فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب إثم من تبرأ من مواليه

( بابُُ إثْمِ مَنْ تَبَرَّأ مِنْ مَوالِيهِ)

أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان إِثْم من تَبرأ من موَالِيه بِأَن نفى كَونه من موَالِي فلَان أَو وَالِي غَيره، وروى أَحْمد فِي ( مُسْنده) : من طَرِيق سهل بن معَاذ بن أنس عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: ( إِن لله عباداً لَا يكلمهم الله) الحَدِيث وَفِيه: رجل أنعم عَلَيْهِ قوم فَكفر نعمتهم وتبرأ مِنْهُم.



[ قــ :6403 ... غــ :6755 ]
- حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنْ أبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ رَضِي الله عَنهُ عندنَا كِتابٌ نَقْرَؤُهُ إلاّ كِتابُ الله غَيْرَ هاذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: فأخْرَجَها فَإِذا فِيهَا أشْياءُ مِنَ الجِراحاتِ وأسْنانِ الإبِلِ.
قَالَ وفيهَا: المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرِ إِلَى ثَوْرٍ فَمَنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً أوْ آوَى مُحْدثاً فَعَليْهِ لَعْنَةُ الله والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، ومَنْ والَى قَوْماً بِغَيْرِ إذْن مَوالِيهِ فَعَليْهِ لَعْنَةُ الله والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ يَسْعاى بِها أدْناهُمْ فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلاَئِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ( وَمن والى قوما) إِلَى قَوْله: ( وَذمَّة الْمُسلمين) فَإِن قلت: التَّرْجَمَة مُطلقَة والْحَدِيث:.
( من والى قوما بِغَيْر إِذن موَالِيه) فَإِن الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنه إِذا والى بإذنهم لَا يَأْثَم وَلَا يكون متبرءاً.

قلت: لَيْسَ هَذَا لتقييد الحكم وَإِنَّمَا هُوَ إِيرَاد الْكَلَام على الْغَالِب، وَقيل: هُوَ للتَّأْكِيد لِأَنَّهُ إِذا اسْتَأْذن موَالِيه فِي ذَلِك منعُوهُ.

وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ هُوَ إِبْرَاهِيم بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن شريك التَّيْمِيّ تيم الربابُُ وَلَيْسَ هُوَ إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن الْأسود بن عَمْرو، وَقيل: ابْن عمر بن يزِيد بن الْأسود بن عمر، وَأَبُو عمرَان النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يروي عَن أَبِيه يزِيد بن شريك بن طَارق التَّيْمِيّ، عداده فِي أهل الْكُوفَة سمع عَليّ بن أبي طَالب وَغَيره من الصَّحَابَة.

والْحَدِيث مضى فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن بشار وَفِي الْجِزْيَة عَن مُحَمَّد بن وَكِيع وَسَيَجِيءُ فِي الِاعْتِصَام عَن عمر بن حَفْص.

قَوْله: ( غير هَذِه الصَّحِيفَة) حَال أَو هُوَ اسْتثِْنَاء آخر، وحرف الْعَطف مُقَدّر كَمَا فِي: التَّحِيَّات المباركات الصَّلَوَات تَقْدِيره: والصلوات.
قَوْله: ( أَشْيَاء) جمع شَيْء وَهُوَ لَا ينْصَرف.
قَالَ الْكسَائي: تركُوا صرفه لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله.
قَوْله: ( من الْجِرَاحَات) أَي: من أَحْكَام الْجِرَاحَات وأسنان الْإِبِل الدِّيات.
قَوْله: ( حرَام) ويروى: حرم.
قَوْله: ( عير) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء وَهُوَ اسْم جبل بِالْمَدِينَةِ.
قَوْله: ( إِلَى ثَوْر) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة،.

     وَقَالَ  القَاضِي عِيَاض: أما ثَوْر بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور فَمنهمْ من ترك مَكَانَهُ بَيَاضًا لأَنهم اعتقدوا أَن ذكر ثَوْر خطأ إِذْ لَيْسَ فِي الْمَدِينَة مَوضِع يُسمى ثوراً وَمِنْهُم من كنى عَنهُ بِلَفْظ: كَذَا، وَقيل: الصَّحِيح أَن بدله: أحد أَي: عير إِلَى أحد، وَقيل: إِن ثوراً كَانَ اسْما لجبل هُنَاكَ أما أحدا وَغَيره فخفى إسمه.
قَوْله: ( حَدثا) بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْأَمر الْحَادِث الْمُنكر الَّذِي لَيْسَ بمعتاد وَلَا مَعْرُوف فِي السّنة.
قَوْله: ( أَو أَوَى) الْقصر فِي اللَّازِم وَالْمدّ فِي الْمُتَعَدِّي.
قَوْله: ( مُحدثا) بِكَسْر الدَّال وَفتحهَا على الْفِعْل وَالْمَفْعُول، فَمَعْنَى الْكسر من نصر جانباً وآواه وَأَجَارَهُ من خَصمه وَحَال بَينه وَبَين أَن يقْتَصّ مِنْهُ، وَمعنى الْفَتْح هُوَ الْأَمر المبتدع نَفسه، وَيكون معنى الإيواء فِيهِ الرِّضَا بِهِ وَالصَّبْر عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذا رَضِي ببدعته وَأقر فاعلها عَلَيْهَا وَلم ينكرها فقد آواه.
قَوْله: ( لعنة الله) المُرَاد باللعنة الْبعد عَن الْجنَّة الَّتِي هِيَ دَار الرَّحْمَة فِي أول الْأَمر لَا مُطلقًا.
قَوْله: ( صرف) الصّرْف الْفَرِيضَة، وَالْعدْل النَّافِلَة، وَقيل بِالْعَكْسِ، وَقيل: الصّرْف التَّوْبَة وَالْعدْل الْفِدْيَة.
قَوْله: ( من والى قوما) أَي: اتخذهم أَوْلِيَاء لَهُ.
قَوْله: ( بِغَيْر إِذن موَالِيه) قد مر الْكَلَام فِيهِ الْآن.
قَوْله: ( وَذمَّة الْمُسلمين) المُرَاد بِالذِّمةِ الْعَهْد والأمان يَعْنِي: أَمَان الْمُسلم للْكَافِرِ صَحِيح والمسلمون كَنَفس وَاحِدَة فِيهِ.
قَوْله: ( أَدْنَاهُم) أَي: مثل الْمَرْأَة وَالْعَبْد فَإِذا أَمن أحدهم حَرْبِيّا لَا يجوز لأحد أَن ينْقض ذمَّته.
قَوْله: ( وَمن أَخْفَر) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَي من نقض عَهده، يُقَال: خفرته أَي كنت لَهُ خفيراً أمْنَعهُ، وأخفرته أَيْضا.

وَفِيه: جَوَاز لعنة أهل الْفسق من الْمُسلمين وَمن تَبرأ من موَالِيه لم تجز شَهَادَته وَعَلِيهِ التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار لِأَن الشَّارِع لَعنه، وكل من لَعنه فَهُوَ فَاسق.





[ قــ :6404 ... غــ :6756 ]
- حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سُفْيان عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنْ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ بَيْعِ الوَلاءِ وعنْ هِبَتِهِ.
( انْظُر الحَدِيث 535) .


مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي هَذَا الحَدِيث قد صرح بِالنَّهْي عَن بيع الْوَلَاء وهبته فَيُؤْخَذ مِنْهُ عدم اعْتِبَار الْإِذْن فِي ذَلِك الحَدِيث بِالطَّرِيقِ الأولى لِأَن السَّيِّد إِذا منع من بيع الْوَلَاء مَعَ مَا فِيهِ من الْعِوَض، وَعَن الْهِبَة مَعَ مَا فِيهَا من الْمِنَّة فَمَنعه من الْإِذْن فِيهِ مجَّانا وَبلا منَّة أولى.

وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن مُحَمَّد بن عبد الله.
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْفَرَائِض عَن عَليّ بن سعيد بن مَسْرُوق.
وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع.
.

     وَقَالَ  الْمزي: روى يحيى بن سليم هَذَا عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَهُوَ وهم، وروى الثَّقَفِيّ وَعبد الله بن نمير وَغير وَاحِد عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر وَهَذَا أصح، وَإِنَّمَا نهى عَن بيع الْوَلَاء لِأَنَّهُ حق إِرْث الْمُعْتق من الْعَتِيق، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ غير مَقْدُور التَّسْلِيم وَنَحْوه.
فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن امْرَأَة من محَارب اعتقت عبدا ووهبت ولاءه لعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، فَأَجَازَهُ عُثْمَان.
وَعَن الشّعبِيّ وَقَتَادَة وَابْن الْمسيب نَحوه.

قلت: حَدِيث الْبابُُ يرد هَذَا، وَقيل: بيع الْوَلَاء وهبته منسوخان بِحَدِيث الْبابُُ، وَيحْتَمل أَن الحَدِيث مَا بلغ هَؤُلَاءِ، وَالله أعلم.