فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب الصلاة بمنى

باب الصَّلاَةِ بِمِنًى
( باب) حكم ( الصلاة بمنى) بكسر الميم يذكر ويؤنث.
فإن قصد الموضع: فمذكر، ويكتب بالألف وينصرف، وإن قصد البقعة: فمؤنث، ولا ينصرف، ويكتب بالياء.
والمختار: تذكيره.

وسمي منًى، لما يمنى فيه، أي: يراق من الدماء.
والمراد: الصلاة بها في أيام الرمي.

واختلف في المقيم بها: هل يقصر أو يتم؟.

ومذهب المالكية: القصر حتى أهل مكة وعرفة ومزدلفة للسنة، إلا فليس ثم مسافة قصر، فيتم أهل منى بها، ويقصرون بعرفة ومزدلفة؛ وضابطه عندهم: أن أهل كل مكان يتمون به ويقصرون فيما سواه.

وأجيب بحديث: أنه عليه الصلاة والسلام.
كان يصلّي بمكة ركعتين، ويقول: يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر، رواه الترمذي.

فكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى: استغناء بما تقدم بمكة.

وأجيب: بأن الحديث ضعيف لأنه من رواية علي بن جدعان، سلمنا صحته، لكن القصة كانت في الفتح، ومنى: كانت فى حجة الوداع، فكان لا بد من بيان ذلك لبعد العهد.


[ قــ :1046 ... غــ : 1082 ]
- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنه- قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا".
[الحديث 1082 - طرفه في: 1655] .


وبه قال: ( حدّثنا مسدد قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان ( عن عبيد الله) بضم العين، ابن عمر بن حفص ( قال: أخبرني) بالإفراد ( نافع عن عبد الله، رضي الله عنه) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما ( قال) :
( صليت مع النبي، -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بمنى) أي: وغيره، كما عند مسلم من رواية سالم عن أبيه: الرباعية ( ركعتين) للسفر ( و) كذا مع ( أبي بكر) الصديق ( وعمر) الفاروق ( ومع عثمان) ذي النورين رضي الله عنهم ( صدرًا من إمارته) بكسر الهمزة، أي: من أول خلافته، وكانت مدتها ثمان سنين، أو ست سنين ( ثم أتمها) بعد ذلك لأن الإتمام والقصر جائزان، ورأى ترجيح طرف الإتمام لما فيه من المشقّة.




[ قــ :1047 ... غــ : 1083 ]
- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: "صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ".
[الحديث 1083 - طرفه في: 1656] .

وبه قال: ( حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي ( قال: حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا ( شعبة) بن الحجاج ( قال: أنبأنا) من الإنباء، وهو في عرف المتقدمين بمعنى الأخبار والتحديث، ولم يذكر هذا اللفظ فيما سبق ( أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي ( قال: سمعت حارثة بن وهب) بالحاء المهملة والمثلثة، الخزاعي، أخا عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه ( قال) :
( صلّى بنا النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أمن) بمد الهمزة وفتحات، أفعل تفضيل من الأمن، ضد الخوف ( ما كان) وللحموي والكشميهني: ما كانت، بزيادة تاء التأنيث ( بمنى) الرباعية ( ركعتين) .

وكلمة: ما، مصدرية ومعناه الجمع، لأن ما أضيف إليه التفضيل يكون جمعًا، والمعنى: صلّى بنا، والحال إنّا أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا من غير خوف.
وإسناد الأمن إلى الأوقات مجاز، والباء في "بمنى" ظرفية تتعلق بقوله: صلّى، وفيه دليل على جواز القصر في السفر من غير خوف.

وإن دل ظاهر قوله تعالى: { إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] على الاختصاص، لأن ما في الحديث رخصة، وما في الآية عزيمة، يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام، المروي في مسلم: "صدقة تصدق الله بها عليكم".

ورواة هذا الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: التحديث والإنباء والسماع والقول، وأخرجه أيضًا في الحج، ومسلم في: الصلاة وأبو داود في: الحج، وكذا الترمذي والنسائي.




[ قــ :1048 ... غــ : 1084 ]
- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: "صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -رضي الله عنه- بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه-، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه-

بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ".
[الحديث 1084 - طرفه 1657] .

وبه قال: ( حدّثنا قتيبة) ، ولأبي ذر، والأصيلي: قتيبة بن سعيد ( قال: حدّثنا عبد الواحد) العبدي، ولأبي ذر: ابن زياد ( عن الأعمش) سليمان بن مهران.
( قال: حدّثنا) بالجمع، ولابن عساكر: حدّثني ( إبراهيم) النخعي لا التيمي ( قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد) من الزيادة النخعي ( يقول) :
( صلّى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه) المكتوبة الرباعية ( بمنى) في حال إقامته بها أيام الرمي ( أربع ركعات) .

( فقيل ذلك) وللأصيلي، وأبي ذر: فقيل في ذلك أي: فما ذكر من صلاة عثمان أربع ركعات ( لعبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، فاسترجع) قال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، لما رأى من تفويت عثمان لفضيلة القصر، لا لكون الإتمام لا يجزي ( ثم قال) :
( صليت مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) المكتوبة ( بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر) ولأبوي ذر، والوقت والأصيلي زيادة: الصديق ( رضي الله عنه بمنى، وصليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بمنى ركعتين) وسقط قوله: بمنى، عند أبي ذر في أصل، وثبت في غيره ( فليت حظي) بالحاء المهملة والظاء المعجمة، أي: فليت نصيبي ( من أربع ركعات ركعتان) وللأصيلي: من أربع ركعتان ( متقبلتان) .

من، في قوله: من أربع للبدلية كهي في { أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ} [التوبة: 38] .

وفيه تعريض بعثمان، أي: ليته صلّى ركعتين بدل الأربع، كما صلّى النبي، -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وصاحباه وهو إظهار لكراهة مخالفتهم.

لا يقال: إن ابن مسعود كان يرى القصر واجبًا كما قال الحنفية، وإلاّ لما استرجع، ولا أنكر بقوله: "صليت مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ... " إلى آخره.
لأنا نقول: قوله: ليت حظي من أربع ركعات يرد ذلك، لأن ما لا يجزئ لا حظ له فيه، لأنه فاسد، ولولا جواز الإتمام لم يتابع هو والملأ من الصحابة عثمان عليه.

ويؤيده ما روى أبو داود: أن ابن مسعود صلّى أربعًا فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت أربعًا فقال: الخلاف شر إذ لو كان بدعة لكان مخالفته خيرًا وصلاحًا.

ورواة هذا الحديث ما بين: بلخي وبصري وكوفي وفيه: التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه أيضًا في الحج، ومسلم في: الصلاة، وأبو داود في الحج وكذا النسائي.


باب كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَجَّتِهِ؟
هذا ( باب) بالتنوين ( كم أقام النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حجته؟) .


[ قــ :1048 ... غــ : 1085 ]
- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: "قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، إِلاَّ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ".
تَابَعَهُ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ.
[الحديث 1085 - أطرافه في: 1564، 505، 383] .

وبه قال: ( حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي البصري ( قال: حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد ( قال: حدّثنا أيوب) السختياني ( عن أبي العالية البراء) بتشديد الراء، وكان يبري النبل أو القصب، واسمه زياد بن فيروز على المشهور، وليس هو أبا العالية الرياحي ( عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال) :
( قدم النبي، -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأصحابه) مكة يوم الأحد ( لصبح رابعة) من ذي الحجة، وخرج إلى منى: في الثامن، فصلّى بمكة إحدى وعشرين صلاة، من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن، فهي أربعة أيام ملفقة، وهذا موضع الترجمة، وإن لم يصرح في الحديث بغاية فإنها معروفة في الواقع.

أو المراد: إقامته إلى أن توجه إلى المدينة وهي عشرة أيام سواء، كما مر في حديث أنس.

وكنى بقوله ( يلبون بالحج) عن الإحرام، والجملة حالية، أي: قدم، عليه السلام، وأصحابه، حال كونهم محرمين بالحج ( فأمرهم) عليه الصلاة والسلام ( أن يجعلوها) أي حجتهم ( عمرة) وليس هذا من باب الإضمار قبل الذكر، لأن قوله: بالحج، يدل على الحجة ( إلا من معه) وللكشميهني: إلا من كان معه ( الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال: ما يهدى من النعم تقربًا إلى الله تعالى.

ووجه استثناء المهدي أنه لا يجوز له التحلل { حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] .

وفسخ الحج خاص بالصحابة الذين حجوا معه عليه الصلاة والسلام، كما رواه أبو داود، وابن ماجة.

ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: هدي بالتنكير.

ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم والنسائي في الحج.

( تابعه) أي: تابع أبا العالية ( عطاء) أي: ابن أبي رباح في روايته ( عن جابر) أي: ابن عبد الله، وهي موصولة عند المؤلّف في: باب التمتع والقران والإفراد، من كتاب الحج.