فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب الرجم بالمصلى

( بابُُ الرَّجْمِ بالمُصَلَّى)

أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان أَن الرَّجْم الَّذِي وَقع فِي قَضِيَّة مَاعِز بن مَالك كَانَ بالمصلى أَي: مصلى الْجَنَائِز، ويوضحه مَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: ببقيع الْغَرْقَد، وَاعْترض ابْن بطال وَابْن التِّين على هَذَا التَّبْوِيب بِأَنَّهُ لَا معنى لَهُ، لِأَن الرَّجْم فِي الْمصلى وَغَيره من سَائِر الْمَوَاضِع سَوَاء.
وَأجِيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ ذكر ذَلِك لوُقُوعه مَذْكُورا فِي حَدِيث الْبابُُ، وَقيل: معنى: بالمصلى، أَي عِنْد الْمصلى، لِأَن المُرَاد الْمَكَان الَّذِي يُصَلِّي عِنْده الْعِيد والجنائز، وَهُوَ من نَاحيَة بَقِيع الْغَرْقَد، وَقد وَقع فِي حَدِيث أبي سعيد عِنْد مُسلم: فَأمرنَا أَن نرجمه فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيع الْغَرْقَد، وَفهم عِيَاض من قَوْله: بالمصلى، أَن الرَّجْم وَقع فِي دَاخل الْمصلى.

قلت: كَأَنَّهُ فهم ذَلِك من الْبَاء الظَّرْفِيَّة، فعلى هَذَا لَيْسَ لمصلى الأعياد والجنائز حكم الْمَسْجِد،.

     وَقَالَ  آخَرُونَ: لَهُ حكم الْمَسْجِد، لِأَن الْبَاء فِيهِ بِمَعْنى عِنْد كَمَا ذكرنَا، وَفِيه نظر.



[ قــ :6466 ... غــ :6820 ]
- حدّثنا مَحْمُودٌ حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ جابِرٍ أنَّ رَجُلاً مِنْ أسْلَمَ جاءَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاعْتَرَفَ بالزِّنا، فأعْرَضَ عَنْهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حتَّى شَهدَ على نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، قَالَ لهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( أبِكَ جُنُونٌ؟) قَالَ: لَا قَالَ: ( آحْصَنْتَ؟) قَالَ: نَعَمْ.
فأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بالمُصَلى، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجارَةُ فَرَّ فأُدْرِكَ فَرُجِمَ حتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَيْراً وصَلَّى عَلَيْهِ.

لَمْ يَقُلْ يُونُسُ وابنُ جُرَيْجٍ عنْ الزُّهْرِيِّ: فَصَلَّى عَلَيْهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ( فرجم بالمصلى) ومحمود هُوَ ابْن غيلَان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة الْمروزِي، وَأكْثر البُخَارِيّ عَنهُ، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الرَّزَّاق.
وَأخرجه الْجَمَاعَة مَا خلا ابْن مَاجَه.

قَوْله: ( حَدثنَا مَحْمُود) هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: حَدثنِي، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، بِذكر أَبِيه صَرِيحًا.
قَوْله: ( أَن رجلا من أسلم) اسْمه مَاعِز بن مَالك الْأَسْلَمِيّ، وَقد مر هَكَذَا فِي حَدِيث جَابر أَيْضا عَن قريب فِي: بابُُ رجم الْمُحصن، وَلَيْسَ فِي هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي مَضَت فرجم بالمصلى.
قَوْله: ( فَلَمَّا أذلقته) أَي: أقلقته، وَقد مر عَن قريب.
قَوْله: ( فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خيرا) أَي: ذكره بجميل.
وَوَقع فِي حَدِيث سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عِنْد مُسلم: فَكَانَ النَّاس فِيهِ.
أَي: فِي مَاعِز فرْقَتَيْن فَقَائِل يَقُول: لقد هلك لقد أحاطت بِهِ خطيئته، وَقَائِل يَقُول: مَا تَوْبَة أفضل من تَوْبَة مَاعِز؟ الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: لقد تَابَ تَوْبَة لَو قسمت بَين أمة لوسعتهم.
وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيّ: لقد رَأَيْته بَين أَنهَار الْجنَّة ينغمس قَالَ: يَعْنِي يتنعم وَفِي حَدِيث جَابر عِنْد أبي عوَانَة لقد رَأَيْته يتخضخض فِي أَنهَار الْجنَّة، وَفِي حَدِيث اللجاج عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: لَا تقل لَهُ خَبِيث، لَهو عِنْد الله أطيب من ريح الْمسك وَفِي حَدِيث أبي ذَر عِنْد أَحْمد: قد غفر لَهُ وَأدْخلهُ الْجنَّة.

قَوْله: ( وَصلى عَلَيْهِ) هَكَذَا وَقع هُنَا عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق،.

     وَقَالَ  الْمُنْذِرِيّ: رَوَاهُ ثَمَانِيَة أنفس عَن عبد الرَّزَّاق فَلم يذكرُوا قَوْله: ( فصلى عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي وَجَمَاعَة عَن عبد الرَّزَّاق فَقَالُوا فِي آخِره: وَلم يصلى عَلَيْهِ، وَالْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن رِوَايَة الْمُثبت مُقَدّمَة على رِوَايَة النَّافِي، أَو يحمل رِوَايَة من قَالَ: وَلم يصلى عَلَيْهِ، يَعْنِي حِين رجم لم يصل عَلَيْهِ، ثمَّ صلى عَلَيْهِ بعد ذَلِك، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق من حَدِيث أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف فِي قصَّة مَاعِز، قَالَ: فَقيل: يَا رَسُول الله! أَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَ: صلوا على صَاحبكُم، فصلى عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّاس.
فَهَذَا الحَدِيث يجمع الِاخْتِلَاف.

قَوْله: ( لم يقل يُونُس) يَعْنِي: ابْن يزِيد وَابْن جريج يَعْنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ( فصلى عَلَيْهِ) فرواية يُونُس وَصلهَا البُخَارِيّ فِي: بابُُ رجم الْمُحصن، وَلَفظه: فَأمر بِهِ فرجم، وَكَانَ قد أحصن، وَرِوَايَة ابْن جريج رَوَاهَا مُسلم مقرونة بِرِوَايَة معمر وَلم يسق الْمَتْن، وأحاله على رِوَايَة إِسْحَاق شيخ مُسلم فِي سَنَده، فَلم يذكر فِيهِ، فصلى عَلَيْهِ.

وسُئِلَ أبُو عَبْدِ الله: فَصَلَّى عَلَيهِ، يَصِحُّ؟ قَالَ: رواهُ مَعْمَرٌ، قِيلَ لهُ: رواهُ غَيْرُ مَعْمَرٍ؟ قَالَ: لَا.

وَقع هَذَا الْكَلَام فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده عَن الفريري: وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه قَوْله: ( فصلى عَلَيْهِ يَصح) يَعْنِي: لفظ: فصلى عَلَيْهِ، أَي: على مَاعِز هَل يَصح أم لَا؟ فَقَالَ: رَوَاهُ معمر بن رَاشد، وَقيل لَهُ: هَل رَوَاهُ غير معمر؟ قَالَ: لَا.
وَاعْترض على البُخَارِيّ فِي جزمه بِأَن معمراً روى هَذِه الزِّيَادَة، وَأجِيب بِأَن معمراً من الثِّقَات المأمونين.
وَالْفُقَهَاء الْمُتَّقِينَ الورعين، وَمن رجال الْكتب السِّتَّة، وَمثل هَذَا تقبل زِيَادَته وانفراده بهَا.