فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب قتل الخنزير

باب قَتْلِ الْخِنْزِيرِ
وَقَالَ جَابِرٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْعَ الْخِنْزِيرِ.

( باب قتل الخنزير) هل هو مشروع.
فإن قلت: ما المناسبة في سوق هذا الباب هنا؟ أجيب بأنه أشار به إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه.

( وقال جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري -رضي الله عنهما- مما وصله المؤلّف في باب بيع الميتة والأصنام ( حرّم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بيع الخنزير) .


[ قــ :2136 ... غــ : 2222 ]
- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ».
[الحديث 2222 - أطرافه في: 2476، 3448، 3449] .

وبه قال: ( حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني البلخي قال: ( حدّثنا الليث) بن سعد الإمام ( عن ابن شهاب) محمد بن مسلم ( عن ابن المسيب) بفتح الياء المشددة سعيد ( أنه سمع أبا هريرة -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) :
( و) الله ( الذي نفسي بيده) قال العارف شمس الدين بن اللبان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارة لحقائق أنوار علوية يظهر عنها تصرفه وبطشه بدأ وإعادة تلك الأنوار متفاوتة في روح القرب وعلى حسب تفاوتها وسعة دوائرها تكون رتب التخصيص لما ظهر عنها ( ليوشكن) بلام التوكيد المفتوحة وكسر الشين المعجمة وتشديد النون ( أن ينزل فيكم) أي في هذه الأمة ( ابن مريم) بفتح أوّل ينزل وكسر ثالثه وأن مصدرية في محل رفع على الفاعلية أي ليسرعن أو ليقربن نزول ابن مريم من السماء ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعًا كفّيه على أجنحة ملكين ( حكمًا) بفتحتين أي حاكمًا ( مقسطًا) عادلاً يقال أقسط إذا عدل وقسط إذا جار أي حاكمًا من حكام هذه الأمة بهذه
الشريعة المحمدية لا نبيًّا برسالة مستقلة وشريعة ناسخة ( فيكسر الصليب) الذي تعظمه النصارى والأصل فيه ما روي أن رهطًا من اليهود سبوا عيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام فدعا عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقام رجل منهم فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب، وقيل كان رجلاً ينافقه فخرج ليدل عليه فدخل بيت عيسى ورفع عيسى وألقي شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون إنه عيسى، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه إله لا يصح قتله، وقال بعضهم: إنه قد قتل وصلب، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم: رفع إلى السماء، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا ثم تسلطوا على أصحاب عيسى عليه السلام بالقتل والصلب والحبس حتى بلغ أمرهم إلى صاحب الروم فقيل له إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويفعل العجائب فعدوا عليه فقتلوه وصلبوه، فأرسل إلى المصلوب فوضع عن جذعه وجيء بالجذع الذي صلب عليه فعظمه صاحب الروم وجعلوا منه صلبانًا، فمن ثم عظم النصارى الصلبان فكسر عيسى عليه الصلاة والسلام الصليب إذ نزل فيه تكذيبهم وإبطال لما يدعونه من تعظيمه وإبطال دين النصارى والفاء في فيكسر تفصيلية لقوله حكمًا والراء نصب عطفًا على الفعل المنصوب قبله وكذا قوله:
( ويقتل الخنزير) أي يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله وفيه بيان أنه نجس لأن عيسى عليه السلام إنما يقتله بحكم هذه الشريعة المحمدية، والشيء الطاهر المنتفع به لا يباح إتلافه، وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى ( ويضع الجزية) عن ذمتهم أي يرفعها وذلك بأن يحمل الناس على دين الإسلام فيسلمون وتسقط عنهم الجزية، وقيل يضعها يضربها عليهم ويلومهم إياها من غير محاباة وهذا قاله عياض احتمالاً، وتعقبه النووي بأن الصواب أن عيسى عليه السلام لا يقبل إلا الإسلام، والجزية وإن كانت مشروعة في هذه الشريعة إلا أن مشروعيتها تنقطع بزمن عيسى عليه السلام وليس عيسى بناسخ حكمها بل نبيّنا هو المبين للنسخ بقوله هذا والفعل بالنصب عطفًا على المنصوب السابق وكذا قوله: ( ويفيض) بفتح التحتية وكسر الفاء وبالضاد المعجمة أي يكثر ( المال حتى لا يقبله أحد) لكثرته واستغناء كل أحد بما في يديه بسبب نزول البركات وتوالي الخيرات بسبب العدل وعدم الظلم، وتخرج الأرض كنوزها وتقلّ الرغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة.
وقوله: ويفيض ضبطه الدمياطي بالنصب كما مرّ، وضبطه ابن التين السفاقسي بالرفع على الاستئناف قال لأنه ليس من فعل عيسى عليه الصلاة والسلام.

وهذا الحديث أخرجه في أحاديث الأنبياء، ومسلم في الإيمان، والترمذي في الفتن وقال: حسن صحيح.