة،.

     وَقَالَ  بَعضهم: لَا يعلمهَا إلاَّ الله تَعَالَى،.

     وَقَالَ  الْجُمْهُور: هِيَ مَعْلُومَة، وَقيل: هِيَ الدَّم، وَقيل: هِيَ نور من نور الله وحياة من حَيَاته، وَقيل: هِيَ أَمر من أَمر الله عز وَجل، أخْفى حَقِيقَتهَا وَعلمهَا على الْخلق.
وَقيل: هِيَ روحانية خلقت من الملكوت فَإِذا صفت رجعت إِلَى الملكوت، وَقيل: الرّوح روحان روح اللاهوتية وروح الناسوتية، وَقيل: الرّوح نورية وروحانية وملكوتية إِذا كَانَت صَافِيَة، وَقيل: الرّوح لاهوتية، وَالنَّفس أرضية طينية نارية، وَقيل: الرّوح استنشاق الْهَوَاء،.

     وَقَالَ ت عَامَّة الْمُعْتَزلَة: إِنَّهَا عرض، وَأغْرب ابْن الراوندي، فَقَالَ: إِنَّهَا جسم لطيف يسكن الْبدن،.

     وَقَالَ  الْوَاقِدِيّ: الْمُخْتَار أَنه جسم لطيف تُوجد بِهِ الْحَيَاة، وَقيل: الْأَرْوَاح على صور الْخلق لَهَا أيد وأرجل وَسمع وبصر.

ثمَّ أعلم أَن أَرْوَاح الْخلق كلهَا مخلوقة وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والأثر، وَاخْتلفُوا: هَل تَمُوت بِمَوْت الْأَبدَان والأنفس أَو لَا تَمُوت؟ فَقَالَت طَائِفَة: لَا تَمُوت وَلَا تبلى،.

     وَقَالَ  بَعضهم: تَمُوت وَلَا تبلى وتبلى الْأَبدَان، وَقيل: الْأَرْوَاح تعذب كَمَا تعذب الْأَجْسَام،.

     وَقَالَ  بَعضهم: تعذب الْأَرْوَاح والأبدان جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ تنعم،.

     وَقَالَ  بَعضهم: الْأَرْوَاح تبْعَث يَوْم الْقِيَامَة لِأَنَّهَا من حكم السَّمَاء وَلَا تبْعَث الْأَبدَان لِأَنَّهَا من الأَرْض خلقت، وَهَذَا مُخَالف للْكتاب والأثر وأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ،.

     وَقَالَ  بَعضهم: نبعث الْأَرْوَاح يَوْم الْقِيَامَة وينشىء الله عز وَجل لَهَا أجساماً من الْجنَّة، وَهَذَا أَيْضا مُخَالف لما ذكرنَا، وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي الرّوح وَالنَّفس، فَقَالَ أهل الْأَثر: الرّوح غير النَّفس، وقوام النَّفس بِالروحِ، وَالنَّفس تُرِيدُ الدُّنْيَا وَالروح تَدْعُو إِلَى الْآخِرَة وتؤثرها، وَقد جعل الْهوى تبعا للنَّفس والشيطان مَعَ النَّفس والهوى، وَالْملك مَعَ الْعقل وَالروح، وَقيل: الْأَرْوَاح تتناسخ وتنتقل من جسم إِلَى جسم، وَهَذَا فَاسد، وَهُوَ شَرّ الْأَقَاوِيل.

     وَقَالَ  الثَّعْلَبِيّ: اخْتلفُوا فِي تَفْسِير الرّوح المسؤول عَنهُ فِي الْآيَة: مَا هُوَ؟ فَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام،.

     وَقَالَ  عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ: هُوَ ملك من الْمَلَائِكَة لَهُ سَبْعُونَ ألف رَأس، فِي كل رَأس سَبْعُونَ ألف وَجه، لكل وَجه مِنْهَا سَبْعُونَ ألف فَم، فِي كل فَم سَبْعُونَ ألف لِسَان لكل لِسَان مِنْهَا سَبْعُونَ ألف لُغَة، يسبح الله تَعَالَى بِتِلْكَ اللُّغَات كلهَا، يخلق من كل تَسْبِيحَة ملك يطير مَعَ الْمَلَائِكَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: الرّوح ضرب من الْمَلَائِكَة خلق الله صورهم على صور بني آدم لَهُم أيد وأرجل ورؤوس، وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَأبي صَالح وَالْأَعْمَش، وَذكر أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ، مَوْقُوفا عَلَيْهِ، قَالَ: الرّوح ملك عَظِيم أعظم من السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال وَالْمَلَائِكَة، وَهُوَ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة يسبح كل يَوْم إثني عشر ألف تَسْبِيحَة، يخلق من كل تَسْبِيحَة ملك يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة صفا وَاحِدًا وَحده الْمَلَائِكَة بأسرهم يجيئون صفا وَقيل: المُرَاد بِهِ بَنو آدم، قَالَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَقَتَادَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ الَّذِي ينزل لَيْلَة الْقدر زعيم الْمَلَائِكَة وَبِيَدِهِ لِوَاء طوله ألف عَام، فيغرزه على ظهر الْكَعْبَة، وَلَو أذن الله لَهُ أَن يلتقم السَّمَوَات وَالْأَرْض لفعل.

وَعَن سعيد بن جُبَير: لم يخلق الله خلقا أعظم من الرّوح، وَمن عَظمته لَو أَرَادَ أَن يبلع السَّمَوَات السَّبع وَالْأَرضين السَّبع وَمن فيهمَا لقْمَة وَاحِدَة لفعل، صُورَة خلقه على صُورَة الْمَلَائِكَة، وَصُورَة وَجهه على صُورَة وَجه الْآدَمِيّين، فَيقوم يَوْم الْقِيَامَة عَن يَمِين الْعَرْش وَالْمَلَائِكَة مَعَه فِي صفة، وَهُوَ أقرب الْخلق إِلَى الله تَعَالَى الْيَوْم عِنْد الْحجب السّبْعين، وَهُوَ مِمَّن يشفع لأهل التَّوْحِيد، وَلَوْلَا أَن بَينه وَبَين الْمَلَائِكَة سترا من نور لاحترق أهل السَّمَوَات من نوره،.

     وَقَالَ  قوم هُوَ الْمركب فِي الْخلق الَّذِي بفقده فناؤهم وهم وبوجوده بقاؤهم،.

     وَقَالَ  بَعضهم: أَرَادَ بِالروحِ الْقُرْآن، وَذَلِكَ أَن الْمُشْركين قَالُوا: يَا مُحَمَّد من أَتَاك بِهَذَا الْقُرْآن؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَبَين أَنه من عِنْده.



[ قــ :4465 ... غــ :4721 ]
- حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حدَّثنا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ حدّثني إبْراهِيمُ عنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله رَضِي الله عَنهُ قَالَ بَيْنا أَنا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَرْثٍ وهْوَ مُتَّكِىءٌ عَلَى عَصِيبٍ إذْ مرَّ اليَهُودُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عنِ الرُّوحِ فَقَالَ مَا رَابَكُمْ إلَيْهِ.

     وَقَالَ  بَعْضُهُمْ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيءٍ تَكْرَهُونَهُ فقالُوا سَلُوهُ فَسألُوهُ عنِ الرُّوحِ فَأمْسَكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئاً فَعَلِمْتُ أنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ فَقُمْتُ مَقامِي فَلَمَّا نَزَلَ الوحْيُ قَالَ: { ويَسْألُونَكَ عنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلاّ قَلِيلاً} ( الْإِسْرَاء: 58) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس النَّخعِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعلم عَن قيس بن حَفْص، وَأخرجه أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن يحيى عَن وَكِيع وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن عبيد.
وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عمر بن حَفْص وَغَيره.
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن حشرم بِهِ.

قَوْله: ( بَينا أَنا) .
قد مر غير مرّة أَن: بَين، زيدت فِيهِ الْألف ويضاف إِلَى جملَة وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب وَهُوَ قَوْله: ( إِذْ مر الْيَهُود) .
قَوْله: ( فِي حرث) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء والثاء الْمُثَلَّثَة، وَوَقع فِي كتاب الْعلم من وَجه آخر فِي: خرب، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم بِلَفْظ: كَانَ فِي نخل، وَزَاد فِي رِوَايَة الْعلم: بِالْمَدِينَةِ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن مرْدَوَيْه عَن الْأَعْمَش: فِي حرث الْأَنْصَار.
قَوْله: ( وَهُوَ متكىء) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، ويروى: وَهُوَ يتَوَكَّأ، أَي: يعْتَمد.
قَوْله: ( عسيب) ، بِفَتْح الْعين وَكسر السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: وَهُوَ الجريدة الَّتِي لَا خوص فِيهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن حبَان: وَمَعَهُ جَرِيدَة.
قَوْله: ( الْيَهُود) ، بِالرَّفْع على الفاعلية، وَوَقع فِي بَقِيَّة رِوَايَات البُخَارِيّ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن: إِذْ مر بِنَفر من الْيَهُود، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَن الْأَعْمَش: إِذْ مَرَرْنَا على يهود، وَالْيَهُود تَارَة بِالْألف وَتارَة يجرد عَنْهَا وَهُوَ جمع يَهُودِيّ.
قَوْله: ( مَا رابكم إِلَيْهِ) ، كَذَا بِصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين من الريب، وَيُقَال: رابه كَذَا، وأرا بِهِ كَذَا، بِمَعْنى وَاحِد.
وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده بِهَمْزَة وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة: من الرأب، وَهُوَ الْإِصْلَاح، فَيُقَال فِيهِ: رأب بَين الْقَوْم إِذا أصلح بَينهم،.

     وَقَالَ  الْخطابِيّ: الصَّوَاب مَا أربكم؟ بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء، أَي: مَا حَاجَتكُمْ؟ قَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: مَا رَأْيكُمْ، أَي: فكركم.
قَوْله: ( لَا يستقبلكم بِشَيْء) ، بِالرَّفْع،.

     وَقَالَ  بَعضهم: وَيجوز السّكُون وَالنّصب قلت: السّكُون ظَاهر لِأَنَّهُ يكون فِي صُورَة النَّهْي، وَأما النصب فَلَيْسَ لَهُ وَجه، وَفِي رِوَايَة الْعلم: لَا يَجِيء فِيهِ بِشَيْء تكرهونه، وَفِي الِاعْتِصَام: لَا يسمعكم مَا تكرهونه.
قَوْله: ( سلوه) أَصله: سَأَلُوهُ، وَفِي رِوَايَة التَّوْحِيد لنسألنه وَاللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف.
قَوْله: ( فَسَأَلُوهُ عَن الرّوح) ، ويروى: فِي التَّوْحِيد، فَقَامَ رجل مِنْهُم فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِم مَا الرّوح وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ، فَقَالُوا: أخبرنَا عَن الرّوح.
قَوْله: ( فَلم يرد عَلَيْهِم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَلم يرد عَلَيْهِ بِالْإِفْرَادِ.
قَوْله: ( فَعلمت أَنه يُوحى إِلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة: فَظَنَنْت أَنه يُوحى إِلَيْهِ، وَفِي الِاعْتِصَام: فَقلت: إِنَّه يُوحى إِلَيْهِ.
قَوْله: ( فَقُمْت مقَامي) ، وَفِي رِوَايَة الِاعْتِصَام: فتأخرت عَنهُ.
قَوْله: ( فَلَمَّا نزل الْوَحْي) ، وَفِي رِوَايَة الِاعْتِصَام: حَتَّى صعد الْوَحْي، وَفِي رِوَايَة الْعلم: فَقُمْت فَلَمَّا انجلى.
قَوْله: ( من أَمر رَبِّي) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: يحْتَمل أَن يكون جَوَابا، وَأَن الرّوح من أَمر الله تَعَالَى، يَعْنِي: من جملَة أَمر الله، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: أَن الله اخْتصَّ بِعِلْمِهِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
قَوْله: ( وَمَا أُوتِيتُمْ) ، كَذَا للكشميهني هُنَا، وَكَذَا: الْهم، فِي الِاعْتِصَام، ولغير الْكشميهني هُنَا { وَمَا أُوتُوا} وَكَذَا لَهُم فِي الْعلم.
قَوْله: ( إلاَّ قَلِيلا) ، الِاسْتِثْنَاء من الْعلم أَي: إِلَّا علما قَلِيلا.
أَو من الْإِعْطَاء، أَي إلاَّ إِعْطَاء قَلِيلا، أَو من ضمير الْمُخَاطب أَو الْغَائِب على الْقِرَاءَتَيْن، أَي: إلاَّ قَلِيلا مِنْكُم أَو مِنْهُم.