فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب وجوب صوم رمضان

كتاب الصوم
( بسم الله الرحمن الرحيم) كذا في فرع اليونينية وفي غيرها بتقديم البسملة.
( كتاب الصوم) وفي رواية النسفيّ كما في فتح الباري كتاب الصيام بكسر الصاد والياء بدل الواو وهما مصدران لصام، -وثبتت البسملة- للجميع وذكر الصوم متأخرًا عن الحج أنسب من ذكره عقب الزكاة لاشتمال كل منهما على بذل المال، فلم يبق للصوم موضع إلا الأخير وهو ربع الإيمان لقوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الصوم نصف الصبر" وقوله "الصبر نصف الإيمان".
وشرعه سبحانه لفوائد أعظمها كسر النفس وقهر الشيطان فالشبع نهر في النفس يرده الشيطان والجوع نهر في الروح ترده الملائكة.
ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه كثير من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقّة له بذلك يتذكر به من منع ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله تعالى عليه بالغنى ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك.
وهو لغة الإمساك ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: { إني نذرت للرحمن صومًا} [مريم: 26] أي إمساكًا وسكوتًا عن الكلام وقول النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وشرعًا إمساك عن المفطر على وجه مخصوص.
وقال الطيبي: إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين والاستمناء والاستقاء فهو وصف سلبيّ وإطلاق العمل عليه تجوّز.


باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]
( باب وجوب صوم) شهر ( رمضان) وكان في شعبان من السنة الثانية من الهجرة ورمضان مصدر رمض إذا احترق لا ينصرف للعلمية والألف والنون، وإنما سموه بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش أو لارتماض الذنوب فيه، أو لوقوعه أيام رمض الحر حيث نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر أو من رمض الصائم اشتد حر جوفه أو لأنه يحرق الذنوب.
ورمضان إن صح أنه من أسماء الله تعالى فغير مشتق أو راجع إلى معنى الغافر أي يمحو الذنوب ويمحقها.

وقد روى أبو أحمد بن عدي الجرجاني من حديث نجيح أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى" وفيه أبو معشر ضعيف لكن قالوا يكتب حديثه.

( وقول الله تعالى) : بالجر عطفًا على سابقه ( { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} ) يعني الأنبياء والأمم من لدن آدم وفيه توكيد للحكم وترغيب للفعل وتطييب للنفس ( { لعلكلم تتقون} ) [البقرة: 183] المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما قال عليه الصلاة والسلام فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء، وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمة أم لا؟ إن قلنا إن التشبيه الذي يدل عليه كاف كما في قوله: ( { كما كتب على الذين من قبلكم} ) على حقيقته فيكون رمضان كتب على من قبلنا.
وذكر ابن أبي حاتم عن ابن عمر -رضي الله عنه- مرفوعًا صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم وفي إسناده مجهول، وإن قلنا: المراد مطلق الصوم دون قدره ووقته فيكون التشبيه واقعًا على مطلق الصوم وهو قول الجمهور.


[ قــ :1805 ... غــ : 1891 ]
- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: "أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا.
فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا.
فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ.
قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ شَيْئًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ.
أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ".


وبالسند قال: ( حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال ( حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المدني ( عن أبي سهيل) بضم السين وفتح الهاء مصغرًا نافع ( عن أبيه) مالك بن أبي عامر أبي أنس الأصبحي المدني جدّ مالك الإمام ( عن طلحة بن عبيد الله) أحد العشرة المبشرة بالجنة.

( أن أعرابيًّا) تقدم في الإيمان أنه ضمام بن ثعلبة ( جاء إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) : حال كونه ( ثائر الرأس) بالمثلثة أي منتفش شعر الرأس ( فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصلاة؟) بالإفراد ( فقال) : رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو ( الصلوات الخمس) في اليوم والليلة ولأبي ذر: الصلوات الخمس بالنصب بتقدير فرض زاد في الإيمان فقال هل عليّ غيرها؟ فقال: لا.
( إلا أن تطوّع شيئًا؟) بتشديد الطاء وقد تخفف وهل الاستثناء منقطع أو متصل، فعلى الأول يكون المعنى لكن التطوّع مستحب لك وحينئذ لا تلزم النوافل بالشروع فيها، وقد روى النسائي وغيره أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان أحيانًا ينوي صوم التطوّع ثم يفطر فدلّ على أن الشروع في النفل لا يستلزم الإتمام فهذا نص في الصوم وبالقياس في الباقي، وقال الحنفية: متصل واستدلوا به على أن الشروع في التطوّع يلزم إتمامه لأنه نفى وجوب شيء آخر إلا تطوّع به والاستثناء من النفي إثبات والمنفي وجوب شيء آخر فيكون
المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوّع به وهو المطلوب، وهذا مغالطة لأن هذا الاستثناء من وادي قوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} [النساء: 22] وقوله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان: 56] أي لا يجب عليك شيء قط إلا أن تطوّع، وقد علم أن التطوع ليس بواجب فيلزم ( فقال) الأعرابي ( أخبرني) يا رسول الله ( ما) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: بما ( فرض الله عليّ من الصيام؟) ( فقال) : عليه الصلاة والسلام: فرض الله عليك ( شهر رمضان) زاد في الإيمان فقال: هل عليّ غيره؟ فقال: لا.
( إلا أن تطوع شيئًا فقال) : الأعرابي ( أخبرني ما فرض الله عليّ من الزكاة فقال) : ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: قال: ( فأخبره رسول الله) بشرائع الإسلام الشاملة لنصب الزكاة ومقاديرها والحج وأحكامه أو كان الحج لم يفرض أو لم يفرض على الأعرابي السائل وبهذا يزول الإشكال عن الإخبار بفلاحه لتناوله جميع الشرائع، وفي رواية غير أبي ذر وابن عساكر شرائع بحذف باء الجر والنصب على المفعولية.
( قال) الأعرابي ( و) الله ( الذي أكرمك) زاد الكشميهني بالحق ( لا أتطوّع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئًا فقال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أفلح) أي ظفر وأدرك بغيته دنيا وأخرى ( إن صدق.
أو دخل الجنة)
، ولأبي ذر أو أدخل الجنة ( إن صدق) .
والشك من الراوي.

فإن قلت: مفهومه أنه إذا تطوع لا يفلح أو لا يدخل الجنة؟ أجيب: بأنه مفهوم مخالفة ولا عبرة به ومفهوم الموافقة مقدم عليه فإذا تطوّع يكون مفلحًا بالطريق الأولى.

وفي الحديث دلالة على أنه لا فرض في الصوم إلا رمضان وسبق في كتاب الإيمان كثير من مباحثه.





[ قــ :1806 ... غــ : 189 ]
- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: "صَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لاَ يَصُومُهُ إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ".
[الحديث 189 - طرفاه في: 000، 4501] .

وبه قال ( حدّثنا مسدد) قال ( حدّثنا إسماعيل) بن علية ( عن أيوب) السختياني ( عن نافع) مولى ابن عمر ( عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال) : ( صام النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عاشوراء) ، بالمد ويقصر العاشر من المحرم أو هو التاسع منه مأخوذ من اظماء الإبل فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورد ربعًا وكذا باقيها على هذه النسبة فيكون التاسع عشرًا والأول هو الصحيح.

( وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك) صوم عاشوراء واستدل به الحنفية على أنه كان فرضًا ثم نسخ بفرض رمضان وهو وجه عند الشافعية والمشهور عندهم أنه لم يجب قط صوم قبل رمضان ويدل لذلك حديث معاوية مرفوعًا لم يكتب الله عليكم صيامه.

( وكان عبد الله) بن عمر راوي الحديث ( لا يصومه) أي عاشوراء مخافة ظن وجوبه أو أن يعظم في الإسلام كالجاهلة وإلاّ فهو سنة كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى: ( إلا أن يوافق صومه) .
الذي كان يعتاده فيصومه على عادته لا لتنفله بعاشوراء.




[ قــ :1807 ... غــ : 1893 ]
- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- "أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ،.

     وَقَالَ  رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ".

وبه قال ( حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال: ( حدّثنا الليث) بن سعد الإمام ( عن يزيد بن أبي حبيب) المصري أبي رجاء واسم أبيه سويد ( أن عراك بن مالك) بكسر العين وتخفيف الراء وبعد الألف كاف ( حدثه أن عروة) بن الزبير بن العوّام ( أخبره عن عائشة -رضي الله عنها-) :
( أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية) وكان رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصومه في الجاهلية ( ثم أمر رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) الناس ( بصيامه) لما قدم المدينة وصامه معهم ( حتى فرض رمضان، وقال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: من شاء فليصمه) أي عاشوراء ولأبي ذر عن الكشميهني فليصم بحذف ضمير المفعول ( ومن شاء أفطر) بحذف الضمير ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أفطره بإثباته وقال: في بلفظ الأمر وفي الإفطار أفطر إشعارًا بأن جانب الصوم أرجح.

وهذا الحديث أخرجه مسلم وأخرجه النسائي في الحج والتفسير.