فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الكرم قلب المؤمن»

( بابُُ قَوْلِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّما الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ)

أَي: هَذَا بابُُ فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن، هَذَا قِطْعَة من آخر حَدِيث رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَيَأْتِي الْآن فِي هَذَا الْبابُُ من رِوَايَة سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة الْأَعْرَج عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( لَا يَقُولَن أحدكُم: الْكَرم، فَإِن الْكَرم قلب الْمُؤمن) وَله من رِوَايَة ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم فَإِن الْكَرم الرجل الْمُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث عَلْقَمَة إِن وَائِل عَن أَبِيه: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: ( لَا تَقولُوا الْكَرم وَلَكِن قُولُوا الْعِنَب والحبلة) .
قَوْله: ( إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن) أَي: لما فِيهِ من نور الْإِيمَان وَالتَّقوى.
قَالَ الله تَعَالَى: { ( 94) إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم} ( الحجرات: 13) .

     وَقَالَ  فِي الْبابُُ الَّذِي قبله: ( لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم) .
.

     وَقَالَ  هُنَا: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن.
قَالَت الْعلمَاء: سَبَب كَرَاهَة ذَلِك أَن لفظ الْكَرم كَانَت الْعَرَب تطلقها على شجر الْعِنَب وعَلى الْخمر المتخذة من الْعِنَب سَموهَا كرماً لكَونهَا متخذة مِنْهَا، وَلِأَنَّهَا تحمل على الْكَرم والسخاء، فكره الشَّارِع إِطْلَاق هَذِه اللَّفْظَة على الْعِنَب وشجره لأَنهم إِذا سمعُوا اللَّفْظ فَرُبمَا تَذكرُوا بهَا الْخمر وهيجت نُفُوسهم إِلَيْهَا فيقعوا فِيهَا، أَو قاربوا.
.

     وَقَالَ : إِنَّمَا يسْتَحق هَذَا الإسم قلب الْمُؤمن لِأَنَّهُ منبع الْكَرم وَالتَّقوى والنور وَالْهدى، وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة أَن الْكَرم، بِسُكُون الرَّاء: الْعِنَب.
قَالَ الْأَزْهَرِي: سمى الْعِنَب كرماً لكرمه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذلل لقاطعه وَيحمل الأَصْل عَنهُ مثل مَا تحمل النَّخْلَة وَأكْثر، وكل شَيْء كثر فقد كرم.
.

     وَقَالَ  ابْن الْأَنْبَارِي: سمي كرماً لِأَن الْخمر مِنْهُ وَهِي تحث على السخاء وتأمر بمكارم الْأَخْلَاق، كَمَا سَموهَا رَاحا، وَذَلِكَ قَالَ: لَا تسموا الْعِنَب كرماً، كره أَن يُسمى أصل الْخمر باسم مَأْخُوذ من الْكَرم، وَجعل الْمُؤمن الَّذِي يَتَّقِي شربهَا وَيرى الْكَرم فِي تَركهَا أَحَق بِهَذَا الإسم الْحسن تَأْكِيدًا لِحُرْمَتِهِ، وَأسْقط الْخمر عَن هَذِه الرُّتْبَة تحقيراً لَهَا.

وقَدْ قَالَ: المُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَقَوْلِهِ: إنَّما الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَب، كَقَوْلِهِ: لَا مَلِكَ إلاَّ الله فَوَصَفَهُ بانْتِهاءِ المُلْكِ ثُمَّ ذَكَرَ المُلُوكَ أيْضاً فَقَالَ: { إِن الْمُلُوك إِذا دخلُوا قَرْيَة أفسدوها} ( النَّمْل: 34) [/ ح.

مَقْصُود البُخَارِيّ من ذكر هَذَا الْكَلَام الَّذِي فِيهِ أدوات الْحصْر أَن الْحصْر فِيهِ ادعائي لَا حَقِيقِيّ، فَكَذَلِك الْحصْر فِي قَوْله: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن، فَكَأَن الْكَرم الْحَقِيقِيّ الْقلب لَا الشّجر، وَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الادعاء لَا على الْحَقِيقَة، أَلا ترى أَنه يُطلق على غَيره.
قَوْله: إِنَّمَا الْمُفلس الَّذِي يفلس يَوْم الْقِيَامَة، وَمعنى الحَدِيث كَمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ، وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ أَدَاة الْحصْر.
قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أَتَدْرُونَ من الْمُفلس؟ قَالُوا: الْمُفلس فِينَا يَا رَسُول الله لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْمُفلس من أمتِي من يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاة وَصِيَام وَزَكَاة، وَيَأْتِي قد شتم هَذَا وَقذف هَذَا وَسَفك دم هَذَا وَضرب هَذَا، فيقعد فيقتص هَذَا من حَسَنَاته وَهَذَا من حَسَنَاته، فَإِن فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْتَصّ مَا عَلَيْهِ من الْخَطَايَا أَخذ من خطاياهم فَطرح عَلَيْهِ ثمَّ يطْرَح فِي النَّار.
.

     وَقَالَ  التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح.
قَوْله: كَقَوْلِه: إِنَّمَا الصرعة الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب، أَرَادَ أَن قَوْله: إِنَّمَا الْمُفلس كَقَوْلِه: إِنَّمَا الصرعة ... وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَقد مضى قبل هَذَا الْبابُُ بِخَمْسَة وَعشْرين بابُُا.
قَوْله: كَقَوْلِه: لَا ملك إِلَّا الله، أَرَادَ أَن فِيهِ الْحصْر كَمَا فِيمَا قبله لِأَن كلمة: لَا، وَكلمَة: لَا، صَرِيح فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات فمقتضاه حصر لفظ بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام على الله، لَكِن قد أطلق على غَيره وَفِي نفس الْأَمر الْملك حَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى وَالْبَاقِي بالتجوز، وروى: لَا ملك إلاَّ لله، بِضَم الْمِيم وَسُكُون اللَّام.
قَوْله: فوصفه بانتهاء الْملك، وَهُوَ عبارَة عَن انْقِطَاع الْملك عِنْده أَي: لَا ملك بعده.
قَوْله: فَقَالَ: { ( 72) إِن الْمُلُوك إِذا.
.
أفسدوها}
( النَّمْل: 34) .
وَهُوَ جمع: ملك، وَفِي الْقُرْآن شَيْء كثير من هَذَا الْقَبِيل كَقَوْلِه تَعَالَى: { ( 21) .

     وَقَالَ  الْملك}
( يُوسُف 50) فِي صَاحب يُوسُف وَغَيره، وَلَكِن.
كَمَا ذكرنَا كل ذَلِك بطرِيق التَّجَوُّز لَا بطرِيق الْحَقِيقَة.



[ قــ :5854 ... غــ :6183 ]
-
حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ويَقُولُونَ: الكَرْمُ! إنَّما الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ.
( انْظُر الحَدِيث 6182) .


مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن عَمْرو النَّاقِد.

قَوْله: ( وَيَقُولُونَ: الْكَرم) بِالرَّفْع مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: يَقُولُونَ: الْكَرم شجر الْعِنَب، وَيجوز أَن يكون الْكَرم خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَيَقُولُونَ: شجر الْعِنَب الْكَرم، وَكَانَ الْوَاو فِيهِ عاطفة على شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يَقُولُونَ: الْكَرم قلب الْمُؤمن، وَيَقُولُونَ: الْكَرم شجر الْعِنَب، وَقد رَوَاهُ ابْن أبي عمر فِي ( مُسْنده) عَن سُفْيَان بِغَيْر وَاو، وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه.