فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق وأكل أبو بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم، «فلم يتوضئوا»

باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيق
وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ -رضي الله عنهم- لَحْمًا فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا.


هذا ( باب من لم يتوضأ من) أكل ( لحم الشاة) ونحوها مما هو مثلها وما دونها ( و) من أكل ( السويق) وهو ما اتخذ من شعير أو قمح مقلو يدق فيكون كالدقيق إذا احتيج إلى أكله خلط بماء أو لبن أو ربّ ونحوه.
( وأكل أبو بكر) الصديق ( وعمر) الفاروق ( وعثمان) ذو النورين ( رضي الله عنهم فلم يتوضؤوا) كذا في رواية أبي ذر إلا عن الكشميهني بحذف المفعول وهو يعم كل ما مسّت

النار وغيره، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني والحموي والأصيلي، وأكل أبو بكر وعمر وعثمان لحمًا بإثباته، وعند ابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر قال: أكلت مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم خبرًا ولحمًا فصلّوا ولم يتوضؤوا، وكذا رواه الترمذي، وفي الطبراني في مسند الشاميين بإسناد حسن من طريق سليم بن عامر قال: رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار ولم يتوضؤوا.


[ قــ :203 ... غــ : 207 ]
- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
[الحديث 207 - طرفاه في: 5404، 5405] .

وبالسند قال: ( حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي ( قال: أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة ( عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر المدني ( عن عطاء بن يسار) بمثناة تحتية فمهملة مخففة ( عن عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما.

( أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أكل كتف شاة) أي أكل لحمه في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب
وهي بنت عمّه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو في بيت ميمونة رضي الله عنها ( ثم صلّى) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( ولم يتوضأ) وهذا مذهب الأستاذ الثوري رحمه الله والأوزاعي وأبي حنيفة ومالك والشافعي والليث وإسحاق وأبي ثور رضي الله عنهم، وأما حديث زيد بن ثابت عند الطحاوي والطبراني في الكبير أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "توضؤوا مما غيّرت النار" وهو مذهب عائشة وأبي هريرة وأنس والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، وحديث جابر بن سمرة عند مسلم أن رجلاً سأل رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ" قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم توضأ من لحوم الإبل" وحديث البراء المصحح في المجموع قال: سئل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن الوضوء من لحم الإبل
فمر به، وبه استدل الإمام أحمد على وجوب الوضوء من لحم الجزور، فأجيب عن ذلك بحمل الوضوء على غسل اليد والمضمضة لزيادة دسومة اللحم وزهومة لحم الإبل، وقد نهى أن يبيت وفي يده أو فمه دسم خوفًا من عقرب ونحوها، وبأنهما منسوخان بخبر أبي داود والنسائي وغيرهما، وصححه ابنا خزيمة وحبان عن جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ترك الوضوء مما مسّت النار، ولكن ضعف الجوابين في المجموع بأن الحمل على الوضوء الشرعي مقدم على اللغوي كما هو معروف في محله وترك الوضوء مما مسّت النار عامّ، وخبر الوضوء من لحم الإبل خاص والخاص مقدم على العام سواء وقع قبله أو بعده، لكن حكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال: لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبين الراجح منها نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم أجمعين بعد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فرجحنا به أحد الجانبين، وارتضى الأستاذ النووي هذا في شرح المهذب وعبارته: وأقرب ما يستروح إليه قول الخلفاء الراشدين وجماهير الصحابة رضي الله عنهم وما دل

عليه الخبران هو القول القديم وهو وإن كان شاذًّا في المذهب فهو قوي في الدليل، وقد اختاره جماعة من محققي أصحابنا المحدثين وأنا ممّن اعتقد رجحانه اهـ.

وقد فرّق الإمام أحمد بين لحم الجزور وغيره.
وهذا الحديث من الخماسيات، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في الأطعمة ومسلم وأبو داود في الطهارة.




[ قــ :04 ... غــ : 08 ]
- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
[الحديث 08 - أطرافه في: 675، 93، 5408، 54، 546] .


وبه قال: ( حدّثني) بالإفراد ( يحيى بن بكير) المصري نسبة إلى جدّه لشهرته به وأبوه عبد الله ( قال: حدّثنا الليث) بن سعد المصري ( عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي المصري ( عن ابن شهاب) الزهري أنه ( قال: أخبرني) بالتوحيد ( جعفر بن عمرو بن أمية) بفتح العين ( أنّ أباه) عمرًا ( أخبره) :
أن ( أنه رأى رسول الله) وفي رواية أبوي ذر والوقت النبي ( -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحتز) بالحاء المهملة وبالزاي المشددة أي يقطع ( من كتف شاة) بفتح الكاف وكسر التاء وبكسر الكاف وسكون التاء زاد المؤلف في الأطعمة من طريق معمر عن الزهري يأكل منها ( فدعي) بضم الدال ( إلى الصلاة) وفي حديث النسائي عن أُم سلمة رضي الله عنها أن الذي دعاه إلى الصلاة بلال رضي الله عنه ( فألقى) النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( السكين) زاد في الأطعمة عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري فألقاها والسكين ( فصلى) ولابن عساكر وصلى ( ولم يتوضأ) زاد البيهقي من طريق عبد الكريم بن الهيثم عن أبي اليمان في آخر الحديث.
قال الزهري: فذهبت تلك أي القصة في الناس، ثم أخبر رجال من أصحابه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونساء من أزواجه أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "توضؤوا مما مسّت النار" قال: فكان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مسّت النار ناسخ لأحاديث الإباحة لأن الإباحة سابقة، واعترض عليه بحديث جابر السابق قريبًا قال: كان آخر الأمرين من رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ترك الوضوء مما مسّت النار، لكن قال أبو داود وغيره: أن المراد بالأمر هنا الشأن والقصة لا ما قابل النهي، وأن هذا اللفظ مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شاة فأكل منها ثم توضأ وصلى الظهر ثم أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ، فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مسّت النار، وأن وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة.
قال الأستاذ النووي: كان الخلاف فيه معروفًا بين الصحابة والتابعين، ثم استقر الإجماع على أنه لا وضوء مما مسّت النار إلا ما ذكر من لحم الإبل قاله في الفتح.
وقال المهلب: كانوا في الجاهلية قد ألِفوا قلة التنظيف فأمروا بالوضوء مما مسّت النار، فلما تقررت النظافة في الإسلام وشاعت نسخ الوضوء تيسيرًا على المسلمين، واستنبط

من هذا الحديث جواز قطع اللحم بالسكين، ورواته الستة ثلاثة مصريون وثلاثة مدنيون وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وليس لعمرو بن أميّة رواية في هذا الكتاب إلا هذا، والحديث السابق في المسح، وأخرج المؤلف الحديث أيضًا في الصلاة والجهاد والأطعمة والنسائي في الوليمة وابن ماجة في الطهارة.