فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب استذكار القرآن وتعاهده

( بابُُ اسْتِذْكارِ القُرْآنِ وتعَاهُدِهِ)

أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان استذكار الْقُرْآن، أَي: طلب ذكر بِضَم الذَّال.
قَوْله: ( وتعاهده) أَي: تَجْدِيد يَد الْعَهْد بملازمته الْقِرَاءَة وَتَحفظه وَترك الكسل عَن تكراره.



[ قــ :4762 ... غــ :5031 ]
- حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابْن عُمرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِنما مثَلُ صاحِبِ القُرْآنِ كمَثَلِ صاحِبِ الإبِلِ المُعَقَّلةِ إِن عاهدها أمْسَكها وإِنْ أطْلَقَها ذَهَبتْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْفَضَائِل وَالصَّلَاة.

قَوْله: ( المعقلة) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْقَاف أَي: المشدودة وبالعقال بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ ركبة الْبَعِير، شبَّه درس الْقُرْآن واستمرار تِلَاوَته بربط الْبَعِير الَّذِي يخْشَى مِنْهُ الهروب، فَمَا دَامَ التعاهد مَوْجُودا فالحفظ مَوْجُود، كَمَا أَن الْبَعِير مَا دَامَ مشدودا بالعق ال فَهُوَ مَحْفُوظ، وَخص الْإِبِل بِالذكر لِأَنَّهُ أَشد الْحَيَوَان الأنسي نفورا، وَفِي تَحْصِيلهَا بعد استمكان نفورها صعوبة.
قَوْله: ( ذهبت) ، أَي: انفلتت.





[ قــ :4763 ... غــ :503 ]
- حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ منْصُور عنْ أبي وائِلٍ عنْ عبْدِ الله قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بِئْسَ مَا لِأحَدِهِمْ أنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيةَ كيْتَ وكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ، واستَذْكِرُوا القُرْآنِ فإِنهُ أشَدُّ تَفَصِّيا مِنْ صُدُورِ الرِّجالِ منَ النَّعَمِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ( استذكروا الْقُرْآن) وَمُحَمّد بن عرْعرة، بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ وَإِسْكَان الرَّاء الأولى: النَّاجِي الشَّامي الْبَصْرِيّ الْقرشِي أَبُو عبد الله، وَيُقَال: أَبُو إِبْرَاهِيم، رُوِيَ مُسلم عَنهُ بِوَاسِطَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره.
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْقرَاءَات عَن مَحْمُود بن غيلَان.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَغَيره.

قَوْله: ( بئس) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: بِئس أُخْت نِعم، الأولى للذم وَالْأُخْرَى للمدح، وهما فعلان غير متصرفين يرفعان الْفَاعِل ظَاهرا أَو مضمرا إلاَّ أَنه إِذا كَانَ ظَاهرا لم يكن فِي الْأَمر الْعَام إلاَّ بِالْألف وَاللَّام للْجِنْس أَو يُضَاف إِلَى مَا هما فِيهِ حَتَّى يشْتَمل على الْمَوْصُوف بِأَحَدِهِمَا، وَلَا بُد من ذكره تعيينا كَقَوْلِه: نعم الرجل زيد، وَبئسَ الرجل عَمْرو، فَإِن كَانَ الْفَاعِل مضمرا فَلَا بُد من ذكر اسْم نكرَة ينصب على التَّفْسِير للمضمر كَقَوْلِك: نعم رجلا زيد، وَقد يكون هَذَا التَّفْسِير مَا على نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، وكما فِي قَوْله: فَنعما هِيَ: وَمَا، نكرَة مَوْصُوفَة.
قَوْله: ( أَن يَقُول) مَخْصُوص بالذم أَي: بئس شَيْئا كَائِنا أحدهم.
يَقُول قَوْله: ( نسيت) ، بِفَتْح النُّون وَتَخْفِيف السِّين اتِّفَاقًا.
قَوْله: ( كَيْت وَكَيْت) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَيْت وَكَيْت، يعبر بهما عَن الْجمل الْكَثِيرَة، والْحَدِيث الطَّوِيل، وَمثلهَا: ذيت وذيت،.

     وَقَالَ  ثَعْلَب: كَيْت للأفعال، وذيت للأسماء، وَحكى ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ أَن هَذِه الْكَلِمَة مثل: كَذَا إلاَّ بالمؤنث، وَزعم أَبُو السعادات أَن أَصْلهَا: كيه، بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّاء فِيهَا بدل من إِحْدَى الياءين وَالْهَاء الَّتِي فِي الأَصْل محذوفة وَقد تضم التَّاء وتكسر.
قَوْله: ( بل نُسي) بِضَم النُّون وَكسر السِّين الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة.
.

     وَقَالَ  الْقُرْطُبِيّ: رَوَاهُ بعض رُوَاة مُسلم بِالتَّخْفِيفِ،.

     وَقَالَ  عِيَاض: كَانَ أَبُو الْوَلِيد الوقشي لَا يجوز فِي هَذَا غير التَّخْفِيف،.

     وَقَالَ  الْقُرْطُبِيّ: التثقيل مَعْنَاهُ أَنه عُوقِبَ بِوُقُوع النسْيَان عَلَيْهِ لتَفْرِيطه فِي معاهدته واستذكاره، قَالَ: وَمعنى التَّخْفِيف أَن الرجل تَركه غير ملتفت إِلَيْهِ، وَالْحَاصِل أَن الذَّم فِيهِ يرجع إِلَى الْمقَال فنهي أَن يُقَال: نسيت آيَة كَذَا إِلَّا أَنه يتَضَمَّن التساهل فِيهِ والتغافل عَنهُ وَهُوَ كَرَاهَة تَنْزِيه،.

     وَقَالَ  القَاضِي: الأولى أَن يُقَال: إِنَّه ذمّ الْحَال لَازم الْمقَال، أَي: بئس حَال من حفظ الْقُرْآن فيغفل عَنهُ حَتَّى نَسيَه،.

     وَقَالَ  الْخطابِيّ: بئس، يَعْنِي: عُوقِبَ بِالنِّسْيَانِ على ذَنْب كَانَ مِنْهُ أَو على سوء تعهده بِالْقُرْآنِ حَتَّى نَسيَه، وَقد يحْتَمل معنى آخر وَهُوَ أَن يكون ذَلِك فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين النّسخ وَسُقُوط الْحِفْظ عَنْهُم.
فَيَقُول الْقَائِل مِنْهُم: نسيت كَذَا، فنهاهم عَن هَذَا القَوْل لِئَلَّا يتوهموا على مُحكم الْقُرْآن الضّيَاع، فأعلمهم أَن ذَلِك بِإِذن الله، وَلما رَآهُ من الْمصلحَة فِي نسخه، وَمن أضَاف النسْيَان إِلَى الله تَعَالَى فَإِنَّهُ خالقه وخالق الْأَفْعَال كلهَا، وَمن نسبه إِلَى نَفسه فَلِأَن النسْيَان فعل مِنْهُ يُضَاف إِلَيْهِ من جِهَة الِاكْتِسَاب وَالتَّصَرُّف.
وَمن نسب ذَلِك إِلَى الشَّيْطَان.
كَمَا قَالَ يُوشَع بن نون، عَلَيْهِ السَّلَام { وَمَا أنسانيه إلاَّ الشَّيْطَان} ( الْكَهْف: 36) فَلَمَّا جعل الله لَهُ من الوسوسة، فَلِكُل إِضَافَة مِنْهَا وَجه صَحِيح.
قَوْله: ( واستذكروا الْقُرْآن) .
أَي: واظبوا على تِلَاوَته واطلبوا من أَنفسكُم المذاكره بِهِ،.

     وَقَالَ  الطَّيِّبِيّ: وَهُوَ عطف من حَيْثُ الْمَعْنى على قَوْله: بئس مَا لأحدكم أَي لَا تقتصروا فِي معاهدته واستذكروه.
قَوْله: ( تفيصا) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الصَّاد الْمَكْسُورَة بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف.
هُوَ الِانْفِصَال والانفلات والتخلص.
يُقَال تفصيت كَذَا أَي: أحطت بتفاصيله، وَالِاسْم الفصة.
قَوْله: ( من النعم) وَهِي الْإِبِل وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه.





[ قــ :4763 ... غــ :503 ]
- ( حَدثنَا عُثْمَان حَدثنَا جرير عَن مَنْصُور مثله) عُثْمَان هُوَ ابْن أبي شيبَة وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد وَمَنْصُور هُوَ الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قبله وَهَذَا الطَّرِيق ثَبت عِنْد الْكشميهني وَحده وَثَبت أَيْضا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَقد أخرجه مُسلم عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة مَقْرُونا بإسحق بن رَاهَوَيْه وَزُهَيْر بن حَرْب ثَلَاثَتهمْ عَن جرير وَلَفظه مسَاوٍ للفظ شُعْبَة الْمَذْكُور إِلَّا أَنه قَالَ استذكروا بِغَيْر وَاو.

     وَقَالَ  فَهُوَ أَشد بدل قَوْله فَإِنَّهُ وَزَاد بعد قَوْله من النعم بعقلها قَوْله " مثله " أَي مثل الحَدِيث الَّذِي قبله
( تَابعه بشر عَن ابْن الْمُبَارك عَن شُعْبَة وَتَابعه ابْن جريج عَن عَبدة عَن شَقِيق سَمِعت عبد الله سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -) أَي تَابع مُحَمَّد بن عرْعرة بشر بن عبد الله الْمروزِي شيخ البُخَارِيّ عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة وَلَيْسَ بشر وَابْن الْمُبَارك بمنفردين فِي هَذِه الْمُتَابَعَة فَإِن الْإِسْمَاعِيلِيّ روى هَذِه الْمُتَابَعَة عَن الْفرْيَابِيّ حَدثنَا مُزَاحم بن سعيد حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك حَدثنَا شُعْبَة قَوْله " وَتَابعه ابْن جريج " أَي تَابع مُحَمَّد بن عرْعرة عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَبدة بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن أبي لبابَُُة بِضَم اللَّام وباءين موحدتين مخففتين عَن شَقِيق بن سَلمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا مُسلم من طَرِيق مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج قَالَ حَدثنِي عُهْدَة بن لبابَُُة عَن شَقِيق بن سَلمَة سَمِعت عبد الله بن مَسْعُود فَذكر الحَدِيث إِلَى قَوْله بل هُوَ نسي وَلم يذكر مَا بعده -



[ قــ :4764 ... غــ :5033 ]
- حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: تعَاهَدُوا القُرْآنَ، فوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أشَدُّ تَقَصِّيَا منَ الإبِلِ فِي عُقُلِها.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ( تَعَاهَدُوا) .
وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء أَبُو كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: ابْن عبد الله عَن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه عَامر بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: وَالْحَاصِل أَن بريد بن عبد الله يروي عَن جده أبي بردة: وَهُوَ يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة.

قَوْله: ( تَعَاهَدُوا) مثل: تعهدوا، وَمَعْنَاهُ: واظبوا عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ والترداد.
قَوْله: ( فِي عقلهَا) بِضَم الْعين وَضم الْقَاف وَيجوز تسكينها، جمع عقال وَهُوَ الْحَبل.
وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب.
وَذكر الكلاماني فِي بعض النّسخ: من عللها، يَعْنِي بلامين بدل: من عقلهَا.
قيل: هُوَ تَصْحِيف.
قلت: رُبمَا يكون: من غللها بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وباللامين جمع غل وَهُوَ الْقَيْد، وَهَذَا لَهُ وَجه على مَا لَا يخفي، وَوَقع هُنَا: ( فِي عقلهَا) .
بِكَلِمَة: فِي يروي: من عقلهَا بِكَلِمَة: من قَالَ الْقُرْطُبِيّ: من رَوَاهُ من عقلهَا، فَهُوَ على الأَصْل الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّعَدِّي من لفظ التفصي، وَمن رَوَاهُ بِكَلِمَة: فِي يحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى: من أَو بِمَعْنى الظّرْف.
قلت: كلمة فِي تَأتي بِمَعْنى: من، كَمَا فِي قَول الشَّاعِر:
( أَلاَ عِمْ صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي)

( وَهل يعمن من كَانَ أحدث عَهده ... ثَلَاثِينَ شهرا فِي ثَلَاثَة أَحْوَال)

وَيجوز أَن يكون فِي هَهُنَا بِمَعْنى المصاحبة، يَعْنِي: مَعَ عقلهَا، وَتَأْتِي: فِي، بِمَعْنى مَعَ كَمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: { ادخُلُوا فِي أُمَم} ( الْأَعْرَاف: 83) .