فهرس الكتاب

شرح النووى على مسلم - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ

باب بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ
[ سـ :122 ... بـ :61]
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فِيمَنِ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ ، كَفَرَ ) ، فَقِيلَ : فِيهِ تَأْوِيلَانِ :

أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِلِّ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ كُفْرُ النِّعْمَةِ وَالْإِحْسَانِ وَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحَقِّ أَبِيهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكُفْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ . وَهَذَا كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( يَكْفُرْنَ ) ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِكُفْرَانِهِنَّ الْإِحْسَانَ وَكُفْرَانِ الْعَشِيرِ . وَمَعْنَى ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ أَيِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ ، وَاتَّخَذَهُ أَبًا .

وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَهُوَ يَعْلَمُ ) تَقْيِيدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّ الْإِثْمَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْعَالِمِ بِالشَّيْءِ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا ) فَقَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى هَدْيِنَا وَجَمِيلِ طَرِيقَتِنَا ; كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِابْنِهِ لَسْتَ مِنِّي وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) قَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْمُقَدِّمَةِ بَيَانَهُ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ فَلْيَنْزِلْ مَنْزِلَهُ مِنْهَا ، أَوْ فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلًا بِهَا ، وَأَنَّهُ دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ بِلَفْظِ الْأَمْرِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ وَمَعْنَاهُ : هَذَا جَزَاؤُهُ فَقَدْ يُجَازَى ، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ ، وَقَدْ يُوَفَّقُ لِلتَّوْبَةِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ دَعْوَى مَا لَيْسَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ أَمْ لَا . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ الْحَاكِمُ إِذَا كَانَ لَا يَسْتَحِقُّهُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ ، أَوْ قَالَ : عَدُوَّ اللَّهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ ) فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ قِيلَ إِنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى الْمَعْنَى . وَتَقْرِيرُهُ مَا يَدْعُوهُ أَحَدٌ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ) فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ جَارِيًا عَلَى اللَّفْظِ . وَضَبَطْنَا ( عَدُوَّ اللَّهِ ) عَلَى وَجْهَيْنِ : الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ . وَالنَّصْبُ أَرْجَحُ عَلَى النِّدَاءِ أَيْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ أَيْ هُوَ عَدُوُّ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ لِأَخِيهِ : ( كَافِرٌ ) فَإِنَّا ضَبَطْنَاهُ ( كَافِرٌ ) بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَمَّا أَسَانِيدُ الْبَابِ فَفِيهِ : ( ابْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ) .

فَأَمَّا ( ابْنُ بُرَيْدَةَ ) فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيُّ وَلَيْسَ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ أَخَاهُ . وَهُوَ وَأَخُوهُ سُلَيْمَانُ ثِقَتَانِ سَيِّدَانِ تَابِعِيَّانِ جَلِيلَانِ وُلِدَا فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .

وَأَمَّا ( يَعْمَرَ ) فَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بُرَيْدَةَ وَيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ فِي أَوَّلِ إِسْنَادٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ .

وَأَمَّا ( أَبُو الْأَسْوَدِ ) فَهُوَ الدُّؤَلِيُّ وَاسْمُهُ ظَالِمُ بْنُ عَمْرٍو ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ ظَالِمٍ ، وَقِيلَ : عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقِيلَ : عَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : اسْمُهُ عُوَيْمِرُ بْنُ ظُوَيْلِمٍ ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ قَاضِيهَا ، وَكَانَ مِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ ، وَهُوَ الَّذِي وَضَعَ النَّحْوَ ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ .

وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ جِلَّةٌ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ : ابْنُ بُرَيْدَةَ وَيَحْيَى ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ .

وَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَالْمَشْهُورُ فِي اسْمِهِ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ بُرَيْرٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ ، وَاسْمُ أُمِّهِ رَمْلَةُ بِنْتُ الْوَقِيعَةِ كَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ ، وَقِيلَ خَامِسَ خَمْسَةٍ ، مَنَاقِبُهُ مَشْهُورَةٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .




[ سـ :123 ... بـ :62]
حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ

قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( مَنِ ادَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ ، يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ) أَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُولَى فَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ " فَفِيهِ التَّأْوِيلَانِ اللَّذَانِ قَدَّمْنَاهُمَا فِي نَظَائِرِهِ

أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ ،

وَالثَّانِي أَنَّ جَزَاءَهُ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ أَوَّلًا عِنْدَ دُخُولِ الْفَائِزِينَ وَأَهْلِ السَّلَامَةِ ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يُجَازَى فَيُمْنَعُهَا عِنْدَ دُخُولِهِمْ ، ثُمَّ يَدْخُلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ لَا يُجَازَى بَلْ يَعْفُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُ ، وَمَعْنَى حَرَامٌ : مَمْنُوعَةٌ ، وَيُقَالُ : رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ أَيْ : تَرَكَ الِانْتِسَابَ إِلَيْهِ ، وَجَحَدَهُ ، يُقَالُ : رَغِبْتُ عَنِ الشَّيْءِ تَرَكْتُهُ وَكَرِهْتُهُ ، وَرَغِبْتُ فِيهِ اخْتَرْتُهُ وَطَلَبْتُهُ .

وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُثْمَانَ : لَمَّا ادُّعِيَ زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ : سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ : مَنِ ادَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ : أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ الْإِنْكَارُ عَلَى أَبِي بَكْرَةَ ; وَذَلِكَ أَنَّ زِيَادًا هَذَا الْمَذْكُورَ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِزِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَيُقَالُ فِيهِ : زِيَادُ بْنُ أَبِيهِ ، وَيُقَالُ : زِيَادُ بْنُ أُمِّهِ ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرَةَ لِأُمِّهِ ، وَكَانَ يُعْرَفُ بِزِيَادِ بْنِ عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ ، ثُمَّ ادَّعَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ; فَلِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَانَ لِأَبِي بَكْرَةَ مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ ؟ وَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَهَجَرَ بِسَبَبِهِ زِيَادًا ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا . وَلَعَلَّ أَبَا عُثْمَانَ لَمْ يَبْلُغْهُ إِنْكَارُ أَبِي بَكْرَةَ حِينَ قَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَامَ ، أَوْ يَكُونُ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ : مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ ؟ أَيْ مَا هَذَا الَّذِي جَرَى مِنْ أَخِيكَ ؟ مَا أَقْبَحَهُ وَأَعْظَمَ عُقُوبَتَهُ ! فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ عَلَى فَاعِلِهِ الْجَنَّةَ .

وَقَوْلُهُ : ( ادُّعِيَ ) ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَيِ ادَّعَاهُ مُعَاوِيَةُ . وَوُجِدَ بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي عَامِرٍ الْعَبْدَرِيِّ ادَّعَى بِفَتْحِ الدَّالِ وَالْعَيْنِ عَلَى أَنَّ زِيَادًا هُوَ الْفَاعِلُ وَهَذَا لَهُ وَجْهٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ ادَّعَاهُ ، وَصَدَّقَهُ زِيَادٌ ، فَصَارَ زِيَادٌ مُدَّعِيًا أَنَّهُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ ( سَمِعَ أُذُنَايَ ) فَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ سَمِعَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَأُذُنَايَ بِالتَّثْنِيَةِ . وَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو كَوْنَهُ أُذُنَايَ بِالْأَلِفِ عَلَى التَّثْنِيَةِ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي الْفَتْحِ السَّمَرْقَنْدِيِّ عَنْ عَبْدِ الْغَافِرِ قَالَ : وَهُوَ فِيمَا يُعْتَمَدُ مِنْ أَصْلِ أَبِي الْقَاسِمِ الْعَسَاكِرِيِّ وَغَيْرِهِ ( أُذُنَيَّ ) بِغَيْرِ أَلِفٍ . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ ضَبَطَهُ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَأُذُنِي بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ قَالَ : وَضَبَطْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَيَّانِيِّ بِضَمِّ الْعَيْنِ مَعَ إِسْكَانِ الْمِيمِ وَهُوَ الْوَجْهُ . قَالَ سِيبَوَيْهِ : الْعَرَبُ تَقُولُ : سَمِعَ أُذُنَيَّ زَيْدًا يَقُولُ كَذَا . وَحُكِيَ عَنِ الْقَاضِي الْحَافِظِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ سَكْرَةَ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا . وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي وَلَيْسَ إِنْكَارُهُ بِشَيْءٍ . بَلِ الْأَوْجُهُ الْمَذْكُورَةُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ ظَاهِرَةٌ . وَيُؤَيِّدُ كَسْرَ الْمِيمِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَمَعْنَى وَوَعَاهُ حَفِظَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِسْنَادِ فَفِيهِ هَارُونَ الْأَيْلِيُّ بِالْمُثَنَّاةِ . وَعِرَاكٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ بِالْكَافِ . وَفِيهِ ( أَبُو عُثْمَانَ ) وَهُوَ النَّهْدِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ ، وَاسْمُهُ ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَلٍّ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا مَعَ تَشْدِيدِ اللَّامِ ، وَيُقَالُ مِلْءٍ بِالْكَسْرِ مَعَ إِسْكَانِ اللَّامِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ آخِرِ الْمُقَدِّمَةِ .

وَأَمَّا ( أَبُو بَكْرَةَ ) فَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ ، وَأُمُّهُ وَأُمُّ أَخِيهِ زِيَادٍ سُمَيَّةُ . أَمَةُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ . وَقِيلَ لَهُ أَبُو بَكْرَةَ لِأَنَّهُ تَدَلَّى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ بِبَكْرَةَ . مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ إِحْدَى ، وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .