فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب الحياء

( بابُُ الحَياءِ)

أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان فضل الْحيَاء، وَهُوَ بِالْمدِّ فسروه بِأَنَّهُ تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يعاب بِهِ ويذم.



[ قــ :5788 ... غــ :6117 ]
- حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبي السَّوَّارِ العدَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَان بنَ حُصَيْنِ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الحَياءُ لَا يَأْتِي إلاَّ بِخَيْرٍ.


مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَأَبُو السوار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو وبالراء حسان بن حُرَيْث مصغر الْحَرْث الزَّرْع على الصَّحِيح، وَقيل: حُجَيْر بن الرّبيع، وَقيل غير ذَلِك.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة.

قَوْله: ( الْحيَاء لَا يَأْتِي إلاَّ بِخَير) مَعْنَاهُ أَن من اسْتَحى من النَّاس أَن يروه يَأْتِي بِالْفُجُورِ وارتكاب الْمَحَارِم فَذَلِك داعيه إِلَى أَن يكون أَشد حَيَاء من الله تَعَالَى، وَمن اسْتَحى من ربه فَإِن حياءه زاجر لَهُ عَن تَضْييع فَرَائِضه وركوب مَعَاصيه، وَالْحيَاء يمْنَع من الْفَوَاحِش وَيحمل على الْبر وَالْخَيْر كَمَا يمْنَع الْإِيمَان صَاحبه من الْفُجُور ويبعده عَن الْمعاصِي ويحمله على الطَّاعَات، فَصَارَ الْحيَاء كالإيمان لمساواته لَهُ فِي ذَلِك، وَإِن كَانَ الْحيَاء غريزة وَالْإِيمَان فعل الْمُؤمن، وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْحيَاء من الْإِيمَان أَي: من أَسبابُُه وأخلاق أَهله.
.

     وَقَالَ  الْكرْمَانِي: صَاحب الْحيَاء قد يستحي أَن يواجه بِالْحَقِّ من يعظمه أَو يحملهُ الْحيَاء على الْإِخْلَال بِبَعْض الْحُقُوق، ثمَّ أجَاب بِأَن هَذَا عجز، وروى أَحْمد من رِوَايَة خَالِد بن رَبَاح عَن أبي السوار عَن عمرَان بن حُصَيْن: الْحيَاء خير كُله، وروى الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة قُرَّة بن إِيَاس، قيل: يَا رَسُول الله! الْحيَاء من الدّين؟ قَالَ: بل هُوَ الدّين كُله.

فَقَالَ بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ: إنَّ مِنَ الحَياءِ وقاراً، وإنَّ مِنَ الحَياءِ سَكِينَةً.
فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ؟ بشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن كَعْب الْعَدوي الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْجَلِيل.

قَوْله: ( فِي الْحِكْمَة) وَهِي الْعلم الَّذِي يبْحَث فِيهِ عَن أَحْوَال حقائق الموجودات، وَقيل: الْعلم المتقن الوافي.
قَوْله: ( وقاراً) الْوَقار بِفَتْح الْوَاو الْحلم والرزانة.
قَوْله: ( سكينَة) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: السكينَة، بِالْألف وَاللَّام وَهِي الدعة والسكون.
قَوْله: ( فَقَالَ لَهُ عمرَان) أَي: فَقَالَ لبشير الْمَذْكُور وَعمْرَان بن حُصَيْن: أحَدثك من التحديث، وَإِنَّمَا قَالَ عمرَان ذَلِك مغضباً لِأَن الْحجَّة إِنَّمَا هِيَ فِي سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا فِيمَا يروي عَن كتب الْحِكْمَة، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي مَا فِي حَقِيقَتهَا وَلَا يعرف صدقهَا.
فَإِن قلت: لم غضب عمرَان وَلَيْسَ فِي ذكر الْوَقار والسكينة مَا يُنَافِي كَونه خيرا؟ قلت: كَانَ غَضَبه لزِيَادَة فِي الَّذِي ذكره بشير، وَهِي فِي رِوَايَة أبي قَتَادَة الْعَدوي أَن مِنْهُ سكينَة ووقار الله وَمِنْه ضعف، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون غَضَبه من قَوْله: ( مِنْهُ) لِأَن التَّبْعِيض يفهم مِنْهُ أَن مِنْهُ مَا يضاد ذَلِك، وَهُوَ قد روى أَنه خير كُله.





[ قــ :5789 ... غــ :6118 ]
- حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ حَدثنَا ابنُ شِهابٍ عَنْ سالِمٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: مَرَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى رَجُلٍ وَهْوَ يُعاتَبُ فِي الحَياءِ يَقُولُ: إنَّكَ لَتَسْتَحي حَتَّى كأنَّهُ يَقُولُ قَدْ أضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: دَعْهُ فإنَّ الحَياءَ مِنَ الإيمانِ.
( انْظُر الحَدِيث 4 وطرفه) .


مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَعبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة بِفتْحَتَيْنِ الْمَاجشون وَهُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة واسْمه دِينَار.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: ( يُعَاتب) بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول يَعْنِي: يلام ويذم ويوعظ.
قَوْله: ( لتستحي) بباء وَاحِدَة وبياءين فَإِذا جزم يجوز أَن يبْقى بِدُونِهَا.

     وَقَالَ  ابْن التِّين: هُوَ من استحي بياء وَاحِدَة،.

     وَقَالَ  الْجَوْهَرِي: أصل استحيت استحييت فاعلوا الْيَاء الأولى تقلب ألفا لتحركها،.

     وَقَالَ  الْمَازِني: لم تحذف لالتقاء الساكنين لِأَنَّهَا لَو حذفت لذَلِك لما ردوهَا إِذا قَالُوا: هُوَ يستحي، ولقالوا: هُوَ يستح،.

     وَقَالَ  الْأَخْفَش: اسْتَحى بياء وَاحِدَة لُغَة تَمِيم وبباءين لُغَة أهل الْحجاز.
قَوْله: ( دَعه) أَي: اتركه وَهُوَ أَمر من يدع.
قَوْله: ( فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان) أَي: من كَمَال الْإِيمَان، قَالَه أَبُو عبد الْملك،.

     وَقَالَ  الْهَرَوِيّ: جعل الْحيَاء وَهُوَ غريزة من الْإِيمَان وَهُوَ الِاكْتِسَاب لِأَن المستحي يَنْقَطِع بحيائه عَن الْمعاصِي، وَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة فَصَارَ كالإيمان الْقَاطِع بَينه وَبَينهَا.





[ قــ :5790 ... غــ :6119 ]
- حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ أخبيرنا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ مَوْلَى أنَسٍ قَالَ أبُو عَبْدِ الله: اسْمُهُ عَبْدُ الله بنُ عُتْبَةَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أشَدَّ مِنَ العَذْراءِ فِي خُدْرِها.
( انْظُر الحَدِيث 356 وطرفه) .


مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بابُُ من لم يواجه النَّاس بالعتاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله ... إِلَى آخِره.

قَوْله: قَالَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَعتبَة بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفسّر البُخَارِيّ مولى أنس بقوله: اسْمه عبد الله، وَقيل عبيد الله، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَالصَّحِيح أَنه عبد الله مكبراً، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.