فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن

( بابُُ نُزُولِ السَّكينَةِ والمَلاَئِكَةُ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ)

أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان كَيْفيَّة نزُول السكينَة، وَعطف عَلَيْهَا الْمَلَائِكَة.
قيل: جمع بَينهمَا وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبابُُ ذكر السكينَة، وَلَا فِي حَدِيث الْبَراء السَّابِق فِي فضل سُورَة الْكَهْف ذكر الْمَلَائِكَة، وَوجه ذَلِك مَا قَالَه أَبُو الْعَبَّاس بن الْمُنِير: فهم البُخَارِيّ تلازمهما، وَفهم من الظلة أَنَّهَا السكينَة، فَلهَذَا سَاقهَا فِي التَّرْجَمَة.
.

     وَقَالَ  ابْن بطال: دلّ على أَن السكينَة كَانَت فِي تِلْكَ الظلة وَأَنَّهَا تنزل أبدا مَعَ الْمَلَائِكَة.



[ قــ :4749 ... غــ :5018 ]
- وَقَالَ اللَّيْثُ: حدّثني يَزِيدُ بنُ الهَادِ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ وفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عنْدَهُ، إذْ جالَتِ الْفَرَسُ فَسكَتَ فسَكَنَتْ.
فَقَرَأ، فَجالَتِ الفَرَسُ فَسكَتَ فَسكَنَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأ فَجالَتِ الفَرَسُ، فانْصَرَفَ وكانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبا منْها فأشْفَقَ أَن تُصِيبَهُ، فَلمَّا اجْتَرَّهُ رفَعَ رأسَهُ إِلَى السَّماءِ حَتَّى مَا يَراها، فَلما أصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ لهُ: اقْرَأ يَا ابنَ حُضَيْرٍ، قَالَ: فأشْفَقْتُ يَا رسُولَ الله أنْ تَطأ يَحْيَى وَكَانَ منْها قَرِيبا، فَرَفَعْتُ رأسِي فانْصَرَفْتُ إليْهِ، فرَفَعْتُ رأسِي إِلَى السَّماء فإِذا مثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أمْثالُ المَصابِيحِ، فَخَرَجْتُ حتَّى لَا أرَاها، قَالَ: وتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: تِلْكَ المَلاَئِكَةُ دَنَتْ لصَوْتِكَ، ولَوْ قَرَأتَ لأصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إليْها لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ.

مطابقه للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ فهم من الظلة السكينَة، وَأما الْمَلَائِكَة فَفِي قَوْله: ( تِلْكَ الْمَلَائِكَة) وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ ابْن أُسَامَة بن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد بِحَذْف الْيَاء للتَّخْفِيف، وَسمي بالهاد لِأَنَّهُ كَانَ يُوقد ناره للأضياف وَلمن سلك الطَّرِيق لَيْلًا،.

     وَقَالَ  أَبُو عَمْرو: وَقيل اسْم شَدَّاد أُسَامَة بن عَمْرو وَشَدَّاد لقب والهاد هُوَ عَمْرو.

     وَقَالَ  أَبُو عَمْرو وَكَانَ شَدَّاد بن الْهَاد سلفا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلأبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَنَّهُ كَانَ تَحت سلمى بنت عُمَيْس أُخْت أَسمَاء بنت عُمَيْس وَهِي أُخْت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث لأمها، وَله رِوَايَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سكن الْمَدِينَة ثمَّ تحول إِلَى الْكُوفَة، وَسلف الرجل زوج أُخْت امْرَأَته، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم هُوَ التَّيْمِيّ من صغَار التَّابِعين وَلم يدْرك أسيد بن حضير فروايته عَنهُ مُنْقَطِعَة، لَكِن الِاعْتِمَاد فِي وصل الحَدِيث الْمَذْكُور على الْإِسْنَاد الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: ( قَالَ ابْن الْهَاد) على مَا يَجِيء عَن قريب، وَهَذَا الْإِسْنَاد مُنْقَطع ومعلق وَصله أَبُو عبيد فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث بالإسنادين جَمِيعًا.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَغَيره، وَفِي المناقب عَن أَحْمد بن سعيد الريَاحي.

قَوْله: ( بَيْنَمَا) كلمة بَين زيدت فِيهَا مَا يُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَيحْتَاج إِلَى الْجَواب، وَهنا جوابها هُوَ قَوْله: ( إِذْ جالت الْفرس) يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَلِهَذَا قَالَ: ( فجالت الْفرس) بالتأنيث.

     وَقَالَ  فِي قَوْله: ( وفرسه مربوط) بالتذكير.
قَوْله: ( من اللَّيْل) أَي: فِي اللَّيْل، وَوَقع فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد فِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ: ( بَيْنَمَا هُوَ يقْرَأ فِي مربده) أَي فِي الْمَكَان الَّذِي فِيهِ التَّمْر فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة أبي عبيد أَنه كَانَ يقْرَأ على ظهر بَيته، وَبَينهمَا تغاير قلت: قَوْله: ( وفرسه مربوط إِلَى جَانِبه) يرد رِوَايَة ظهر الْبَيْت، إلاَّ أَن يُرَاد بِظهْر الْبَيْت خَارجه لَا أَعْلَاهُ فَيَنْتَفِي التغاير.
فَإِن قلت: تقدم فِي بابُُ فضل الْكَهْف: كَانَ رجل يقْرَأ سُورَة الْكَهْف وَإِلَى جَانِبه حصان، وَقد قيل: إِن هَذَا الرجل هُوَ أسيد بن حضير، وَإنَّهُ كَانَ يقْرَأ سُورَة الْكَهْف.
قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّه قرأهما يَعْنِي السورتين الْكَهْف وَسورَة الْبَقَرَة أَو كَانَ ذَلِك الرجل غير أسيد، هَذَا هُوَ الظَّاهِر.
قَوْله: ( جالت) من الجولان وَهُوَ الِاضْطِرَاب الشَّديد.
قَوْله: ( قَرِيبا مِنْهَا) أَي: من الْفرس، يَعْنِي: كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت قَرِيبا مِنْهَا.
قَوْله: ( فَلَمَّا اجتره) بجيم وتاء مثناة من فَوق وَرَاء مُشَدّدَة، من الاجترار من الْجَرّ أَي: فَلَمَّا جر أسيد ابْنه يحيى من الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ حَتَّى لَا يطَأ الْفرس رفع رَأسه، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: أَخّرهُ، بخاء مُعْجمَة مُشَدّدَة وَرَاء من التَّأْخِير أَي: أَخّرهُ من الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ خشيَة عَلَيْهِ.
قَوْله: ( يَا ابْن حضير) وَقع مرَّتَيْنِ أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْقِرَاءَةِ فِي الِاسْتِقْبَال والحض عَلَيْهَا، أَي: كَانَ يَنْبَغِي أَن تستمر على الْقِرَاءَة وتغتنم مَا حصل لَك من نزُول السكينَة وَالْمَلَائِكَة، وَالدَّلِيل على طلب دوَام الْقِرَاءَة جَوَابه: بِأَنِّي خفت إِن دمت عَلَيْهَا أَن يطَأ الْفرس وَلَدي.
قَوْله: ( وَكَانَ مِنْهَا) أَي: وَكَانَ يحيى قَرِيبا من الْفرس.
قَوْله: ( مثل الظلة) بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة: شَيْء مثل الصّفة، فَأول بسحابة نظل.
قَوْله: ( فَخرجت) بِلَفْظ الْمُتَكَلّم.
ويروى بِلَفْظ الغائبة، فَقيل: صَوَابه فعرجت بِالْعينِ.
قَوْله: ( دنت) أَي: قربت لصوتك، وَكَانَ حسن الصَّوْت وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: اقْرَأ أسيد فقد أُوتيت من مَزَامِير آل دَاوُد.
قَوْله: ( وَلَو قَرَأت) وَفِي رِوَايَة ابْن أبي ليلى: إِمَّا إِنَّك لَو مضيت.
قَوْله: ( لَا تتوارى مِنْهُم) أَي: لَا تستتر من النَّاس، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد وَفِي رِوَايَة ابْن أبي ليلى: لرأيت الْأَعَاجِيب، وَفِيه جَوَاز رُؤْيَة بني آدم الْمَلَائِكَة فالمؤمنون يرونهم رَحْمَة وَالْكفَّار عذَابا، لَكِن بِشَرْط الصّلاح وَحسن الصَّوْت، وَالَّذِي فِي الحَدِيث إِنَّمَا نَشأ عَن قِرَاءَة خَاصَّة من سُورَة خَاصَّة بِصفة خَاصَّة، وَلَو كَانَ على الْإِطْلَاق لحصل ذَلِك لكل قارىء.

وَفِيه: فَضِيلَة أسيد، وفضيلة قِرَاءَة سُورَة الْبَقَرَة فِي صَلَاة اللَّيْل.

قَالَ ابنُ الهَادِ.
حدّثنيهذا الحَدِيثَ عبدُ الله بنُ خَبابٍُ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عنْ أُسَيْد بنِ حُضَيْرٍ

هَذَا الْإِسْنَاد الَّذِي عَلَيْهِ الْعُمْدَة لِأَن ابْن الْهَاد رَوَاهُ هُنَا عَن عبد الله بن خبابُ على وزن فعال بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة مولى بن عدي بن النجار الْأنْصَارِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن أسيد بن حضير، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو نعيم الْحَافِظ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن خَلاد حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن ملْحَان، حَدثنَا يحيى بن بكير، حَدثنَا اللَّيْث بن سعد حَدثنِي يزِيد بن الْهَاد.