فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في الأوعية والظروف بعد النهي

( بابُُ تَرْخِيصِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الأوْعِيَةِ والظُّرُوفِ بَعْدَ النَّهْيِ)

أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان ترخيص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الانتباذ فِي الأوعية، والظروف جمع ظرف وَفِي ( الْمغرب) : الظّرْف الْوِعَاء، فعلى قَوْله، لَا فرق بَين الْوِعَاء والظرف، وَوجه الْعَطف على هَذَا بِاعْتِبَار اخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ، وَيُقَال: الظّرْف هُوَ الزق، فَإِن صَحَّ هَذَا فالعطف من بابُُ عطف الْخَاص على الْعَام.



[ قــ :5293 ... غــ :5592 ]
- حدّثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى حَدثنَا مُحَمدُ بنُ عبْدِ الله أبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ مَنْصُور عنْ سالِمٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: نَهَى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الظروفِ، فقالَتِ الأنْصارُ: إنَّهُ لَا بدَّ لَنا مِنْها، قَالَ: فَلاَ إِذا.


مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث.
ويوسف بن مُوسَى بن رَاشد الْقطَّان الْكُوفِي سكن بَغْدَاد وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، والزبيري نِسْبَة إِلَى زبير أحد أجداده، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَسَالم هُوَ ابْن أبي الْجَعْد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة.

والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى بِهِ.
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان وَكَذَلِكَ النَّسَائِيّ.

قَوْله: ( عَن الظروف) أَي: عَن الانتباذ فِي الظروف: قَوْله: ( إِنَّه) أَي: الشَّأْن ( لَا بُد لنا مِنْهَا) أَي: من الظروف، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: فشكت إِلَيْهِ الْأَنْصَار فَقَالُوا: لَيْسَ لنا وعَاء.
قَوْله: ( قَالَ) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: ( فَلَا إِذن) جَوَاب وجزاءُ أَي: إِذا كَانَ لَا بُد لكم مِنْهَا فَلَا نهي عَنْهَا، وَحَاصِله أَن النَّهْي كَانَ على تَقْدِير عدم الإحتياج إِلَيْهَا، فَلَمَّا ظَهرت الضَّرُورَة إِلَيْهَا قررهم على استعمالهم إِيَّاهَا، أَو نسخ ذَلِك بِوَحْي نزل إِلَيْهِ فِي الْحَال، أَو كَانَ الحكم فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة مفوضاً إِلَى رَأْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،.

     وَقَالَ  ابْن بطال: النَّهْي عَن الأوعية إِنَّمَا كَانَ قطعا للذريعة، فَلَمَّا قَالُوا: لَا بُد لنا، قَالَ: انتبذوا فِيهَا وَكَذَلِكَ كل نهي كَانَ لِمَعْنى النّظر إِلَى غَيره، كنهيه عَن الْجُلُوس فِي الطرقات، فَلَمَّا ذكرُوا أَنهم لَا يَجدونَ بدا من ذَلِك قَالَ: إِذا أَبَيْتُم فأعطوا الطَّرِيق حَقه.
.

     وَقَالَ  أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: الانتباذ فِي جَمِيع الأوعية كلهَا مُبَاح وَأَحَادِيث النَّهْي عَن الانتباذ مَنْسُوخَة بِحَدِيث جَابر هَذَا، أَلا ترى أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام أطلق لَهُم جَمِيع الأوعية والظروف حِين قَالَ لَهُ الْأَنْصَار: لَا بُد لنا مِنْهَا، فَقَالَ: فَلَا إِذا، وَلم يسْتَثْن مِنْهَا شَيْئا.

وَقَالَ لي خلِيفَةُ: حَدثنَا يَحْياى بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سالِمٍ بن أبي الجَعْدِ عنْ جابِرٍ بِهَذَا.

خَليفَة هُوَ ابْن خياط أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ رَوَاهُ عَنهُ مذاكرة عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، واسْمه رَافع الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِي قَوْله: ( بِهَذَا) أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، ويروى عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر بِهَذَا، وَأفَاد هَذَا أَن سالما الَّذِي ذكر مُجَردا فِي الحَدِيث السَّابِق هُوَ ابْن أبي الْجَعْد، وَأَن سُفْيَان هُنَاكَ الثَّوْريّ وَهَاهُنَا ابْن عُيَيْنَة.


حَدَّثَنَا عبْدُ لله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا سُفْيانُ بِهَذَا،.

     وَقَالَ  فِيهِ: لمَّا نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الأوْعِيَةِ.


هَذَا وَقع فِي بعض النّسخ فِي آخر الْبابُُ ويروى: حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهَذَا أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.
قَوْله:.

     وَقَالَ ، أَي: قَالَ سُفْيَان فِي رِوَايَته.
قَوْله:.

     وَقَالَ : لما نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن الأوعية أَرَادَ بِهَذَا أَن قَول جَابر رَضِي الله عَنهُ فِي الحَدِيث الَّذِي ذكر من رِوَايَة يُوسُف بن مُوسَى عَن مُحَمَّد بن عبد الله عَنهُ فِي الحَدِيث الَّذِي ذكر عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن سَالم عَن جَابر، قَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الظروف، وَقع فِي رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن سَالم عَن جَابر، قَالَ: لما نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الأوعية، قَالَ: قَالَت الْأَنْصَار: إِنَّه لَا بُد لنا، قَالَ: فَلَا إِذا.
وَهَذِه رِوَايَة أبي دَاوُد فِي ( سنَنه) أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان إِلَى آخِره، مثل مَا ذكرنَا.





[ قــ :594 ... غــ :5593 ]
- حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ عنْ سُلَيْمانَ بنِ أبي مُسْلِمٍ الأحْوَلِ عنْ مُجاهِدٍ عنْ أبي عياضٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عَمْرو، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: لمَّا نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الأسْقِيَةِ قِيل لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَيْسَ كلُّ النَّاس يَجِدُ سِقاءً، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الجَرِّ غَيْرِ المُزَفَّتِ.


مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ( فَرخص لَهُم) وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو عِيَاض بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف ضاد مُعْجمَة، وَاخْتلف فِي اسْمه فَقَالَ النَّسَائِيّ فِي ( الكنى) : أَبُو عِيَاض عَمْرو بن الْأسود الْعَبْسِي، وَقيل: قيس بن ثَعْلَبَة،.

     وَقَالَ  ابْن الْمَدِينِيّ: إِن لم يكن اسْم أبي عِيَاض قيس بن ثَعْلَبَة فَلَا أَدْرِي،.

     وَقَالَ  الْكرْمَانِي: اسْمه عَمْرو، وَيُقَال عُمَيْر بن الْأسود العنبسي بالنُّون بَين الْمُهْمَلَتَيْنِ الزَّاهِد، وروى أَحْمد فِي ( الزّهْد) أَن عمر أثنى على أبي عِيَاض، وَذكره أَبُو مُوسَى فِي ( ذيل الصَّحَابَة) وَعَزاهُ لِابْنِ أبي عَاصِم، وَكَأَنَّهُ أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَكِن لم يثبت لَهُ صُحْبَة،.

     وَقَالَ  الذَّهَبِيّ فِي ( تَجْرِيد الصَّحَابَة) عَمْرو بن الْأسود الْعَنسِي أدْرك الْجَاهِلِيَّة وروى عَن عمر وَسكن داريا، وَيُقَال لَهُ: عُمَيْر، وَقد عمر دهراً طَويلا ثمَّ قَالَ: عَمْرو بن الْأسود ذكره بَعضهم فِي الصَّحَابَة، وَلَعَلَّه الَّذِي قبله،.

     وَقَالَ  ابْن سعد: كَانَ ثِقَة قَلِيل الحَدِيث،.

     وَقَالَ  ابْن عبد الْبر: أَجمعُوا على أَنه كَانَ من الْعلمَاء الثِّقَات، وَقيل: إِذا ثَبت هَذَا فالراجح أَن الَّذِي روى عَنهُ مُجَاهِد عَمْرو بن الْأسود وَأَنه شَامي، وَأما قيس بن ثَعْلَبَة فَهُوَ أَبُو عِيَاض آخر، وَهُوَ كُوفِي ذكره ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين،.

     وَقَالَ : إِنَّه يرْوى عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَغَيرهم، روى عَنهُ أهل الْكُوفَة، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَوَقع فِي بعض نسخ مُسلم: عبد الله بن عمر، بِضَم الْعين وَهُوَ تَصْحِيف نبه عَلَيْهِ أَبُو عَليّ الجياني.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن أبي عمر.
وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَغَيره.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْوَلِيمَة عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد مُخْتَصرا: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرخص فِي الْجَرّ غير المزفت.

قَوْله: ( عَن الأسقية) قَالَ الْكرْمَانِي: السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يُقَال: إلاَّ عَن الأسقية، بِزِيَادَة إلاَّ على سَبِيل الِاسْتِثْنَاء، أَي: نهى عَن الانتباذ إلاَّ عَن الانتباذ فِي الأسقية،.

     وَقَالَ : يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: لما نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَسْأَلَة الأنبذة عَن الجرار بِسَبَب الأسقية وَعَن جِهَتهَا كَقَوْلِه.

( يرْمونَ عَن أكل وَعَن شرب)

أَي: يسمنون بِسَبَب الْأكل وَالشرب ويتباهون فِي السّمن بِهِ،.

     وَقَالَ  الزَّمَخْشَرِيّ فِي مثله فِي قَوْله تَعَالَى: { فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا} ( الْبَقَرَة: ) أَي: بِسَبَبِهَا.
.

     وَقَالَ  الْحميدِي: وَلَعَلَّه نقص مِنْهُ عِنْد الرِّوَايَة وَكَانَ أَصله: نهى عَن النَّبِيذ إلاَّ فِي الأسقية، وَكَذَا فِي رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد: عَن الأوعية،.

     وَقَالَ  عِيَاض: ذكر الأسقية وهم من الرَّاوِي، وَإِنَّمَا هُوَ: عَن الأوعية، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم ينْه قطّ عَن الأسقية، وَإِنَّمَا نهى عَن الظروف قلت: الأسقية جمع سقاء وَهُوَ ظرف المَاء من الْجلد،.

     وَقَالَ  ابْن السّكيت: السقاء يكون للبن وَالْمَاء، والوطب للبن خَاصَّة، والنحي للسمن، والقربة للْمَاء.
قلت: لَا وهم هُنَا لِأَن سُفْيَان كَانَ يرى اسْتِوَاء اللَّفْظَيْنِ، أَعنِي: الأوعية والأسقية، فَحدث بِأَحَدِهِمَا مرّة وبالأُخرى مرّة، أَلا ترى أَن البُخَارِيّ لم يعد هَذَا وهما خُصُوصا على قَول من يرى جَوَاز الْقيَاس فِي اللُّغَة؟ لَا اعْتِرَاض أصلا هَاهُنَا، فَافْهَم.
قَوْله: ( قيل للنَّبِي) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قيل: الْقَائِل بذلك أَعْرَابِي.
قَوْله: ( فَرخص) ، وَفِي رِوَايَة: ( فأرخص) ، وَهِي لُغَة يُقَال: رخص وأرخص، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة، ( وأذنْ لَهُم فِي شَيْء مِنْهُ) .
قَوْله: ( فِي الْجَرّ) بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ جمع جرة وَهِي الْإِنَاء الْمَعْمُول من الفخار، وَإِنَّمَا قَالَ: ( غير المزفت) لِأَن المزفت أسْرع فِي الشدَّة والتخمير، والمزفت المطلي بالزفت.





[ قــ :595 ... غــ :5594 ]
- حدّثنامُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْياى عنْ سُفْيانَ حدّثني سُلَيْمانُ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنِ الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ عَن علِيٍّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الدُّبَّاءِ والمُزَفَّتِ.


وَجه ذكر هَذَا فِي هَذَا الْبابُُ لمطابقته لقَوْله فِي الحَدِيث السَّابِق: فِي الْجَرّ غير المزفت، وَصرح هُنَا بِالنَّهْي عَن المزفت، أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان، يحْتَمل أَن يكون سُفْيَان هَذَا هُوَ الثَّوْريّ، وَيحْتَمل أَن يكون ابْن عُيَيْنَة لِأَن يحيى الْقطَّان روى عَن السفيانين كليهمَا، وكل مِنْهُمَا روى عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَالْأَعْمَش روى عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ عَن الْحَارِث بن سُوَيْد التَّيْمِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن سعيد بن عَمْرو وَغَيره.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى الْقطَّان بِهِ، وَتَفْسِير الدُّبَّاء قد مر غير مرّة.

حدّثنا عُثْمانُ حَدثنَا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ بِهاذَا.

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش بِهَذَا أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَبِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن عمرَان بن مُوسَى عَن عُثْمَان إِلَى آخِره نَحوه.





[ قــ :596 ... غــ :5595 ]
- حدّثني عُثْمانُ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ.

قُلْتُ لِ لأسْوَدِ: هَلْ سألْتَ عائِشَةَ أُُمَّ المُؤْمِنينَ عمَّا يُكْرَهُ أنْ يُنْتَبذَ فِيهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ! عَمَّا نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ؟ قالَتْ: نَهانا فِي ذَلِكَ أهْلَ البَيْتِ أنْ نَنْتَبِذَ فِي الدُّبَّاءِ والمزَفّتِ.
قُلْتُ: أما ذَكرَت الجَرَّ والحَنْتَم؟ قَالَ: إنَّما أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ أحَدِّثُ مَا لَمْ أسْمَعْ.


وَجه ذكر هَذَا أَيْضا فِي هَذَا الْبابُُ مثل الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق.
أخرجه عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن خَالِد الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْوَلِيمَة عَن مَحْمُود بن غيلَان.

قَوْله: ( عَمَّا يكره) أَصله: عَن مَا فادغمت الْمِيم فِي الْمِيم بَعْدَمَا قلبت النُّون ميماً، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مَا نهى بِحَذْف عَن قَوْله: ( أَن ينتبذ فِيهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْله: ( أهل الْبَيْت) مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص، وَيجوز أَن يكون نصبا على الْبَدَل من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي نَهَانَا.
قَوْله: ( قلت: أما ذكرت) ، الْقَائِل إِبْرَاهِيم يُخَاطب الْأسود بذلك.
قَوْله: ( والحنتم) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهِي جرار خضر مدهونة كَانَت تحمل الْخمر فِيهَا إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ اتَّسع فِيهَا، فَقيل للخزف كُله: حنتم، واحدتها حنتمة، وَإِنَّمَا نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الانتباذ فِيهَا لِأَنَّهَا تسرع الشدَّة فِيهَا لأجل دهنها، وَقيل: لِأَنَّهَا كَانَت تعْمل من طين يعجن بِالدَّمِ، فَنهى عَنْهَا ليمتنع عَن عَملهَا.
قَالَ ابْن الْأَثِير: وَالْأول أوجه.
قَوْله ( أحدث مَا لم أسمع؟) أَصله أأحدث؟ بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام الإنكاري وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ( أفأ حدث؟) بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين أفنحدث؟ بنُون الْجمع، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أفأحدثك مَا لم أسمع؟ .





[ قــ :597 ... غــ :5596 ]
- حدّثنامُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا عبْدُ الوَاحِدِ حَدثنَا الشَّيْبانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عبدَ الله بنَ أبي أوْفَى رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: نَهى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الجَرِّ الأخْضَرِ، قُلْتُ: أنَشْرَبُ فِي الأبْيَضِ؟ قَالَ: لَا.

وَجه ذكر هَذَا أَيْضا هُنَا مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق.
أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْبَصْرِيّ عَن سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان فَيْرُوز الشَّيْبَانِيّ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون عَن عبد الله بن أبي أوفى رَضِي الله عَنْهُمَا وَاسم أبي أوفى: عَلْقَمَة، لَهُ ولأبيه صُحْبَة.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَشْرِبَة عَن مَحْمُود بن غيلَان وَغَيره.
قَوْله: ( عَن الْجَرّ الْأَخْضَر) أَي: عَن نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر.
قَوْله: ( قلت: أنشرب؟) الْقَائِل عبد الله بن أبي أوفى.
قَوْله: ( قَالَ: لَا) يَعْنِي: أَن حكمه حكم الْأَخْضَر، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: قلت: والأبيض؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
وَفِي رِوَايَة: نهى عَن نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر والأبيض.
.

     وَقَالَ  الْكرْمَانِي: مَفْهُوم الْأَخْضَر يَقْتَضِي مُخَالفَة حكم الْأَبْيَض لَهُ، وَأجَاب بِأَن شَرط اعْتِبَار الْمَفْهُوم أَن لَا يكون الْكَلَام خَارِجا مخرج الْغَالِب، وَكَانَت عَادَتهم الانتباذ فِي الجرار الْخضر، فَذكر الْأَخْضَر لبَيَان الْوَاقِع لَا للِاحْتِرَاز.
.

     وَقَالَ  الْخطابِيّ: لم يعلق الحكم فِي ذَلِك بخضرة الْجَرّ وبياضه، وَإِنَّمَا يعلق بالإسكار، وَذَلِكَ أَن الجرار أوعية مُنْتِنَة قد يتَغَيَّر فِيهَا الشَّرَاب وَلَا يشْعر بِهِ فنهوا عَن الانتباذ فِيهَا، وَأمرُوا أَن ينتبذوا فِي الأسقية لزفتها، فَإِذا تغير الشَّرَاب فِيهَا يعلم حَالهَا فيجتنب عَنهُ، وَأما ذكر الخضرة فَمن أجل أَن الجرار الَّتِي كَانُوا ينتبذون فِيهَا كَانَت خضرًا والأبيض بمثابته فِيهِ والآنية لَا تحرم شَيْئا وَلَا تحلله،.

     وَقَالَ  ابْن عبد الْبر: هَذَا عِنْدِي كَلَام خرج على جَوَاب سُؤال، كَأَنَّهُ قيل: الْجَرّ الْأَخْضَر؟ فَقَالَ: لَا تنتبذوا فِيهِ، فَسَمعهُ الرَّاوِي فَقَالَ: نهى عَن الْجَرّ الْأَخْضَر، وَأخرجه الشَّافِعِي، رَحمَه الله، عَن سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن ابْن أبي أوفى: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر والأبيض والأحمر.
قلت: حَاصِل الْكَلَام أَن النَّهْي يتَعَلَّق بالإسكار لَا بالخضرة وَلَا بغَيْرهَا، وَقد أخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن أبي أوفى: أَنه كَانَ يشرب نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر.
وَأخرج أَيْضا بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن مَسْعُود: أَنه كَانَ ينتبذ لَهُ فِي الْجَرّ الْأَخْضَر.