فهرس الكتاب

عمدة القاري - باب من حكم في المسجد، حتى إذا أتى على حد أمر أن يخرج من المسجد فيقام

( بابُُ مَنْ حَكَمَ فِي المَسْجِدِحتَّى إذَا أتَى عَلى حَدَ أمَرَ أنْ يُخْرَجَ مِنَ المَسْجِدِ فَيُقامَ)

أَي: هَذَا بابُُ فِيهِ بَيَان من كَانَ لَا يكره الحكم فِي الْمَسْجِد إِذا حكم فِيهِ ثمَّ أَتَى إِلَى حكم فِيهِ إِقَامَة حد من الْحُدُود يَنْبَغِي أَن يَأْمر أَن يخرج من وَجب عَلَيْهِ الْحَد من الْمَسْجِد فيقام الْحَد عَلَيْهِ خَارج الْمَسْجِد، وَقد فسر بَعضهم هَذِه التَّرْجَمَة بقوله: كَأَنَّهُ يُشِير بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى من خصص جَوَاز الحكم فِي الْمَسْجِد بِمَا إِذا لم يكن هُنَاكَ شَيْء يتَأَذَّى بِهِ من فِي الْمَسْجِد، أَو يَقع بِهِ نقص لِلْمَسْجِدِ كالتلويث.
انْتهى.
قلت: تَفْسِير هَذِه التَّرْجَمَة بِمَا ذَكرْنَاهُ وَلَيْسَ مَا ذكره تَفْسِيرهَا أصلا يقف عَلَيْهِ من لَهُ أدنى ذوق من مَعَاني التراكيب، نعم الَّذِي ذكره يَنْبَغِي أَن يحْتَرز عَنهُ وَلَكِن لَا مُنَاسبَة لَهُ فِي معنى التَّرْجَمَة، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي إِقَامَة الْحُدُود فِي الْمَسْجِد.
فَروِيَ عَن عمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، منع ذَلِك كَمَا يَجِيء الْآن، وَهُوَ قَول مَسْرُوق وَالشعْبِيّ وَعِكْرِمَة والكوفيين وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه أَقَامَ على رجل من أهل الذِّمَّة حدا فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى، وَرُوِيَ عَن مَالك الرُّخْصَة فِي الضَّرْب بالسياط الْيَسِيرَة فِي الْمَسْجِد، فَإِذا كثرت الْحُدُود فَلَا تُقَام فِيهِ، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر أَيْضا،.

     وَقَالَ  ابْن الْمُنْذر: وَلَا ألزم من أَقَامَ الْحَد فِي الْمَسْجِد مأثماً لِأَنِّي لَا أجد دَلِيلا عَلَيْهِ.
وَفِي التَّوْضِيح وَأما الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن إِقَامَة الْحُدُود فِي الْمَسْجِد فضعيفة.

وَقَالَ عُمَرُ: أخْرِجاهُ مِنَ المَسْجِد.

أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب: أَخْرجَاهُ، أَي الَّذِي وَجب عَلَيْهِ الْحَد من الْمَسْجِد، وَفِي بعض النّسخ: وضربه بعد قَوْله: من الْمَسْجِد، وَهَذَا الْأَثر وَصله ابْن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق كِلَاهُمَا من طَرِيق طَارق بن شهَاب، قَالَ: أُتِي عمر بن الْخطاب بِرَجُل فِي حد.
فَقَالَ: أَخْرجَاهُ من الْمَسْجِد، ثمَّ اضرباه، وَسَنَده على شَرط الشَّيْخَيْنِ.

ويُذْكَرُ عنْ عَلِيَ نَحْوُه.

أَي: يذكر عَن عَليّ بن أبي طَالب نَحْو مَا ذكر عَن عمر بن الْخطاب وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق ابْن معقل بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَالْقَاف الْمَكْسُورَة: أَن رجلا جَاءَ إِلَى عَليّ فساره، فَقَالَ: يَا قنبر أخرجه من الْمَسْجِد فأقم عَلَيْهِ الْحَد، وَفِي سَنَده من فِيهِ مقَال فَلذَلِك ذكره بِصِيغَة التمريض حَيْثُ قَالَ: وَيذكر.



[ قــ :6785 ... غــ :7167 ]
- حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حدّثنا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ أبي سَلَمَةَ وسعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: أتَى رجُلٌ رسولَ الله وهْوَ فِي المَسْجدِ، فَنادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إنِّي زَنَيْتُ، فأعْرَضَ عنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبعاً قَالَ: أبِكَ جُنُونٌ قَالَ: لَا.
قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فارْجُمُوهُ


( بابُُ مَوْعِظَةِ الإمامِ لِلْخُصُومِ)

أَي: هَذَا بابُُ فِيهِ بَيَان موعظة الإِمَام للخصوم عِنْد الدَّعْوَى.



[ قــ :6785 ... غــ :7169 ]
- حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُسْلَمَةَ، عنْ مالِكٍ، عنْ هِشامٍ، عنْ أبيهِ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبي سَلَمَةَ عنْ أمِّ سَلمَةَ، رَضِي الله عَنْهَا.
أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إنَّما أَنا بَشَرٌ، وإنكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَّلَ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فأقْضِي نَحَوَ مَا أسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لهُ بِحَقِّ أخِيهِ شَيْئاً فَلا يَأخُذْهُ، فإنّما أقْطَعُ لهُ قِطْعةً مِنَ النَّار.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، وَاسم أم سَلمَة هِنْد المخزومية أم الْمُؤمنِينَ.

والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَظَالِم وَفِي أَوَائِل كتاب الْحِيَل وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: إِنَّمَا أَنا بشر على معنى الْإِقْرَار على نَفسه بِصفة البشرية من أَنه لَا يعلم من الْغَيْب إلاَّ مَا علمه الله مِنْهُ.
قَوْله: إِنَّكُم تختصمون إليّ يُرِيد وَالله أعلم وَأَنا لَا أعرف المحق مِنْكُم من الْمُبْطل حَتَّى يُمَيّز المحق مِنْكُم من الْمُبْطل فَلَا يَأْخُذ الْمُبْطل مَا أعْطِيه.
قَوْله: أَلحن بحجته يَعْنِي: أفطن لَهَا وأجدل.
.

     وَقَالَ  ابْن حبيب: أنطق وَأقوى مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى: { وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} أَي: فِي بطن القَوْل.
وَقيل: مَعْنَاهُ أَن يكون أَحدهمَا أعلم بمواقع الْحجَج وَأهْدى لإيرادها وَلَا يخلطها بغَيْرهَا.
.

     وَقَالَ  أَبُو عبيد: اللّحن بِفَتْح الْحَاء النُّطْق، وبالإسكان الْخَطَأ فِي القَوْل، وَذكر ابْن سَيّده: لحن الرجل لحناً تكلم بلغته، ولحن لَهُ يلحن لحناً، قَالَ لَهُ قولا يفهمهُ عَنهُ وَيخْفى على غَيره، وألحنه القَوْل أفهمهُ إِيَّاه، ولحنه لحناً فهمه، وَرجل لحن عَالم بعواقب الْكَلَام ظريف، ولحن لحناً فطن لحجته وانتبه لَهَا، ولاحن النَّاس فألحنهم.
قَوْله: فأقضي نَحْو مَا أسمع فِيهِ أَن الْحَاكِم مَأْمُور بِأَن يقْضِي بِمَا يقر بِهِ الْخصم عِنْده.
قَوْله: فَمن قضيت لَهُ خطاب للمقضي لَهُ، لِأَنَّهُ يعلم من نَفسه هَل هُوَ محق أَو مُبْطل.