فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب ضالة الغنم

باب ضَالَّةِ الْغَنَمِ
( باب) حكم التقاط ( ضالة الغنم) .


[ قــ :2325 ... غــ : 2428 ]
- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ -رضي الله عنه- يَقُولُ: «سُئِلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ اللُّقَطَةِ فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ( يَقُولُ يَزِيدُ: إِنْ لَمْ تُعْتَرَفِ اسْتَنْفَقَ بِهَا صَاحِبُهَا، وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ.
قَالَ يَحْيَى: فَهَذَا الَّذِي لاَ أَدْرِي أَفِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هُوَ أَمْ شَىْءٌ مِنْ عِنْدِهِ)
.
ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ؟ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ( قَالَ يَزِيدُ: وَهْيَ تُعَرَّفُ أَيْضًا) .
ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَقَالَ: دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا».

وبه قال: ( حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس ( قال: حدّثني) بالإفراد ( سليمان) التيمي مولاهم المدني ولأبوي ذر والوقت: سليمان بن بلال ( عن يحيى) بن سعيد الأنصاري ( عن يزيد مولى المنبعث) المدني ( أنه سمع زيد بن خالد) الجهني ( -رضي الله عنه- يقول: سئل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن اللقطة) ما حكمها؟ وفي الباب السابق أن السائل أعرابي وقيل هو بلال وقيل غيره، ( فزعم) أي زيد بن خالد والزعم يستعمل في القول المحقق كثيرًا ( أنه) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( قال) :
( اعرف عفاصها) وعاءها الذي تكون فيه ( ووكاءها) الخيط الذي يربط به الوعاء ( ثم عرّفها سنة) أي متوالية فلو عرفها سنة متفرقة كأن عرفها في كل سنة شهرًا لم يكف، ولو فرق السنة كأن عرف شهرين وترك شهرين وهكذا جاز لأنه عرف سنة.
ولا يشترط أن يعرفها بنفسه بل يجوز أن يوكل فإن قصد التملك ولو بعد التقاطه للحفظ أو مطلقًا فمؤنة التعريف الواقع بعد قصده عليه تملك أم لا؟ لأن التعريف سبب لتملكه ولأن الحظ له، وإن قصد الحفظ ولو بعد التقاطه للتملك أو مطلقًا فمؤنة التعريف على بيت المال إن كان فيه سعة وإلاّ فعلى المالك بأن يقترض عليه الحاكم منه أو من غيره أو يأمره بصرفها ليرجع كما في هرب الجمال: وإنما لم تجب على الملتقط لأن الحظ للمالك فقط.


قال يحيى بن سعد الأنصاري بالإسناد السابق: ( يقول يزيد) مولى المنبعث ( إن لم تعترف) بضم المثناة الفوقية وسكون المهملة وفتح الفوقية والراء، ولأبي ذر عن الكشميهني: إن لم تعرف بإسقاط الفوقية الثانية أي اللقطة ( استنفق بها) بفتح الفاء والقاف ( صاحبها) أي ملتقطها ( وكانت وديعة عنده) .

قال سليمان بن بلال: ( قال يحيى) بن سعيد الأنصاري بالإسناد السابق: ( فهذا الذي لا أدري) أي لا أعلم ( أفي حديث رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو) أي قوله وكانت وديعة عنده ( أم شيء من عنده) أي من عند يزيد من قوله: وسيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المؤلّف باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردّها عليه لأنها وديعة عنده وفيه إشارة إلى ترجيح رفعها، وقد جزم يحيى بن سعيد برفعها مرة أخرى فيما أخرجه مسلم عن القعنبي والإسماعيلي من طريق يحيى بن حسان كلاهما عن سليمان بن بلال عن يحيى بلفظ: فإن لم تعرف فاستنفقها أو لتكن وديعة عندك.

( ثم قال) السائل يا رسول الله ( كيف ترى في ضالة الغنم؟ قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب) أي إنها ضعيفة لعدم الاستقلال معرضة للهلاك مرددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك.
قيل: والمراد بالأخ ما هو أعم من صاحبها أو ملتقط آخر، وعورض بأن البلاغة لا تقتضي أن يقرن صاحبها المستحق لها بالذئب العادي فالمراد ملتقط آخر والمراد جنس ما يأكل الشاة، وفي قوله: "خذها" تصريح بالأمر بالأخذ ففيه ردّ إحدى الروايتين عن أحمد في قوله يترك التقاط الشاة، واستدلّ به المالكية على أنه إذا وجدها في فلاة تملكها بالأخذ ولا يلزمه بدلها ولو جاء صاحبها واحتجّ لهم بالتسوية بين الذئب والملتقط والذئب لا غرامة عليه فكذلك الملتقط كذا نقله في الفتح.

والظاهر أنهم تمسكوا بقوله في الشاة هي لك واللام للتمليك بخلاف قوله في غيرها فاستمتع بها إذ ظاهره أنه ليس على وجه التمليك لها إذ لو كان المراد التمليك التام لم يقتصر به على الاستمتاع الذي ظاهره الانتفاع لا أصل الملك بخلاف قوله فهي لك.

وأجيب: بأن اللام ليست للتمليك ومذهب الشافعية أن ما لا يمتنع من صغار السباع كالعجل والفصيل يجوز التقاطه للتملك مطلقًا سواء وجده بمفازة أم لا صيانة له عن السباع والخونة، ويتخير آخذه من المفازة فإن شاء عرفه وتملكه بعد التعريف وإن شاء باعه استقلالاً إن لم يجد حاكمًا أو بإذنه في الأصح إن وجده وتملك ثمنه بعد التعريف وله أكله إن كان مأكولاً في الحال متملكًا له بقيمة فيغرمها إن ظهر مالكه ولا يجب بعد أكله تعريفه فإن أخذه من العمران فله الخصلتان الأوليان لا الثالثة وهي الأكل على الأصح في المنهاج والأظهر في الروضة لسهولة البيع فيه بخلافه في المفازة فقد لا يجد فيها من يشتري ويشق النقل إلى العمران.

( قال يزيد) مولى المنبعث بالإسناد المذكور ( وهي) أي ضالة الغنم ( تعرف أيضًا) أي على سبيل

الوجوب كذا عند الجمهور، لكن قال الشافعية: لا يجب تعريفها بعد الأكل إذا وجدت في الفلاة وأما في القرية فيجب على الأصح.

( ثم قال) السائل يا رسول الله ( كيف ترى في ضالة الأبل؟ قال) زيد ( فقال) عليه الصلاة والسلام: ( دعها فإن معها حذاءها) بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة أي خفها ( وسقاءها) بكسر السين جوفها أو عنقها ( ترد الماء وتأكل الشجر) فهي مستغنية عن الحفظ لها بما ركب في طباعها من الجلادة على العطش وتناول المأكول لطول عنقها ومصونة بالامتناع عن أكثر السباع ( حتى يجدها ربها) أي مالكها فمن أخذها للتملك ضمنها ولا يبرأ من الضمان بردّها إلى موضعها كما مرّ.