فهرس الكتاب

شرح النووى على مسلم - بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ

باب بَيَانِ الشُّهَدَاءِ
[ سـ :3649 ... بـ :1914]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ وَقَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ) فِيهِ : فَضِيلَةُ إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَهُوَ كُلُّ مُؤْذٍ ، وَهَذِهِ الْإِمَاطَةُ أَدْنَى شُعَبِ الْإِيمَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ .

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ : الْمَطْعُونُ ، وَالْمَبْطُونُ ، وَالْغَرِقُ ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ : ( الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَذَكَرَ الْمَطْعُونَ ، وَالْمَبْطُونَ ، وَالْغَرِقَ ، وَصَاحِبَ الْهَدْمِ ، وَصَاحِبَ ذَاتِ الْجَنْبِ ، وَالْحَرِقَ ، وَالْمَرْأَةَ تَمُوتُ بِجُمْعٍ ) وَفِي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ : ( مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٍ ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لَمْ يُخَرِّجَاهُ ، فَأَمَّا ( الْمَطْعُونُ ) فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الطَّاعُونِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ) وَأَمَّا ( الْمَبْطُونُ ) فَهُوَ صَاحِبُ دَاءِ الْبَطْنِ ، وَهُوَ الْإِسْهَالُ . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي بِهِ الِاسْتِسْقَاءُ وَانْتِفَاخُ الْبَطْنِ ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي تَشْتَكِي بَطْنُهُ ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِدَاءِ بَطْنِهِ مُطْلَقًا . وَأَمَّا ( الْغَرِقُ ) فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ مَنْ يَمُوتُ تَحْتَهُ ، وَ ( صَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ ) مَعْرُوفٌ ، وَهِيَ قُرْحَةٌ تَكُونُ فِي الْجَنْبِ بَاطِنًا . وَالْحَرِيقُ الَّذِي يَمُوتُ بِحَرِيقِ النَّارِ . وَأَمَّا ( الْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ ) فَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا ، وَالضَّمُّ أَشْهَرُ قِيلَ : الَّتِي تَمُوتُ حَامِلًا جَامِعَةً وَلَدَهَا فِي بَطْنِهَا ، وَقِيلَ : هِيَ الْبِكْرُ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .




[ سـ :3651 ... بـ :1915]
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ قَالُوا فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ ابْنُ مِقْسَمٍ أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِ قَالَ سُهَيْلٌ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ أَشْهَدُ عَلَى أَخِيكَ أَنَّهُ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَنْ غَرِقَ فَهُوَ شَهِيدٌ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِهِ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَزَادَ فِيهِ وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ

وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) فَمَعْنَاهُ : بِأَيِّ صِفَةٍ مَاتَ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَوْتَاتُ شَهَادَةً بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ شِدَّتِهَا وَكَثْرَةِ أَلَمِهَا ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي الصَّحِيحِ " مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ " وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ صَحِيحٍ " " قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمُرَادُ بِشَهَادَةِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ غَيْرِ الْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُمْ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابُ الشُّهَدَاءِ . وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ هَذَا ، وَأَنَّ الشُّهَدَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : شَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَهُوَ الْمَقْتُولُ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ ، وَشَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ دُونَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ هُنَا ، وَشَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ ، وَهُوَ مَنْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَةِ أَوْ قُتِلَ مُدْبِرًا .

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَيَانٍ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُقْسِمٍ : أَشْهَدُ عَلَى أَخِيكَ أَنَّهُ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَنْ غَرِقَ فَهُوَ شَهِيدٌ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ بِلَادِنَا ( عَلَى أَخِيكَ ) بِالْخَاءِ وَفِي بَعْضِهَا ( عَلَى أَبِيكَ ) بِالْبَاءِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ؛ قَالَ الْقَاضِي : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ ( عَلَى أَبِيكَ ) وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْجُلُودِيِّ ( عَلَى أَخِيكَ ) وَهُوَ خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ ( عَلَى أَبِيكَ ) كَمَا سَبَقَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ ، وَإِنَّمَا قَالَهُ ابْنُ مُقْسِمٍ لِسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .