فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب قول الله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: 10]

باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] .

(باب قول الله تعالى): ولأبي ذر: عز وجل ({إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا}) حرامًا بغير حق ({إنما يأكلون في بطونهم نارًا}) أي ما يجر إلى النار فكأنه نار في الحقيقة ((وسيصلون سعيرًا}) [النساء: 10] .
نارًا ذات لهب أي يقاسون شدتها وحرّها.

وفي حديث الإسراء المروي عند ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قلنا يا رسول الله ما رأيت ليلة اسري بك؟ قال: "انطلق بي إلى خلق من خلق الله رجال كل رجل له مشفر كمشفر البعير موكل بهم رجال يفكون لحي أحدهم ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في في أحدهم حتى تخرج من أسفله وله جؤار وصراخ.
قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا".


[ قــ :2641 ... غــ : 2766 ]
- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ».
[الحديث 2766 - طرفاه في: 5764، 6857] .

وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) القرشي الأويسي (قال: حدّثني) بالإفراد (سليمان بن بلال) أبو أيوب القرشي التميمي (عن ثور بن زيد المدني) وسقط المدني لأبي ذر (عن أبي الغيث) مرادف المطر واسمه سالم مولى ابن مطيع القرشي (عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أنه (قال):
(اجتنبوا السبع الموبقات) أي المهلكات (قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال): أحدها (الشرك بالله)، بأن يتخذ معه إله غيره (و) الثاني (السحر)، وهو لغة صرف الشيء عن وجهه وتأتي مباحثه إن شاء الله تعالى في كتاب الطب بعون الله وقوّته (و) الثالث (قتل النفس التي حرّم الله) قتلها (إلا بالحق، و) الرابع (أكل الربا)، وهو لغة الزيادة (و) الخامس (أكل مال اليتيم)، الذي مات أبوه وهو دون البلوغ (و) السادس (التولّي يوم الزحف) أي الفرار عن القتال يوم ازدحام الطائفتين (و) السابع (قذف المحصنات) بفتح الصاد اسم مفعول اللاتي أحصنهن الله تعالى وحفظهن من الزنا (المؤمنات) احترز به عن قذف الكافرات (الغافلات).
بالغين المعجمة والفاء أي عما نسب إليهن من الزنا والتنصيص على عدد لا ينافي أزيد منه في غير هذا الحديث كالزنا بحليلة الجار وعقوق الوالدين واليمين الغموس وغير ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وفضله.

وهذا الحديث رواته كلهم مدنيون، وأخرجه أيضًا في الطب والمحاربين، ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الوصايا، والنسائي فيه وفي التفسير.


باب
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 0] .
لأَعْنَتَكُمْ: لأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ.
وَعَنَتْ: خَضَعَتْ.

(باب قول الله تعالى: ({ويسألونك}) وسقط لأبي ذر لفظ قول الله تعالى والواو من ويسألونك ({عن اليتامى}) قال ابن عباس فيما رواه ابن جرير بسنده وأبو داود والنسائي والحاكم: لما نزلت: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 15] و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا} [النساء: 10] الآية.
انطلق: من كان عنده يتيم يعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأنزل تعالى {ويسألونك عن اليتامى} ({قل إصلاح لهم}) أي الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا عوض ({خير}) أعظم أجرًا ({وإن تخالطوهم}) تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم ({فإخوانكم}) فهم إخوانكم والإخوان يعين بعضهم بعضًا ويصيب بعضهم من مال بعض ({والله يعلم المفسد}) لأموالهم ({من المصلح}) لها يعني الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق
من الذي يقصد الإصلاح ({ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز) في ملكه ({حكيم}) [البقرة: 0] فيما أمر به.

قال البخاري مفسّرًا لقوله تعالى: (لأعنتكم) أي: (لأحرجكم وضيق عليكم) وسقط لفظ عليكم من اليونينية وثبت في فرعها، وهذا تفسير ابن عباس فيما أخرجه ابن المنذر وزاد ولكنه وسع ويسر (وعنت) أي: (خضعت).
كذا أورده المؤلّف وعورض بأنه لا تعلق له بلأعنتكم لأنه من العنوّ بضم العين المهملة والنون وتشديد الواو وليس هو من العنت في شيء، وأجيب: بأنه أوردها استطرادًا.


[ قــ :641 ... غــ : 767 ]
- وَقَالَ لَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: مَا رَدَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً.
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ.
وَكَانَ طَاوُسٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْيَتَامَى قَرَأَ: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}.
.

     وَقَالَ  عَطَاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ: يُنْفِقُ الْوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ.

قال البخاري: (وقال لنا سليمان) بن حرب الواشحي (حدّثنا حماد) أبو أسامة بن أسامة (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر أنه (قال: ما ردّ ابن عمر على أحد وصيته) يبتغي بذلك الأجر لحديث "أنا وكافل اليتيم كهاتين" نعم يكره الدخول في الوصايا عند خشية التهمة أو الضعف عن القيام بحقها.
وقول سليمان هذا قال ابن حجر: إنه موصول، وقال الكرماني وقال بلفظ قال لأنه لم يذكره على سبيل النقل والتحمل، وتعقب العيني ابن حجر فقال: كيف يكون موصولاً وليس فيه لفظ من الألفاظ الدالة على الاتصال من التحديث والإخبار والسماع والعنعنة؟ فالذي قاله الكرماني هو الأظهر.

(وكان ابن سيرين) محمد (أحب الأشياه إليه في مال اليتيم) بنصب أحب، ولأبي ذر: أحب بالرفع مبتدأ وخبره (أن يجتمع إليه) وسقط لفظ إليه عند أبي ذر ولأبي ذر عن الكشميهني أن يخرج إليه (نصحاؤه) بضم النون جمع ناصح (وأولياؤه فينظروا الذي هو خير له) وفي الأصل المقروء على الميدومي فينظرون بالنون أي فهم ينظرون وهذا التعليق.
قال ابن حجر: لم أقف عليه موصولاً.

(وكان طاوس) هو ابن كيسان اليماني مما وصله سفيان بن عيينة في تفسيره (إذا سئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ) قوله تعالى: ({والله يعلم المفسد}) لأموال اليتامى ({من المصلح}) لها.

(وقال عطاء): هو ابن أبي رباح مما وصله ابن أبي شيبة (في يتامى الصغير والكبير) بالجر فيهما على البدل مما قبلهما ولأبي ذر الصغير والكبير بالرفع أي الوضيع والشريف (ينفق الولي) ولأبي ذر عن المستملي الوالي (على كل إنسان) منهما (بقدره) بقدر الإنسان اللائق بحاله (من حصته).