فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب قول الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187]

باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فِيهِ الْبَرَاءُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
( باب قول الله تعالى) مخاطبًا للمسلمين ( {وكلوا واشربوا}) بعد أن كنتم ممنوعين منهما بعد النوم في رمضان ( {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}) ، بيان للخيط الأبيض ( {ثم أتموا الصيام إلى الليل}) [البقرة 187] فإنه آخر وقته.
وحتى للغاية واستشكل بأنه يلزم منه أن يؤكل جزء من النهار.

وأجيب: بأن الغاية غايتان غاية مدّ وهي التي لو لم تذكر لم يدخل ما بعدها حال ذكرها في حكم ما قبلها، وغاية إسقاط وهي التي لم تذكر لكان ما بعدها داخلاً في حكم ما قبلها فالأول {أتموا الصيام إلى الليل} والثاني {إلى المرافق} أي: واتركوا ما بعد المرافق ويأتي مثل هذا في

قوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "حتى يؤذن ابن أم مكتوم" ولفظ رواية ابن عساكر: وكلوا واشربوا إلى قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} ( فيه) أي في الباب حديث رواه ( البراء) في الباب السابق موصولاً ولابن عساكر عن البراء ( عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) .


[ قــ :1834 ... غــ : 1916 ]
- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رضي الله عنه- قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلاَ يَسْتَبِينُ لِي.
فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ".
[الحديث 1916 - طرفاه في: 4509، 4510] .

وبالسند قال: ( حدّثنا حجاج بن منهال) السلمي الأنماطي، ولابن عساكر: الحجاج بن منهال قال: ( حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة ابن بشير بضم الموحدة وفتح المعجمة مصغرين السلمي ( قال: أخبرني) بالإفراد ( حصين بن عبد الرحمن) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين السلمي أيضًا ( عن الشعبى) بفتح المعجمة وسكون المهملة عامر بن شراحيل ( عن عدي بن حاتم) الصحابي ( -رضي الله عنه- قال: لما نزلت) ( {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع، ولأحمد من طريق مجالد: علمني رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-الصلاة والصيام وقال: صل كذا وصم كذا فإذا غابت الشمس فكل حتى {يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ( عمدت) بفتح الميم ( إلى عقال) بكسر العين حبل ( أسود وإلى عقال أبيض فجعلتها تحت وسادتي، فجعلت أنظر) إليهما ( في الليل فلا يستبين لي) فلا يظهر لي، وفي رواية مجالد: فلا أستبين الأبيض من الأسود ( فغدوت على رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فذكرت له ذلك) ولغير أبي الوقت فذكرت ذلك له ( فقال) عليه الصلاة والسلام:
( إنما ذلك) المذكور في قوله حتى {يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ( سواد الليل وبياض النهار) وفي التفسير قلت: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين.
ثم قال: لا بل هما سواد الليل وبياض النهار.

وحديث الباب أخرجه أيضًا في التفسير ومسلم في الصوم وكذا أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.




[ قــ :1835 ... غــ : 1917 ]
- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ح.

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: "أُنْزِلَتْ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} وَلَمْ يَنْزِلْ {مِنَ الْفَجْرِ} فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ

الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: {مِنَ الْفَجْرِ} فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ".
[الحديث 1917 - طرفه في: 4511] .

وبه قال: ( حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي قال: ( حدّثنا ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي عبد العزيز ( عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار ( عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين الساعدي ( ح) لتحويل السند.

( وحدثني) بالإفراد ( سعيد بن أبي مريم) قال ( حدّثنا أبو غسان) بالغين المعجمة والمهملة المشددة ( محمد بن مطرّف) ولفظ المتن له ( قال: حدثني) بالإفراد ( أبو حازم) سلمة ( عن سهل بن سعد قال: أنزلت) ( {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ( ولم ينزل) قوله تعالى: ( {من الفجر}) فكان بالفاء ولأبي الوقت: وكان ( رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله) بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت رجليه ( الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: ولا يزال ( يأكل حتى يتبين له) بالمثناة التحتية ثم الفوقية والموحدة وتشديد المثناة التحتية ولأبي ذر: تتبين بمثناتين فوقيتين قبل الموحدة، وللكشميهني: حتى يستبين له بسين مهملة ساكنة مع التخفيف ( رؤيتهما) أي الخيطين ( فأنزل الله) عز وجل قوله: ( {من الفجر}) قال البيضاوي شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل بخيطين أبيض وأسود واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله من الفجر عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه وبذلك خرجا من الاستعارة إلى التمثيل، ويجوز أن تكون من للتبعيض فإن ما يبدو بعض الفجر وما روي أنها نزلت ولم ينزل من الفجر، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط فنزلت لعله كان قبل دخول رمضان وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز واكتفي أولاً باشتهارهما في ذلك ثم صرح بالبيان لما التبس على بعضهم، وذكر في الفتح والعمدة والتنقيح والمصابيح أن حديث عدي يقتضي نزول قوله تعالى: {من الفجر} متصلاً بقوله: {من الخيط الأسود} وحديث سهل بن سعد صريح في أنه لم ينزل إلا منفصلاً فإن حمل على واقعتين في وقتين فلا إشكال وإلاّ احتمل أن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل فإنما سمع الآية مجردة فحملها على ما وصل إليه فهمه حتى يتبين له الصواب، وعلى هذا يكون {من الفجر} متعلقًا بيتبين، وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقًا بمحذوف اهـ.

وليس في حديث عدي هنا عند المؤلّف بل ولا في التفسير ذكر من الفجر أصلاً فليتأمل نعم ثبت ذكره في روايته عند مسلم في صحيحه ( فعلموا) أي الرجال ( إنه إنما يعني) بقوله: {الخيط الأبيض والخيط الأسود} ( الليل والنهار) ولابن عساكر: من النهار.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وكذا النسائي.