فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب: المصلي يناجي ربه عز وجل

( بابٌُ المصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)

أَي: هَذَا بابُُ يذكر فِيهِ الْمُصَلِّي يُنَاجِي ربه، من ناجاه يناجيه مُنَاجَاة فَهُوَ مناج، وَهُوَ الْمُخَاطب لغيره والمحدث لَهُ، وثلاثيه من نجا ينجو نجاة: إِذا أسْرع، وَنَجَا من الْأَمر، إِذا خلص، وأنجاه غَيره.

ومناسبة هَذَا الْبابُُ بالأبواب الَّتِي قبله الَّتِي تضمنها كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة من حَيْثُ إِن فِيهِ بَيَان أَن أَوْقَات أَدَاء الصَّلَاة أَوْقَات مُنَاجَاة الله تَعَالَى، ومناجاة الله تَعَالَى لَا تحصل للْعَبد إلاَّ فِيهَا خَاصَّة، وَالْأَحَادِيث السَّابِقَة دلّت على مدح من صلى فِي وَقتهَا وذم من أَخّرهَا عَن وَقتهَا.
وَأورد البُخَارِيّ أَحَادِيث هَذَا الْبابُُ ترغيبا للْمُصَلِّي فِي تَحْصِيل هَذِه الْفَضِيلَة على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي أَحَادِيث هَذَا الْبابُُ لِئَلَّا يحرم عَن هَذِه الْمنزلَة السّنيَّة الَّتِي يخْشَى فَوَاتهَا على المقصر فِي ذَلِك.



[ قــ :517 ... غــ :531]
- حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ أحَدَكُمْ إذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ فَلاَ يَتْفِلَنَّ عنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى.


مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر فِي الحَدِيث الأول فِي بابُُ زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم أخبرنَا هِشَام أخبرنَا قَتَادَة عَن أنس قَالَ ( يخرج من النَّار من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله) الحَدِيث، وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم أَبُو عَمْرو الْبَصْرِيّ، وَهِشَام ابْن أبي عبد الله الدستوَائي، بِفَتْح الدَّال.
وَقَتَادَة ابْن دعامة، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي بابُُ حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد بأطول مِنْهُ، رَوَاهُ عَن قُتَيْبَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن حميد عَن أنس ( أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى نخامة) الحَدِيث.
وَأخرجه أَيْضا فِي بابُُ لَا يبصق عَن يَمِينه فِي الصَّلَاة عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَأخرجه أَيْضا عَن أنس من حَدِيث شُعْبَة عَن قَتَادَة عَنهُ من طرق مُخْتَلفَة، وَأخرجه أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي.

وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ لاَ يَتْفِلْ قُدَّامَهُ أوْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولَكِنْ عنْ يَسَارِهِ أوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ.

سعيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة أَي: قَالَ سعيد عَن قَتَادَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَطَرِيقه مَوْصُولَة عِنْد الإِمَام أَحْمد وَابْن حبَان.
قَوْله: ( أَو بَين يَدَيْهِ) ، شكّ من الرَّاوِي وَمَعْنَاهُ: قدامه.

وقالَ شُعْبَةُ لاَ يَبْزُقْ بيْنَ يَدَيْهِ ولاَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أوْ تَحْتَ قَدَمِهِ
أَي: قَالَ شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن قَتَادَة بِالْإِسْنَادِ أَيْضا، وَقد أوصله البُخَارِيّ أَيْضا فِيمَا تقدم عَن آدم عَنهُ.

وَقَالَ حَمَيْدٌ عَنْ أنَسٍ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَبْزُقْ فِي القِبْلَةِ ولاَ عَنْ يَمِينِهِ ولَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أوْ تَحْتَ قَدَمِهِ
أوصله البُخَارِيّ أَيْضا فِيمَا تقدم، وَلَكِن لَيْسَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقَة.
قَوْله: ( وَلَا عَن يَمِينه) .

وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذِه تعليقات لَكِنَّهَا لَيست مَوْقُوفَة على شُعْبَة وَلَا على قَتَادَة، وَيحْتَمل الدُّخُول تَحت الْإِسْنَاد السَّابِق بِأَن يكون مَعْنَاهُ مثلا: حَدثنَا مُسلم حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،.
قلت: كلهَا مَوْصُولَة على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر الِاحْتِمَال.





[ قــ :518 ... غــ :53]
- حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ أنَسٍ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ ولاَ يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كالْكَلْبِ وإذَا بَزَقَ فَلاَ يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ.
.


مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَرِجَاله تقدمُوا.

وَفِي إِسْنَاده: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، والعنعنة فِي موضِعين.
وَفِيه: القَوْل.

قَوْله: ( اعتدلوا فِي السُّجُود) ، الْمَقْصُود من الِاعْتِدَال فِيهِ أَن يضع كَفه على الأَرْض وَيرْفَع مرفقيه عَنْهَا، وَعَن جَنْبَيْهِ وَيرْفَع الْبَطن عَن الْفَخْذ، وَالْحكمَة فِيهِ أَنه أشبه بالتواضع وأبلغ فِي تَمْكِين الْجَبْهَة من الأَرْض وَأبْعد من هيئات الكسالى، فَإِن المنبسط يشبه الْكَلْب ويشعر حَاله بالتهاون بالصلوات وَقلة الاعتناء بهَا، والإقبال عَلَيْهَا، والاعتدال من: عدلته فَعدل، أَي: قومته فاستقام.
قَالَه الْجَوْهَرِي.
قَوْله: ( وَلَا يبسط ذِرَاعَيْهِ) ، بِسُكُون الطَّاء، وفاعله مُضْمر أَي الْمُصَلِّي، وَفِي بعض النّسخ: ( لَا يبسط أحدكُم) بِإِظْهَار الْفَاعِل، والذراع: الساعد.
قَوْله: ( فَإِنَّمَا يُنَاجِي ربه) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ( فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربه) ، وَسَأَلَ الْكرْمَانِي هَهُنَا مَا ملخصه: إِن فِيمَا مضى جعل الْمُنَاجَاة عِلّة لنهي البزاق فِي القدام فَقَط لَا فِي الْيَمين حَيْثُ قَالَ: ( فَلَا يبصق أَمَامه فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربه) ،.

     وَقَالَ : ( وَلَا عَن يَمِينه فَإِن عَن يَمِينه ملكا) ، وَأجَاب بِأَنَّهُ لَا مَحْذُور بِأَن يُعلل الشَّيْء الْوَاحِد بعلتين منفردتين أَو مجتمعتين، لِأَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة معرفَة، وَجَاز تعدد المعرفات فعلل نهي البزاق عَن الْيَمين بالمناجاة، وَبِأَن ثمَّ ملكا،.

     وَقَالَ  أَيْضا عَادَة المناجي أَن يكون فِي القدام، وَأجَاب بِأَن المناجي الشريف قد يكون قداما وَقد يكون يَمِينا.