فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: 23]

( بابٌُ { وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم} ( النِّسَاء: 32)

أَي: هَذَا بابُُ يذكر فِيهِ حكم الرَّضَاع لقَوْله تَعَالَى: { وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم} ( النِّسَاء: 32) وَهُوَ عطف على قَوْله: { حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم} ( النِّسَاء: 32) أَي: وَحرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم اللَّاتِي أرضعنكم.

ويَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ

هَذَا قِطْعَة من حَدِيث عَائِشَة أخرجه الْجَمَاعَة عَنْهَا إلاَّ ابْن مَاجَه، وَاللَّفْظ لمُسلم: أَن عَمها من الرَّضَاع يُسمى أَفْلح، اسْتَأْذن عَلَيْهَا فَحَجَبَتْهُ، فَأخْبرت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهَا: ( لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ يحرم من الرضَاعَة مَا يحرم من النّسَب) ، وَفِي لفظ البَاقِينَ: ( مَا يحرم من الْولادَة) ، وَفِي لفظ: ( مَا تحرم الْولادَة) ، وَإِنَّمَا ذكره البُخَارِيّ لبَيَان بعض مَا يحرم بالرضاعة) .



[ قــ :4827 ... غــ :5099 ]
- حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بكْرٍ عنْ عُمْرَةَ بِنْتِ عبْدِ الرحْمانِ أنَّ عائِشَةَ زوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخْبَرَتْها: أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كانَ عِنْدَها وأنَّها سَمِعَتْ صَوْتَ رجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتٍ حَفْصَةَ، قالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله هاذَا رجُلٌ يَسْتأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُرَاهُ فُلاَنا، لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضاعَةِ، قالَتْ عائِشةُ: لوْ كانَ فُلاَنٌ حَيّا لِعَمِّها مِنَ الرَّضاعَةِ دَخَلَ علَيَّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ الرَّضاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلادَةُ..
مطابقته للشق الثَّانِي من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَعبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم الْأنْصَارِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بابُُ الشَّهَادَة على الْأَنْسَاب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: ( أخْبرتهَا) أَي: أخْبرت عَائِشَة عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن.
قَوْله: ( صَوت رجل) لم يدر اسْمه.
قَوْله: ( أرَاهُ) بِضَم الْهمزَة أَي: أَظُنهُ.
قَوْله: ( لعم حَفْصَة) قَالَ بَعضهم: اللَّام بِمَعْنى: عَن، أَي: قَالَ ذَلِك عَن عَم حَفْصَة.
قلت: اللَّام بِمَعْنى عَن ذكره ابْن الْحَاجِب فِي قَوْله تَعَالَى: { وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا} ( مَرْيَم: 37، وَالْعَنْكَبُوت: 21، وَيس: 74، والأحقاف: 11) .

     وَقَالَ  ابْن مَالك وَغَيره: هِيَ لَام التَّعْلِيل، وَهنا أَيْضا كَذَلِك، أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لأجل عَم حَفْصَة، وَلم يدر اسْمه.
قَوْله: ( لَو كَانَ فلَان) لم يدر اسْمه، وَقيل: هُوَ أَفْلح أَخُو أبي القعيس،.

     وَقَالَ  بَعضهم: هُوَ وهم، لِأَن أَبَا القعيس وَالِد عَائِشَة من الرضَاعَة، وَأما أَفْلح فَهُوَ أَخُوهُ وَهُوَ عَمها من الرضَاعَة، وَأما قَوْلهَا: لَو كَانَ حَيا، يدل على أَنه مَاتَ.
انْتهى.
قلت: يحْتَمل أَن يكون أَخا آخر لَهَا، وَيحْتَمل أَنَّهَا ظنت أَنه مَاتَ لبعد عهدها بِهِ ثمَّ قدم بعد ذَلِك فَاسْتَأْذن.
قَوْله: ( الرضَاعَة تحرم مَا تحرم الْولادَة) وَهَذَا إِجْمَاع لَا خلاف فِيهِ بَين الْأَئِمَّة، فَإِذا حرمت الْأُم فَكَذَا زَوجهَا لِأَنَّهُ وَالِده لِأَن اللَّبن مِنْهُمَا جَمِيعًا، وانتشرت الْحُرْمَة إِلَى أَوْلَاده: فأخو صَاحب اللَّبن عَم، وأخوها خَاله من الرَّضَاع فَيحرم من الرَّضَاع: العمات والخالات والأعمام وَالْأَخَوَات وبناتهن كالنسب.





[ قــ :488 ... غــ :5100 ]
- حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ جابِرِ بنِ زَيْدٍ ابنِ عبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَلا تَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ؟ قَالَ: إنَّها ابْنَةُ أخي مِنَ الرِّضاعَةِ.

( انْظُر الحَدِيث 546) .

مطابقته للشق الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَجَابِر بن زيد هُوَ أَبُو الشعْثَاء الْبَصْرِيّ مَشْهُور بكنيته، وَأما جَابر بن يزيدبالياء آخر الْحُرُوف فِي أول اسْم أَبِيه فَهُوَ الْكُوفِي، وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح شَيْء.

والْحَدِيث مر فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بابُُ الشَّهَادَة على الْأَنْسَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: ( قيل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الْقَائِل لَهُ هُوَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَذَا قَالَه بَعضهم، ثمَّ قَالَ: كَمَا أخرجه مُسلم من حَدِيثه، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله {مَالك تتوق فِي قُرَيْش وَتَدعنَا؟ قَالَ: وعندكم شَيْء؟ قلت: نعم ابْنة حَمْزَة الحَدِيث.
قلت: أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة أبي عبد الرَّحْمَن عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرج أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَأخرج أَيْضا من حَدِيث أم سَلمَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَقول: قيل لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْن أَنْت يَا رَسُول الله عَن ابْنة حَمْزَة؟ الحَدِيث، فَمن أَيْن تعين فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن الْقَائِل فِيهِ هُوَ عَليّ حَتَّى جزم هَذَا الْقَائِل: إِن الْقَائِل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ عَليّ بن أبي طَالب؟ فَلم لَا يجوز أَن تكون أم سَلمَة أَو غَيرهَا؟ قَوْله: ( أَلا تزوج) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْوَاو وَضم الْجِيم، أَصله: تتَزَوَّج، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَرُوِيَ أَيْضا بِلَا حذف التَّاء.
قَوْله: ( إِنَّهَا) أَي: إِن بنت حَمْزَة بنت أخي من الرضَاعَة، لِأَن ثويبة أرضعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَمَا كَانَت أرضعت حَمْزَة،.

     وَقَالَ  ابْن إِسْحَاق: كَانَ حَمْزَة أسن من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِسنتَيْنِ، وَقيل: بِأَرْبَع، وثوبية بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة مصغر ثوبة وَكَانَت مولاة لأبي لَهب بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأعْتقهَا، وَاخْتلف فِي إسْلَامهَا، وَذكرهَا ابْن مندة فِي الصَّحَابَة،.

     وَقَالَ  أَبُو نعيم: وَلَا أعلم أحدا أثبت إسْلَامهَا غير ابْن مندة وَكَانَ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يكرمها، وَكَانَت تدخل عَلَيْهِ بعدأن تزوج خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ويصلها من الْمَدِينَة حَتَّى مَاتَت بعد فتح خَيْبَر وَكَانَت خَدِيجَة تكرمها.
قَوْله: ( تتوق) فِي رِوَايَة مُسلم ضبط بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: تتوق بتاءين أولاهما مَفْتُوحَة وَالْأُخْرَى مَضْمُومَة من التوق وَهُوَ الْميل مَعَ الاشتهاء.
وَالثَّانِي: تنوق، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح النُّون وَتَشْديد الْوَاو، وَمَعْنَاهُ: تخْتَار من النيقة، بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهِي الْخِيَار من الشَّيْء، فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَلا تزوج ابْنة حَمْزَة وَهُوَ يعلم حكم الرَّضَاع؟ قلت.
قيل: لم يعلم بذلك.
.

     وَقَالَ  الْقُرْطُبِيّ: هَذَا بعيد أَن يُقَال فِي حق عَليّ، لم يعلم بذلك، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: إِنَّه لم يعلم بِأَن حَمْزَة رَضِيع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو جوز الخصوصية، أَو كَانَ ذَلِك قبل تَقْرِير الحكم.

وَقَالَ بِشْرُ بنُ عُمَرَ: حَدثنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ قَتادَةَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ زَيْدٍ مِثْلَهُ

بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن عمر الزهْرَانِي، وَهَذَا تَعْلِيق رَوَاهُ مُسلم عَن مُحَمَّد بن يحيى الْقطعِي عَنهُ، وَفَائِدَته عِنْد البُخَارِيّ لبَيَان سَماع قَتَادَة من جَابر بن زيد لِأَنَّهُ مُدَلّس.





[ قــ :489 ... غــ :5101 ]
- حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافِعٍ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخبرَني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أبي سلَمةَ أخبَرَتْهُ أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبي سُفْيان أخبَرَتْها أَنَّهَا قالَتْ: يَا رسولُ الله} انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أبي سُفْيانَ.
فَقَالَ: أوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وأحَبُّ منْ شاركَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لي.
قُلْتُ: فإِنَّا نُحَدَّثُ أنكَ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أبي سلَمَةَ؟ قَالَ: بِنْتَ أُمِّ سلَمة؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ: لوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّها لابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ، أرْضَعَتْنِي وَأَبا سلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلاَ تَعْرِضَن عَلَيَّ بنَاتِكنَّ وَلَا أخَوَاتِكُنَّ.

قَالَ عُرْوَةُ: وثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأبي لَهبٍ، كانَ أبُو لَهبٍ أعْتَقَها فأرْضَعَتِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فلَمَّا ماتَ أبُو لَهبٍ أُرَيَةُ بَعْضُ أهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لهُ: ماذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أبُو لَهبٍ: لَمْ ألْقِ بَعْدكُمْ، غَيْرَ أنِّي سُقِيتُ فِي هاذِهِ بِعتَاقَتي ثُوَيْبَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الشق الثَّانِي وَزَيْنَب بنت أبي سَلمَة بن عبد الْأسد المَخْزُومِي ربيبة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمّهَا أم سَلمَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ اسْم زَيْنَب برة فسماها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَيْنَب، ولدتها أمهَا بِأَرْض الْحَبَشَة وقدمت بهَا وحفظت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَت زَيْنَب عِنْد عبد الله بن زَمعَة بن الْأسود، فَولدت لَهُ، وَأَبُو سَلمَة اسْمه عبد الله بن عبد الْأسد وَأمة برة بنت عبد الْمطلب، وَهَاجَر الهجرتين وَشهد بَدْرًا وَخرج يَوْم أحد فَمَاتَ مِنْهُ.
وَذَلِكَ لثلاث مضين لجمادى الْآخِرَة سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة، وَأم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاسْمهَا مِلَّة بِلَا خلاف.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات عَن يحيى بن بكير وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث بِهِ، وَعَن الْحميدِي عَن سُفْيَان وَعَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن أبي كريب وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَغَيره وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: ( أنكح أُخْتِي) : أَي: تزوج، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ: ( أنكح أُخْتِي عزة بنت أبي سُفْيَان) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ قَالَت: يَا رَسُول الله هَل لَك فِي أُخْتِي حمْنَة بنت أبي سُفْيَان، وَعند أبي مُوسَى فِي الذيل مَدَرَة بنت أبي سُفْيَان بِضَم الدَّال الْمُهْملَة، وَحكى عِيَاض عَن بعض رُوَاة مُسلم أَنه ضَبطهَا بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة،.

     وَقَالَ  النَّوَوِيّ: هُوَ تَصْحِيف.
قَوْله: ( أَو تحبين ذَلِك؟) هَذَا اسْتِفْهَام تعجب مَعَ مَا طبع عَلَيْهِ النِّسَاء من الْغيرَة.
قَوْله: ( بمخيلة) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام اسْم فَاعل من الإخلاء مُتَعَدِّيا ولازما من أخليت بِمَعْنى خلوت من الضرة، وَالْمعْنَى: لست بمنفردة عَنْك وَلَا خَالِيَة من ضرَّة،.

     وَقَالَ  ابْن الْأَثِير: مَعْنَاهُ لم أجد خَالِيا من الزَّوْجَات، وَلَيْسَ هُوَ من قَوْلهم: امْرَأَة مخلية، أَي: خَالِيَة من الْأزْوَاج،.

     وَقَالَ  الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات بِلَفْظ الْمَفْعُول.
قَوْله: ( وَأحب) مُبْتَدأ مُضَاف إِلَى: من.
قَوْله: ( أُخْتِي) ، خَبره.
قَوْله: ( فِي خبر) كَذَا بِالتَّنْوِينِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين أَي: أَي خبر كَانَ؟ وَفِي رِوَايَة هِشَام: وَأحب من شركني فِيك أُخْتِي، وَعرف أَن المُرَاد بالخيرذاته، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم.
قَوْله: ( إِن ذَلِك لَا يحل لي) .
لِأَنَّهُ جمع بَين الْأُخْتَيْنِ، وَهَذَا كَانَ قبل علم أم حَبِيبَة بِالْحُرْمَةِ، أَو ظنت أَن جَوَازه من خَصَائِص النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن أَكثر حكم نِكَاحه يُخَالف أَحْكَام أنكحة الْأمة.
قَوْله: ( فَإنَّا نُحدث) ، بِضَم النُّون وَفتح الْحَاء وَالدَّال الْمُشَدّدَة على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة هِشَام: وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: ( فوَاللَّه لقد أخْبرت) .
قَوْله: ( إِنَّك تُرِيدُ أَن تنْكح) ، وَفِي رِوَايَة هِشَام: بَلغنِي أَنَّك تخْطب.
قَوْله: ( فَقَالَ: إِنَّهَا) أَي: بنت أبي سَلمَة.
قَوْله: ( فِي حجري) ، خرج مخرج الْغَالِب، وإلاَّ فالربيبة حرَام مُطلقًا سَوَاء كَانَت فِي حجر زوج أمهَا أم لَا.
قَوْله: ( لابنَة أخي) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن حرمتهَا عَلَيْهِ بسببين وهما: كَونهَا ربيبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَونهَا بنت أَخِيه من الرَّضَاع.
وَالْحكم يثبت بعلل شَتَّى.
قَوْله: ( وَأَبا سَلمَة) ، أَي: وأرضعت أَبَا سَلمَة، وَقدم الْمَفْعُول على الْفَاعِل، وَالْفَاعِل هُوَ ثويبة، وَقد مر الْكَلَام فِيهَا عَن قريب.
قَوْله: ( فَلَا تعرضن) ، بِفَتْح التَّاء وَسُكُون الْعين وَكسر الرَّاء وبالنون الْخَفِيفَة: خطاب لجَماعَة النِّسَاء، ويروي ( وَلَا تعرضن) ، بالنُّون الْمُشَدّدَة، خطاب لأم حَبِيبَة.
قَوْله: ( عَليّ) ، بتَشْديد الْيَاء.
قَوْله: ( قَالَ عُرْوَة) هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور.
قَوْله: ( أريه) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: رأى أَبَا لَهب بعض أَهله فِي الْمَنَام.
قَوْله: ( بشر حيبة) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: على أسوء حَالَة، يُقَال: بَات الرجل بحيبة سوء أَي: بِحَالَة رَدِيئَة.
.

     وَقَالَ  ابْن الْأَثِير: الحيبة والحوبة الْهم والحزن، وَوَقع فِي شرح السّنة لِلْبَغوِيِّ.
بِفَتْح الْحَاء، ووقه عِنْد الْمُسْتَمْلِي بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، أَي: فِي حَالَة خائبة من كل خير،.

     وَقَالَ  ابْن الْجَوْزِيّ: هُوَ تَصْحِيف.
قلت: هَذَا أقرب من جِهَة الْمَعْنى وَلِهَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يروي بِالْمُعْجَمَةِ، وَحكى فِي الْمَشَارِق بِالْجِيم فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَلَا أَظُنهُ إلاَّ تصحيفا.
قَوْله: ( مَاذَا لقِيت) أَي: قَالَ الرَّائِي لأبي لَهب: مَاذَا لقِيت بعد موتك؟ قَوْله: ( لم ألق بعدكم) كَذَا فِي الْأُصُول بِحَذْف الْمَفْعُول، وَعند عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ: لم ألق بعدكم رَاحَة،.

     وَقَالَ  ابْن بطال: سقط الْمَفْعُول من رِوَايَة البُخَارِيّ، وَلَا يَسْتَقِيم الْكَلَام إلاَّ بِهِ.
قَوْله: ( سقيت) على صِيغَة الْمَجْهُول.
قَوْله: ( فِي هَذِه) كلمة: هَذِه إِشَارَة.
وَلم يبين الْمشَار إِلَيْهِ وَبَينه عبد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته بِالْإِشَارَةِ إِلَى النقرة الَّتِي بَين الْإِبْهَام والمسبحة، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَأَشَارَ إِلَى النقرة الَّتِي بَين الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا من الْأَصَابِع، وَحَاصِل الْمَعْنى إِشَارَة إِلَى حقارة مَا سقى من المَاء،.

     وَقَالَ  الْقُرْطُبِيّ: سقِِي نقطة من مَاء فِي جَهَنَّم بِسَبَب ذَلِك، قَالَ: وَذَلِكَ أَنه جَاءَ فِي الصَّحِيح أَنه رثي فِي النّوم فَقيل لَهُ: مَا فعل رَبك هُنَاكَ؟ فَقَالَ: سقيت مثل هَذِه، وَأَشَارَ إِلَى ظفر إبهامه.
قَوْله: ( بعتاقتي) أَي: بِسَبَب عتاقتي ثوبية، وعتاقة بِفَتْح الْعين، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: بعتقي،.

     وَقَالَ  بَعضهم: وَهُوَ أوجه، وَالْوَجْه أَن يَقُول: بإعتاقي لِأَن المُرَاد التَّخَلُّص من الرّقّ.
قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ مَا قَالَه من كَلَام الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِن قلت: مَعْنَاهُ التَّخَلُّص من الرّقية، فَالصَّحِيح أَن يُقَال: بإعتاقي.
قلت: كل من النَّاقِل وَالْمَنْقُول مِنْهُ لم يحرر كَلَامه، فَإِن الْعتْق والعتاقة وَالْعتاق كلهَا مصَادر من عتق العَبْد، وَقَول النَّاقِل: وَهُوَ أوجه، غير موجه، لِأَن الْعتْق والعتاقة وَاحِد فِي الْمَعْنى، فَكيف يَقُول الْعتْق أوجه؟ ثمَّ قَوْله: وَالْأَوْجه أَن يَقُول: بإعتاقي لِأَن المُرَاد التَّخَلُّص من الرّقّ، كَلَام من لَيْسَ لَهُ وقُوف على كَلَام الْقَوْم، فَإِن صَاحب الْمغرب قَالَ: الْعتْق الْخُرُوج من المملوكية وَهُوَ التَّخَلُّص من الرّقية، وَقد يقوم الْعتْق مقَام الْإِعْتَاق الَّذِي هُوَ مصدر أعْتقهُ مَوْلَاهُ.
وَفِي التَّوْضِيح: وَفِيه أَي: وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَن الْكَافِر قد يعْطى عوضا من أَعماله الَّتِي يكون مِنْهَا قربَة لأهل الْإِيمَان بِاللَّه، كَمَا فِي حق أبي طَالب.
غير أَن التَّخْفِيف عَن أبي لَهب أقل من التَّخْفِيف عَن أبي طَالب، وَذَلِكَ لنصرة أبي طَالب لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحياطته لَهُ وعداوة أبي لَهب لَهُ.
.

     وَقَالَ  ابْن بطال: وَصَحَّ قَول من تَأَول فِي معنى الحَدِيث الَّذِي جَاءَ عَن الله تَعَالَى: إِن رَحمته سبقت غَضَبه، إِن رَحمته لاتنقطع عَن أهل النَّار المخلدين فِيهَا، إِذْ فِي قدرته أَن يخلق لَهُم عذَابا يكون عَذَاب النَّار لأَهْلهَا رَحْمَة وتخفيفا بِالْإِضَافَة إِلَى ذَلِك الْعَذَاب وَمذهب الْمُحَقِّقين أَن الْكَافِر لَا يُخَفف عَنهُ الْعَذَاب بِسَبَب حَسَنَاته فِي الدُّنْيَا، بل يُوسع عَلَيْهِ بهَا فِي دُنْيَاهُ.
.

     وَقَالَ  القَاضِي عِيَاض: انْعَقَد الْإِجْمَاع على أَن الْكفَّار لَا تنفعهم أَعْمَالهم وَلَا يثابون عَلَيْهَا بنعيم وَلَا تَخْفيف عَذَاب، وَلَكِن بَعضهم أَشد عذَابا بِحَسب جرائمهم.
.

     وَقَالَ  الْكرْمَانِي: لَا ينفع الْكَافِر الْعَمَل الصَّالح.
إِذْ الرُّؤْيَا لَيست بِدَلِيل، وَعلي تَقْدِير التَّسْلِيم يحْتَمل أَن يكون الْعَمَل الصَّالح وَالْخَيْر الَّذِي يتَعَلَّق لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَخْصُوصًا، كَمَا أَن أَبَا طَالب أَيْضا ينْتَفع بتَخْفِيف الْعَذَاب.
وَذكر السُّهيْلي أَن الْعَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لما مَاتَ أَبُو لَهب رَأَيْته فِي مَنَامِي بعد حول فِي شَرّ حَال، فَقَالَ: مَا لقِيت بعدكم رَاحَة إلاَّ أَن الْعَذَاب يُخَفف عني كل يَوْم اثْنَيْنِ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولد يَوْم الِاثْنَيْنِ وَكَانَت ثويبة بشرت أَبَا لَهب بمولده فَأعْتقهَا.
وَيُقَال: إِن قَول عُرْوَة لما مَاتَ أَبُو لَهب: أريه بعض أَهله إِلَى آخِره خبر مُرْسل أرْسلهُ عُرْوَة وَلم يذكر من حَدثهُ بِهِ، وعَلى تَقْدِير أَن يكون مَوْصُولا فَالَّذِي فِي الْخَبَر رُؤْيا مَنَام فَلَا حجَّة فِيهِ، وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لم يكن إِذْ ذَاك أسلم بعد، فَلَا يحْتَج بِهِ.
وَأجِيب ثَانِيًا: على تَقْدِير الْقبُول، يحْتَمل أَن يكون مَا يتَعَلَّق بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَخْصُوصًا من ذَلِك بِدَلِيل قصَّة أبي طَالب حَيْثُ خفف عَنهُ.
فَنقل من الغمرات إِلَى الضحضاح،.

     وَقَالَ  الْقُرْطُبِيّ: هَذَا التَّخْفِيف خَاص بِهَذَا وبمن ورد النَّص فِيهِ، وَالله أعلم.
وَمن جملَة مَا يشْتَمل هَذَا على حُرْمَة الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِلَا خلاف، وَاخْتلف فِي الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيَمين، وكافة الْعلمَاء على التَّحْرِيم أَيْضا خلافًا لأهل الظَّاهِر، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عُثْمَان: حرمتهما آيَة وأحلتهما آيَة، وَالْآيَة الْمحلة لَهَا قَوْله تَعَالَى: {وَأحل لكم ماوراء ذَلِكُم} ( النِّسَاء: 4) وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيّ وَعَن عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد رُوِيَ الْمَنْع عَن عَمْرو عَليّ أَيْضا وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وعمار وَابْن عمر وَعَائِشَة وَابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَمِمَّا يشْتَمل هَذَا أَيْضا على ثُبُوت حُرْمَة الرَّضَاع بَين الرَّضِيع والمرضعة، فَإِنَّهَا تصير بِمَنْزِلَة أمه من الْولادَة، وَيحرم عَلَيْهِ نِكَاحهَا أبدا وَيحل لَهُ النّظر إِلَيْهَا وَالْخلْوَة بهَا والمسافرة مَعهَا، وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَحْكَام الأمومة من كل وَجه، فَلَا توارث وَلَا نَفَقَة وَلَا عتق بذلك بِالْملكِ وَلَا ترد شَهَادَته لَهَا وَلَا يعقل عَنْهَا وَلَا يسْقط عَنْهُمَا الْقصاص بِقَتْلِهِمَا، وَمن ذَلِك انتشار الْحُرْمَة بَين الْمُرضعَة وَأَوْلَاد الرَّضِيع وَبَين الرَّضِيع وَأَوْلَاد الْمُرضعَة وَحُرْمَة الرَّضَاع بَين الرَّضِيع وَزوج الْمُرضعَة وَيصير الرَّضِيع ولدا لَهُ وَأَوْلَاد الرجل إخْوَة الرَّضِيع، وإخوة الرجل أعمام الرَّضِيع وأخواته عماته وَيكون أَوْلَاد الرَّضِيع أَوْلَاد الرجل، وَلم يُخَالف فِي ذَلِك إلاَّ أهل الظَّاهِر وَابْن علية فَإِنَّهُم قَالُوا بِحرْمَة الرَّضَاع بَين الرجل الرَّضِيع، كَذَا نَقله الْخطابِيّ وعياض عَنْهُمَا، وَزَاد الْخطابِيّ، ابْن الْمسيب.