فهرس الكتاب

شرح النووى على مسلم - بَابُ إِبَاحَةِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا

باب إِبَاحَةِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا
[ سـ :3854 ... بـ :2004]
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ أَبِي عُمَرَ الْبَهْرَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ

فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ ) وَالْأَحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ بِمَعْنَاهُ .

فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِانْتِبَاذِ ، وَجَوَازِ شُرْبِ النَّبِيذِ مَا دَامَ حُلْوًا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يَغْلِ ، وَهَذَا جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، وَأَمَّا سَقْيُهُ الْخَادِمَ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَصَبُّهُ ، فَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ بَعْدَ الثَّلَاثِ تَغَيُّرُهُ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ .

وَقَوْلُهُ : ( سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ صَبَّهُ ) مَعْنَاهُ تَارَةً : يَسْقِيهِ الْخَادِمَ ، وَتَارَةً يَصُبُّهُ ، وَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ لِاخْتِلَافِ حَالِ النَّبِيذِ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَغَيُّرٌ وَنَحْوُهُ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْكَارِ سَقَاهُ الْخَادِمَ وَلَا يُرِيقُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ تَحْرُمُ إِضَاعَتُهُ ، وَيَتْرُكُ شُرْبَهُ تَنَزُّهًا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْكَارِ وَالتَّغَيُّرِ أَرَاقَهُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَسْكَرَ صَارَ حَرَامًا وَنَجِسًا ، فَيُرَاقُ وَلَا يَسْقِيهِ الْخَادِمَ ؛ لِأَنَّ الْمُسْكِرَ لَا يَجُوزُ سَقْيُهُ الْخَادِمَ كَمَا لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ ، وَأَمَّا شُرْبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الثَّلَاثِ فَكَانَ حَيْثُ لَا تَغَيُّرَ ، وَلَا مَبَادِئُ تَغَيُّرٍ ، وَلَا شَكَّ أَصْلًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : ( يُنْبَذُ غَدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً وَيُنْبَذُ عِشَاءً فَيَشْرَبُهُ غَدْوَةً ) فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الشُّرْبِ إِلَى ثَلَاثٍ ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ فِي يَوْمٍ لَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ ؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَعَلَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ كَانَ زَمَنَ الْحَرِّ ، وَحَيْثُ يُخْشَى فَسَادُهُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى يَوْمٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي زَمَنٍ يُؤْمَنُ فِيهِ التَّغَيُّرُ قَبْلَ الثَّلَاثِ ، وَقِيلَ : حَدِيثُ عَائِشَةَ مَحْمُولٌ عَلَى نَبِيذٍ قَلِيلٍ يَفْرُغُ فِي يَوْمِهِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كَثِيرٍ لَا يَفْرُغُ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .




[ سـ :3857 ... بـ :2004]
وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهَرَاقَهُ

قَوْلُهُ : ( فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ ) يُقَالُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ . قَوْلُهُ : ( إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ ) يُقَالُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ ، الضَّمُّ أَرْجَحُ .




[ سـ :3858 ... بـ :2004]
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى أَبِي عُمَرَ النَّخَعِيِّ قَالَ سَأَلَ قَوْمٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا وَالتِّجَارَةِ فِيهَا فَقَالَ أَمُسْلِمُونَ أَنْتُمْ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا وَلَا التِّجَارَةُ فِيهَا قَالَ فَسَأَلُوهُ عَنْ النَّبِيذِ فَقَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ نَبَذَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي حَنَاتِمَ وَنَقِيرٍ وَدُبَّاءٍ فَأَمَرَ بِهِ فَأُهْرِيقَ ثُمَّ أَمَرَ بِسِقَاءٍ فَجُعِلَ فِيهِ زَبِيبٌ وَمَاءٌ فَجُعِلَ مِنْ اللَّيْلِ فَأَصْبَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَلَيْلَتَهُ الْمُسْتَقْبَلَةَ وَمِنْ الْغَدِ حَتَّى أَمْسَى فَشَرِبَ وَسَقَى فَلَمَّا أَصْبَحَ أَمَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ فَأُهْرِيقَ

قَوْلُهُ : ( عَنْ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى النَّخَعِيِّ ) زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ ، وَيَحْيَى النَّخَعِيُّ هُوَ يَحْيَى الْبَهْرَانِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ ، يُقَالُ لَهُ الْبَهْرَانِيُّ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ .




[ سـ :3859 ... بـ :2005]
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ يَعْنِي ابْنَ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيَّ حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ يَعْنِي ابْنَ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيَّ قَالَ لَقِيتُ عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا عَنْ النَّبِيذِ فَدَعَتْ عَائِشَةُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً فَقَالَتْ سَلْ هَذِهِ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ الْحَبَشِيَّةُ كُنْتُ أَنْبِذُ لَهُ فِي سِقَاءٍ مِنْ اللَّيْلِ وَأُوكِيهِ وَأُعَلِّقُهُ فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ يَعْنِي ابْنَ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيَّ ) هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي حُدَّانَ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، بَلْ كَانَ نَازِلًا فِيهِمْ ، وَهُوَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ . قَوْلُهَا : ( وَأُوكِيهِ ) أَيْ أَشُدُّهُ بِالْوِكَاءِ ، وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رَأْسُ الْقِرْبَةِ .




[ سـ :3860 ... بـ :2005]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاءٍ يُوكَى أَعْلَاهُ وَلَهُ عَزْلَاءُ نَنْبِذُهُ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً وَنَنْبِذُهُ عِشَاءً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً

قَوْلُهُ : ( عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ ) هُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَأُمُّهُ اسْمُهَا خَيْرَةُ ، وَكَانَتْ مَوْلَاةً لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَى عَنْهَا ابْنَاهَا الْحَسَنُ وَسَعِيدٌ .

قَوْلِهَا : ( فِي سِقَاءٍ يُوكَأُ ) هَذَا مِمَّا رَأَيْتُهُ يُكْتَبُ وَيُضْبَطُ فَاسِدًا ، وَصَوَابُهُ ( يُوكِي ) بِالْيَاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ وُجُوهِ الْفَسَادِ الَّتِي قَدْ يُوجَدُ عَلَيْهَا . قَوْلُهَا : ( وَلَهُ عَزْلَاءُ ) هِيَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَبِالْمَدِّ ، وَهُوَ الثَّقْبُ الَّذِي يَكُونُ فِي أَسْفَلِ الْمَزَادَةِ وَالْقِرْبَةِ .

قَوْلُهَا : ( فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً ) هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَبِالْمَدِّ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ ( عَشِيًّا ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ .




[ سـ :3861 ... بـ :2006]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْسِهِ فَكَانَتْ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ قَالَ سَهْلٌ تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَقُلْ فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي أَبَا غَسَّانَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ فَسَقَتْهُ تَخُصُّهُ بِذَلِكَ

قَوْلُهُ : ( أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ تَوْرٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ( أَنْقَعَتْ ) وَهُوَ صَحِيحٌ ، يُقَالُ : أَنْقَعَتْ وَنَقَعَتْ . وَأَمَّا ( التَّوْرُ ) فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ ، وَهُوَ إِنَاءٌ مِنْ صَفَرٍ أَوْ حِجَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا كَالْإِجَّانَةِ ، وَقَدْ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْسِهِ ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ يَوْمئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ ، قَالَ سَهْلٌ : تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْحِجَابِ ، وَيَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَسْتُورَةَ الْبَشَرَةِ ، وَأَبُو أُسَيْدٍ ؛ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، وَاسْمُهُ مَالِكٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .

قَوْلُهُ : ( أَمَاثَتْهُ فَسَقَتْهُ تَخُصُّهُ بِذَلِكَ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ بِبِلَادِنَا ( أَمَاثَتْهُ ) بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ ، يُقَالُ : مَاثَّهُ وَأَمَاثَهُ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَقَدْ غَلِطَ مَنْ أَنْكَرَ ( أَمَاثَهُ ) وَمَعْنَاهُ عَرَكَتْهُ وَاسْتَخْرَجَتْ قُوَّتَهُ وَأَذَابَتْهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : أَيْ لَيَّنَتْهُ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ ( أَمَاتَتْهُ ) بِتَكْرِيرِ الْمُثَنَّاةِ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ . وَقَوْلُهُ : ( تَخُصُّهُ ) كَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ( تَخُصُّهُ ) مِنَ التَّخْصِيصِ ، وَكَذَا رُوِيَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَرَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ ( تُتْحِفُهُ ) مِنَ الْإِتْحَافِ ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، يُقَالُ : أَتْحَفَتْهُ بِهِ إِذَا خَصَّصَتْهُ وَأَطْرَفَتْهُ . وَفِي هَذَا جَوَازُ تَخْصِيصِ صَاحِبِ الطَّعَامِ بَعْضَ الْحَاضِرِينَ بِفَاخِرٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِذَا لَمْ يَتَأَذَّ الْبَاقُونَ لِإِيثَارِهِمُ الْمُخَصَّصَ ، لِعِلْمِهِ أَوْ صَلَاحِهِ أَوْ شَرَفِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، كَمَا كَانَ الْحَاضِرُونَ هُنَاكَ يُؤْثِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُسَرُّونَ بِإِكْرَامِهِ ، وَيَفْرَحُونَ بِمَا جَرَى ، وَإِنَّمَا شَرِبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِلَّتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : إِكْرَامُ صَاحِبِ الشَّرَابِ وَإِجَابَتُهُ الَّتِي لَا مَفْسَدَةَ فِيهَا ، وَفِي تَرْكِهَا كَسْرُ قَلْبِهِ ، وَالثَّانِيَةُ : بَيَانُ الْجَوَازِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .



[ سـ :3862 ... بـ :2007]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ مُطَرِّفٍ أَبُو غَسَّانَ أَخْبَرَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ قَالَ قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي فَقَالُوا لَهَا أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا فَقَالَتْ لَا فَقَالُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَكِ لِيَخْطُبَكِ قَالَتْ أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ قَالَ سَهْلٌ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ قَالَ اسْقِنَا لِسَهْلٍ قَالَ فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحَ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا فِيهِ قَالَ ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَهَبَهُ لَهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَقَ قَالَ اسْقِنَا يَا سَهْلُ.

قَوْلُهُ : ( فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ ) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ ، وَهُوَ الْحِصْنُ ، وَجَمْعُهُ آجَامٌ بِالْمَدِّ كَعُنُقٍ وَأَعْنَاقٍ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْآجَامُ : الْحُصُونُ . قَوْلُهُ : فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا يُقَالُ : نَكَسَ رَأَسَهُ بِالتَّخْفِيفِ فَهُوَ نَاكِسٌ ، وَنَكَّسَ بِالتَّشْدِيدِ فَهوَ مُنَكِّسٌ إِذَا طَأْطَأَهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَعَذْتُكِ مِنِّي ) مَعْنَاهُ : تَرَكْتُكِ ، وَتَرْكُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوُّجَهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُعْجِبْهُ إِمَّا لِصُورَتِهَا وَإِمَّا لِخُلُقِهَا وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى مَنْ يُرِيدُ نِكَاحَهَا. وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ " فَلَمَّا اسْتَعَاذَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَجِدِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُدًّا مِنْ إِعَاذَتِهَا وَتَرْكِهَا ، ثُمَّ إِذَا تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَعُودُ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ : ( فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ ، قَالَ : ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَهَبَهُ لَهُ ) يَعْنِي : الْقَدَحَ الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَذَا فِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مَسَّهُ أَوْ لَبِسَهُ ، أَوْ كَانَ مِنْهُ فِيهِ سَبَبٌ ، وَهَذَا نَحْوُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَأَطْبَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَيْهِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِالصَّلَاةِ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّوْضَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَدُخُولِ الْغَارِ الَّذِي دَخَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَمِنْ هَذَا إِعْطَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا طَلْحَةَ شَعْرَهُ لِيَقْسِمَهُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَإِعْطَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِقْوَةً لِتُكَفَّنَ فِيهِ بِنْتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَجَعَلَهُ الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ ، وَجَمَعَتْ بِنْتُ مِلْحَانِ عَرَقَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَمَسَّحُوا بِوُضُوئِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلَّكُوا وُجُوهَهُمْ بِنُخَامَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَشْبَاهُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِيهِ.

[ سـ :3863 ... بـ :2008]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ الْعَسَلَ وَالنَّبِيذَ وَالْمَاءَ وَاللَّبَنَ.

قَوْلُهُ : ( سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ : الْعَسَلَ ، وَالنَّبِيذَ ، وَالْمَاءَ ، وَاللَّبَنَ ) الْمُرَادُ بِالنَّبِيذِ هُنَا مَا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَهُوَ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الْإِسْكَارِ ، وَهَذَا مُتَعَيَّنٌ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ : " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.