فهرس الكتاب

شرح النووى على مسلم - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينِ الْمُبْتَدِئِ

باب اسْتِحْبَابِ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينِ الْمُبْتَدِئِ
[ سـ :3898 ... بـ :2029]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ

بَابُ اسْتِحْبَابِ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينِ الْمُبْتَدِئِ .

فِيهِ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ : الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ فَأَعْطَاهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَمِينِهِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( الْأَيْمَنُونَ ، الْأَيْمَنُونَ ، الْأَيْمَنُونَ . قَالَ أَنَسٌ : فَهِيَ سُنَّةٌ ، فَهِيَ سُنَّةٌ ، فَهِيَ سُنَّةٌ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارَهِ أَشْيَاخٌ ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ : لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا ، فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ ) .

فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيَانُ هَذِهِ السُّنَّةِ الْوَاضِحَةِ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الشَّرْعِ مِنِ اسْتِحْبَابِ التَّيَامُنِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِكْرَامِ .

وَفِيهِ أَنَّ الْأَيْمَنَ فِي الشَّرَابِ وَنَحْوِهِ يُقَدَّمُ ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولًا ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ الْأَعْرَابِيَّ وَالْغُلَامَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْأَفَاضِلِ وَالْكِبَارِ فَهُوَ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي بَاقِي الْأَوْصَافِ ، وَلِهَذَا يُقَدَّمُ الْأَعْلَمُ وَالْأَقْرَأُ عَلَى الْأَسَنِّ النَّسِيبِ فِي الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ .

وَقَوْلُهُ : ( شِيبَ ) أَيْ خُلِطَ ، وَفِيهِ جَوَازُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ شَوْبِهِ إِذَا أَرَادَ بَيْعَهَ ؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْحِكْمَةُ فِي شَوْبِهِ أَنْ يَبْرُدَ أَوْ يَكْثُرَ أَوْ لِلْمَجْمُوعِ .




[ سـ :3899 ... بـ :2029]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَارَنَا فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ وَشِيبَ لَهُ مِنْ بِئْرٍ فِي الدَّارِ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ فَأَعْطَاهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَمِينِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ

قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَكُنَّ أُمَّهَاتِي تَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ ) الْمُرَادُ بِأُمَّهَاتِهِ أُمُّهُ أُمُّ سُلَيْمٍ وَخَالَتُهُ أُمُّ حَرَامٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مَحَارِمِهِ ، فَاسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْأُمَّهَاتِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ يُجَوِّزُ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ، وَقَوْلُهُ : ( كُنَّ أُمَّهَاتِي ) عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ ، وَهِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الِاسْتِعْمَالِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ " وَنَظَائِرُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ ) هِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَهِيَ الَّتِي تُعْلَفُ فِي الْبُيُوتِ ، يُقَالُ : دَجَنَتْ تَدْجُنُ دُجُونًا ، وَيُطْلَقُ الدَّاجِنُ أَيْضًا عَلَى كُلِّ مَا يَأْلَفُ الْبَيْتَ مِنْ طَيْرٍ وَغَيْرِهِ .

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ ) ضُبِطَ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ ، وَهُمَا صَحِيحَانِ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ : أَعْطِ الْأَيْمَنَ ، وَالرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ الْأَيْمَنُ أَحَقُّ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ . وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، ( الْأَيْمَنُونَ ) وَهُوَ يُرَجِّحُ الرَّفْعَ .

وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ ، إِنَّمَا قَالَهُ لِلتَّذْكِيرِ بِأَبِي بَكْرٍ مَخَافَةً مِنْ نِسْيَانِهِ ، وَإِعْلَامًا لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ بِجَلَالَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .




[ سـ :3900 ... بـ :2029]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ أَبِي طُوَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ قَالَ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِنَا فَاسْتَسْقَى فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِي هَذِهِ قَالَ فَأَعْطَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ وَعُمَرُ وِجَاهَهُ وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شُرْبِهِ قَالَ عُمَرُ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُرِيهِ إِيَّاهُ فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ قَالَ أَنَسٌ فَهِيَ سُنَّةٌ فَهِيَ سُنَّةٌ فَهِيَ سُنَّةٌ

قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي طُوَالَةَ ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ ضَمَّهَا وَفَتْحَهَا ، قَالُوا : وَلَا يُعْرَفُ فِي الْمُحَدِّثِينَ مَنْ يُكْنَى أَبَا طُوَالَةَ غَيْرُهُ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي الْكُنَى الْمُفْرَدَةِ .

قَوْلُهُ : ( وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وُجَاهَهُ ) هُوَ بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ أَيْ قُدَّامَهُ مُوَاجِهًا لَهُ .

قَوْلُهُ : ( يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيِّ ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَارَةِ الْقَبِيلَةِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .




[ سـ :3901 ... بـ :2030]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ فَقَالَ لِلْغُلَامِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ح وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَقُولَا فَتَلَّهُ وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ قَالَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ

وَقَوْلُهُ : ( فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ ) أَيْ وَضَعَهُ فِيهَا ، وَقَدْ جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ؛ وَمِنَ الْأَشْيَاخِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قِيلَ : إِنَّمَا اسْتَأْذَنَ الْغُلَامَ دُونَ الْأَعْرَابِيِّ إِدْلَالًا عَلَى الْغُلَامِ وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَثِقَةً بِطِيبِ نَفْسِهِ بِأَصْلِ الِاسْتِئْذَانِ وَالْأَشْيَاخُ أَقَارِبُهُ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : ( عَمُّكَ وَابْنُ عَمِّكَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ ) وَفَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا تَأَلُّفًا لِقُلُوبِ الْأَشْيَاخِ ، وَإِعْلَامًا بِوُدِّهِمْ وَإِيثَارِ كَرَامَتِهِمْ إِذَا لَمْ تَمْنَعْ مِنْهَا سُنَّةٌ ، وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ أَيْضًا بَيَانَ هَذِهِ السُّنَّةِ ، وَهِيَ أَنَّ الْأَيْمَنَ أَحَقُّ ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِئْذَانِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِذْنُ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَلَّا يَأْذَنَ إِنْ كَانَ فِيهِ تَفْوِيتُ فَضِيلَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ ، وَمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ كَهَذِهِ الصُّورَةِ ، وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْثَرُ فِي الْقُرَبِ ، وَإِنَّمَا الْإِيثَارُ الْمَحْمُودُ مَا كَانَ فِي حُظُوظِ النَّفْسِ دُونَ الطَّاعَاتِ ، قَالُوا : فَيُكْرَهُ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بِمَوْضِعِهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهُ .

وَأَمَّا الْأَعْرَابِيُّ فَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ مَخَافَةَ مِنْ إِيحَاشِهِ فِي اسْتِئْذَانِهِ فِي صَرْفِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرُبَّمَا سَبَقَ إِلَى قَلْبِ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ شَيْءٌ يَهْلِكُ بِهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَفَتِهَا ، وَعَدَمِ تَمَكُّنِهِ فِي مَعْرِفَتِهِ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى تَأَلُّفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلْبَ مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ .

وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعِلْمِ : مِنْهَا أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْيَمِينِ فِي الشَّرَابِ وَنَحْوِهِ سُنَّةٌ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالشَّرَابِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ : لَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ فِي الشَّرَابِ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ فِي غَيْرِهِ بِالْقِيَاسِ لَا بِسُنَّةٍ مَنْصُوصَةٍ فِيهِ . وَكَيْفَ كَانَ فَالْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّيَامُنِ فِي الشَّرَابِ وَأَشْبَاهِهِ .

وَفِيهِ جَوَازُ شُرْبِ اللَّبَنِ الْمَشُوبِ . وَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مُبَاحٍ أَوْ مَجْلِسِ الْعَالِمِ وَالْكَبِيرِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .