فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب قول الله تعالى: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125]

باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: 165] وَقَوْلِهِ: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله} [النحل: 120]
وَقَوْلِهِ: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114] .
.

     وَقَالَ  أَبُو مَيْسَرَةَ الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ.

(باب قول الله تعالى { واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125] .
الخليل مشتق من الخلة بالفتح وهي الحاجة سميت خلة للاختلال الذي يلحق الإنسان فيها وسمي إبراهيم خليلاً لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إلى الله تعالى في كل حال، وهذا الفقر أشرف غنى بل أشرف فضيلة يكتسبها الإنسان، ولهذا ورد: اللهم أغنني بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك، وقيل من الخلة بالضم وهي المودّة الخالصة أو من التخلل.
قال ثعلب: لأن مودته تتخلل القلب وأنشد:
قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا
وقال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، وسمي إبراهيم خليل الله لأنه أحبه محبة كاملة ليس فيها نقص ولا خلل.
وقال القرطبي: الخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى عالم، وقيل هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وقيل الخليل هو الذي يوافقك في خلالك.
قال عليه السلام: تخلقوا بأخلاق الله فلما بلغ إبراهيم في هذا الباب مبلغًا لم يبلغه أحد ممن تقدمه لا جرم خصه الله تعالى بهذا الاسم.
وقال الإمام فخر الدين إنما سمي خليلاً لأن محبة الله تخللت في جميع قواه فصار بحيث لا يرى إلا الله ولا يتحرك إلا لله ولا يسكن إلا لله ولا يمشي إلا لله ولا يسمع إلا بالله فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلل فيها
وغاص في جواهرها ووغل في ماهيتها.
وقال في الكشاف: هو مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، والخليل المخالّ وهو الذي يخاللك أي يوافقك في خلالك أو يسايرك في طريقك من الخلط وهو الطريق في الرمل اهـ.

قال في فتوح الغيب قوله تشبه كرامة الخليل بعد قوله مجاز عن اصطفائه إيذان بأن المجاز من باب الاستعارة التمثيلية، واختلف في السبب الذي من أجله { اتخذ الله إبراهيم خليلاً} [النساء: 125] .
فقيل كما ذكره ابن جرير وغيره أنه أصاب الناس أزمة، وكانت الميرة تأتيه من خليل له بمصر فأرسل إبراهيم غلمانه ليمتاروا له منه فقال خليله: لو كان إبراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت ولكن يريدها للأضياف وقد أصابنا ما أصاب الناس من الأزمة والشدة فرجعوا بغير شيء فاجتازوا ببطحاء لينة فقالوا: لو أنا حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة فإنا نستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة فملأوا تلك الغرائر ثم أتوا إبراهيم فلما أعلموه ساءه ذلك فغلبته عيناه فنام وكانت امرأته سارة نائمة فاستيقظت وقد ارتفع النهار فقالت: سبحان الله ما جاء الغلمان؟ قالوا: بلى.
فقامت إلى الغرائر فأخرجت منها أحسن حوّاري فاختبزت وأطعمت واستيقظ إبراهيم فاشتم رائحة الخبز فقال: من أين لكم هذا؟ فقالت: من خليلك المصري.
فقال: بل من عند خليلي الله فسماه الله تعالى خليلاً، وعلى هذا فإطلاق اسم الخلة على الله على سبيل المشاكلة لأن جوابه عليه السلام بل من عند خليلي الله في مقابلة قولها من خليلك المصري، وقيل لما أراه الله ملكوت السماوات والأرض وحاج قومه في الله ودعاهم إلى توحيده ومنعهم من عبادة النجوم والشمس والقمر والأوثان وبذل نفسه للإلقاء في النيران وولده للقربان وماله للضيفان اتخذه الله خليلاً.
وقيل غير ذلك.
وإبراهيم هو ابن آزر واسمه تارح بفوقية وراء مفتوحة آخره حاء مهملة ابن ناحور بنون ومهملة مضمومة ابن شاروخ بمعجمة وراء مضمومة آخره خاء معجمة ابن راغو بغين معجمة ابن فالخ بفاء ولام مفتوحة بعدها خاء معجمة ابن عيبر، ويقال عابر وهو بمهملة وموحدة ابن شالخ بمعجمتين ابن أرفخشد بن سام بن نوح.
قال في الفتح: لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك إلا في النطق ببعض هذه الأسماء.
نعم ساق ابن حبان في أوّل تاريخه خلاف ذلك وهو شاذ اهـ.

وقال الثعلبي: كان بين مولد إبراهيم عليه السلام وبين الطوفان ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وستون سنة وذلك بعد خلق آدم عليه السلام بثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة وسبع وثلاثين سنة.
وقال ابن هشام: لم يكن بين نوح وإبراهيم عليهم السلام إلا هود وصالح، وكان بين إبراهيم وهود ستمائة سنة وثلاثون سنة، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة ومائة وثلاث وأربعون سنة.

(وقوله) بالجر عطفًا على المجرور السابق بالإضافة ({ إن إبراهيم كان أمة} ) جامعًا للخصال المحمودة.
قال ابن هانئ:
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
أي: إن الله تعالى قادر على أن يجمع في واحد ما في الناس من معاني الفضل والكمال، وقيل فعلة تدل على المبالغة.
وقال مجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كلهم كانوا كفارًا فلذا كان وحده أمة ({ قانتًا لله} ) [النحل: 125] .
مطيعًا له وثبتت لفظة لله لأبي ذر.

(وقوله) بالجر أيضًا على العطف ({ إن إبراهيم لأوّاه حليم} ) [هود: 75] .
(وقال) بالواو ولأبي ذر قال (أبو ميسرة) ضد الميمنة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي فيما وصله وكيع في تفسيره الأواه (الرحيم بلسان الحبشة).
ورواه ابن أبي حاتم من طريق ابن مسعود بإسناد حسن قال: الأوّاه الرحيم ولم يقل بلسان الحبشة، ومن طريق عبد الله بن شدّاد أحد كبار التابعين قال: قال رجل يا رسول الله ما الأوّاه؟ قال: "الخاشع المتضرّع في الدعاء" ومن طريق ابن عباس قال: الأواه الموقن.
ومن طريق مجاهد المنيب، ومن طريق الشعبي المسبّح، ومن طريق كعب الأحبار قال: كان إذا ذكر النار قال أوّاه من عذاب الله.
وقال في اللباب الأوّاه الكثير التأوّه وهو مَن يقول أواه، وقيل مَن يقول أوه وهو أنسب لأن أوه بمعنى أتوجع فالأواه فعال مثال مبالغة من ذلك وقياس فعله أن يكون ثلاثيًّا لأن أمثلة المبالغة إنما تطرد في الثلاثي وإنما وصف الله تعالى خليله بهذين الوصفين بعد قوله: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} [التوبة: 114] .
الآية لأنه تعالى وصفه بشدّة الرقة والشفقة والخوف ومن كان كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه، ثم إنه مع هذه الصفات تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لما ظهر له إصراره على الكفر.


[ قــ :3197 ... غــ : 3349 ]
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً.
ثُمَّ قَرَأَ: { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ.
وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، أَصْحَابِي.
فَيَقالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} -إِلَى قَوْلِهِ- { الْحَكِيمُ} [الحديث 3349 - أطرافه في: 3447، 4625، 4626، 4740، 6524، 6525، 6526] .

وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا المغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي (قال: حدثنى) بالإفراد (سعيد بن جبير عن ابن عباس) ولابن عساكر أراه بضم الهمزة أي أظنه عن ابن عباس (-رضي الله عنهما- عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أنه (قال):
(إنكم تحشرون) عند الخروج من القبور حال كونكم (حفاة) بضم الحاء المهملة وتخفيف الفاء جمع حاف أي بلا خف ولا نعل (عراة) أي لا ثياب عليهم جميعهم أو بعضهم يحشر عاريًا وبعضهم
كاسيًا لحديث سعيد عند أبي داود وصححه ابن حبان مرفوعًا: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" (غرلاً) بضم الغين المعجمة وإسكان الراء أي غير مختونين والغرلة ما يقطعه الخاتن وهي القلفة (ثم قرأ): { كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104] أي نوجده بعينه بعد إعدامه مرة أخرى أو نعيد تركيب أجزائه بعد تفريقها من غير إعدام، والأول أوجه لأنه تعالى شبه الإعادة بالابتداء والابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم فوجب أن تكون الإعادة كذلك { وعدًا علينا إنّا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104] .
الإعادة والبعث.
وقوله: (وعدًا) نصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة المتقدمة فناصبه مضمر أي وعدنا ذلك وعدًا.
قال ابن عبد البر: يحشر الآدمي عاريًا ولكل من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قطع منه شيء يرد إليه حتى الأقلف وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موفاة بالقلفة فتكون أرق فلما أزالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها الله تعالى ليذيقها من حلاوة فضله.

وفي شرح المشكاة، فإن قلت: سياق الآية في إثبات الحشر والنشر لأن المعنى نوجدكم عن العدم ما أوجدناكم أولاً عن العدم فكيف يشتهد بها للمعنى المذكور أي من كونهم غرلاً؟ وأجاب بأن سياق الآية وعبارتها على إثبات الحشر وإشارتها على المعنى المراد من الحديث فهو من باب الإدماج.

(وأول من يكسى) من الأنبياء (يوم القيامة إبراهيم) بعد حشر الناس كلهم عراة أو بعضهم كاسيًا أو بعد خروجهم من قبورهم بأثوابهم التي ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة ثم يكون أول من يُكسى من الجنة إبراهيم عليه السلام وزاد البيهقي مرفوعًا من حديث ابن عباس: (وأول من يكسى من الجنة إبراهيم يكسى حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش ثم يؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر).
قيل: والحكمة في كون الخليل أول من يكسى لكونه جرّد حين ألقي في النار ولا يلزم من تخصيص إبراهيم بأولية الكسو هنا أفضليته على نبينا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأن حلة نبينا أعلى وأكمل فتجبر بنفاستها ما فات من الأولية، وكم لنبينا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من فضائل مختصة به لم يسبق إليها ولم يشارك فيها ولو لم يكن سوى خصوصية الشفاعة العظمى لكفى.

(وإن أناسًا) بهمزة مضمومة ولأبي ذر وابن عساكر وإن ناسًا (من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال) وهي جهة النار (فأقول أصحابي أصحابي) أي هؤلاء أصحابي، ولأبي ذر وابن عساكر: أصيحابي أصيحابي مصغرين إشارة إلى قلة عددهم والتكرير للتأكيد (فيقال: إنهم لم) بالميم ولأبي ذر عن الكشميهني لمن (يزالوا مرتدين على أعقابهم) بالكفر (مند فارقتهم) قيل المراد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين ممن ارتد بعد موته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا يقدح ذلك في الصحابة المشهورين، فإن أصحابه وإن شاع استعماله عرفًا فيمن لازمه من المهاجرين والأنصار شاع استعماله في كل تبعه أو أدرك حضرته ووفد عليه ولو مرة أو المراد بالارتداد إساءة السيرة والرجوع عما كانوا عليه من الإخلاص وصدق النية (فأقول كما قال العبد الصالح) عيسى ابن
مريم ({ وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم} ) أي رقيبًا عليهم أمنعهم من الارتداد ومشاهدًا لأحوالهم من كفر وإيمان؟ إلى قوله ({ الحكيم} ) [المائدة: 117، 118] .
ولأبي ذر { فلما توفيتني} إلى قولها { العزيز الحكيم} .

وهذا الحديث أخرجه في التفسير والرقاق وأحاديث الأنبياء ومسلم في صفة القيامة والتفسير والنسائي في الجنائز والتفسير.




[ قــ :3198 ... غــ : 3350 ]
- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لاَ تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لاَ أَعْصِيكَ.
فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لاَ تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَىُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ.
ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ، فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ».
[الحديث 3350 - طرفاه في: 4768، 4769] .

وبه قال: ( حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس الأصبحي ابن أخت الإمام مالك ( قال: أخبرني) ولأبي ذر حدثني كلاهما بالإفراد ( أخي عبد الحميد) أبو بكر الأعشى بن أبي أويس ( عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرَّحمن ( عن سعيد) بن أبي سعيد ( المقبري) بضم الموحدة ( عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أنه ( قال) :
( يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة) سواد كالدخان ( وغبرة) غبار وتقديم الظرف للاختصاص ( فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني) مجزوم على النهي بحذف حرف العلة ( فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك.
فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني)
أي لا تهينني ولا تذلني ( يوم يبعثون فأيّ خزي أخزى من) خزي ( أبي) آزر ( الأبعد) من رحمة الله وعبّر بالفعل التفضيل لأن الفاسق بعيد والكافر أبعد منه ( فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين) أي وإن أباك كافر فهي حرام عليه ( ثم يقال له: يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذيخ) بذال وخاء معجمتين بينهما تحتية ساكنة ذكر ضبع كثير الشعر والأنثى ذيخة والجمع ذيوخ وأذياخ وذيخة ( ملتطخ) بالرجيع أو بالدم صفة لذيخ، وعند الحاكم من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة فيمسخ الله أباه ضبعًا ( فيؤخذ بقوائمه) بضم الياء وفتح الخاء مبنيًّا للمفعول ( فيلقى في النار) .

وعند ابن المنذر: فإذا رآه كذلك تبرأ منه قال: لست أبي؛ الحديث.
وكان قبل حملته الرأفة على الشفاعة له فظهر له في هذه الصورة المستبشعة ليتبرأ منه، والحكمة في كونه مسخ ضبعًا دون غيره من الحيوان أن الضبع أحمق الحيوان ومن حمقه أنه يغفل عما يجب التيقظ له، فلما لم يقبل آزر
النصيحة من أشفق الناس عليه وقبل خديعة الشيطان أشبه الضبع الموصوف بالحمق قاله الكمال الدميري.

وفي هذا الحديث دليل على أن شرف الولد لا ينفع الوالد إذا لم يكن مسلمًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في تفسير سورة الشعراء.




[ قــ :3199 ... غــ : 3351 ]
- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْبَيْتَ فَوَجَدَ فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَصُورَةَ مَرْيَمَ فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَمَا هُمْ فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ، فَمَا لَهُ يَسْتَقْسِمُ».

وبه قال: ( حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي الكوفي نزيل مصر وهو من أفراده ( قال: حدثني) بالإفراد ( ابن وهب) عبد الله المصري ( قال: أخبرني) بالإفراد ( عمرو) بفتح العين ابن الحرث المصري ( أن بكيرًا) بضم الموحدة مصغرًا ابن عبد الله بن الأشج ( حدثه عن كريب) بضم الكاف آخره موحدة مصغرًا ( مولى ابن عباس عن ابن عباس -رضي الله عنهما-) أنه ( قال: دخل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- البيت) العتيق ( وجد) ولأبي ذر: فوجد ( فيه صورة إبراهيم) الخليل ( وصورة مريم) أم عيسى عليهم السلام ( فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) :
( أما) بتخفيف الميم ( لهم) باللام قبل الهاء، ولأبي ذر وابن عساكر: أما بتشديد الميم ولا تشديد في الفرع كأصله هم بحذف اللام أي قريش ( فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة) وقسيم أما قوله ( هذا إبراهيم مصوّر فما له) بيده الأزلام ( يستقسم) بها وهو كان معصومًا من ذلك.

وقد مرّ هذا الحديث في الحج في باب من كبر في نواحي الكعبة وأخرجه النسائي في الزينة.




[ قــ :300 ... غــ : 335 ]
- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما-: «أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ.
وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ - بِأَيْدِيهِمَا الأَزْلاَمُ فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالأَزْلاَمِ قَطُّ».

وبه قال: ( حدّثنا إبراهيم بن موسى) التميمي الفراء الصغير قال: ( أخبرنا) ولأبي الوقت: حدّثنا ( هشام) هو ابن يوسف الصنعاني ( عن معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد الأزدي مولاهم أبي عروة البصري نزيل اليمن ( عن أيوب) السختياني ( عن عكرمة) مولى ابن عباس ( عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي) ولأبي ذر: عن النبي ( -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما رأى الصور) التي
صورها المشركون ( في البيت) الحرام ( لم يدخل) أي البيت ( حتى أمر بها فمحيت) بضم الميم مبنيًّا للمفعول أزيلت ورأى صورة ( إبراهيم و) صورة ( إسماعيل عليهما السلام بأيديهما الأزلام) أي القداح واحدها زلم وزلم بفتح الزاي وضمها وإنما سميت القدام بالأزلام لأنها زلمت أي سويت يقال: قدم مزلم وزليم إذا حرر وأجيد قدره وصفته ( فقال) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
( قاتلهم الله) أي لعنهم الله ( والله إن استقسما) بكسر الهمزة وتخفيف النون نافية أي ما استقسما ( بالأزلام قط) وكان أحدهم إذا أراد سفرًا أو تجارة أو نكاحًا أو أمرًا ضرب بالقداح المكتوب على بعضها أمرني ربي وعلى بعضها نهاني ربي وبعضها غفل خال عن الكتابة، فإن خرج الأمر أقدم على العمل وإن خرج النهي أمسك وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى، وقيل: غير ذلك مما سبق في كتاب الحج في باب: من كبّر في نواحي الكعبة.




[ قــ :301 ... غــ : 3353 ]
- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه-: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ.
فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ.
قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ.
قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَ؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا».

قَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَمُعْتَمِرٌ: " عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ".
[الحديث 3353 - أطرافه في: 3374، 3383، 3490، 4689] .

وبه قال: ( حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: ( حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان قال: ( حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ( قال: حدثني) بالإفراد ( سعيد بن أبي سعيد) المقبري ( عن أبيه) كيسان ( عن أبي هريرة رضي الله عنه قيل: يا رسول الله) لم يسم السائل ( من أكرم الناس) ؟ عند الله تعالى ( قال) عليه الصلاة والسلام:
( أتقاهم) أشدّهم لله تقوى ( فقالوا: ليس عن هذا نسألك.
قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله)
يعقوب ( ابن نبي الله) إسحاق ( ابن خليل الله) إبراهيم أشرفهم والجواب الأول من جهة الشرف بالأعمال الصالحة والثاني من جهة الشرف بالنسب الصالح وسقط ابن نبي الله الأخيرة في رواية أبي ذر ( قالوا: ليس عن هذا نسألك.
قال)
عليه الصلاة والسلام: ( فعن معادن العرب) أي أصولهم التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها ( تسألون) ولأبي ذر: تسألونني بنونين فتحتية ولابن عساكر تسألوني بإسقاط النون، وإنما جعلت معادن لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعادن ومنها غير قابلة لها ( خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام) جملة مبينة بعد التفاوت الحاصل بعد فيض الله تعالى عليها من العلم والحكمة
قال الله تعالى: { ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا} [البقرة: 69] .
شبههم بالمعادن في كونها أوعية للجواهر النفيسة المعنى بها في الإنسان كونه أوعية العلوم والحكمة فالتفاوت في الجاهلية بحسب الأنساب وشرف الآباء وكرم الأصل وفي الإسلام بحسب العلم والحكمة فالشرف الأول موروث والثاني مكتسب قاله الطيبي، وخيارهم يحتمل أن يكون جمع خير وأن يكون أفعل التفضيل تقول في الواحد خير وأخير ( إذا فقهوا) .
بضم القاف من فقه يفقه إذا صار فقيهًا كظرف، ولأبي ذر: إذا فقهوا بكسرها يفقه بالفتح بمعنى فهم فهو متعد والمضموم القاف لازم.
قال أبو البقاء: وهو الجيد هنا ثم القسمة كما في الفتح رباعية فإن الأفضل من جمع بين الشرف في الجاهلية والشرف في الإسلام، ثم أرفعهم مرتبة من أضاف إلى ذلك التفقه في الدين ويقابل ذلك من كان مشروفًا في الجاهلية واستمر مشروفًا في الإسلام، فهذا أدنى المراتب.
والثالث من شرف الإسلام، وفقه ولم يكن شريفًا في الجاهلية ودونه من كان كذلك لكنه لم يتفقه، والرابع من كان شريفًا في الجاهلية ثم صار مشروفًا في الإسلام فهذا دون الذي قبله.
اهـ.

فالإيمان يرفع التفاوت المعتبر في الجاهلية فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب النسب الأصلي فيجتمع شرف النسب مع شرف الحسب ومفهومه أن الوضيع المسلم المتحلي بالعلم أرفع منزلة من الشريف المسلم العاطل وما أحسن ما قال الأحنف:
كل عز إن لم يوطد بعلم ... فإلى الذل ذات يوم يصير
وقال آخر:
وما الشرف الموروث لا درّ دره ... لمحتسب إلا بآخر مكتسب
وقول الآخر:
إن السريّ إذا سرى فبنفسه ... وابن السريِّ إذا سرى أسراهما
( قال أبو أسامة) حماد بن أسامة فيما وصله المؤلّف في قصة يوسف ( ومعتمر) هو ابن سليمان بن طرخان فيما وصله في قصة يعقوب كلاهما ( عن عبيد الله) العمري السابق ( عن سعيد) المقبري ( عن أبي هريرة) -رضي الله عنه- ( عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) فأسقطا أبا سعيد كيسان فخالفا يحيى بن سعيد القطان حيث قال: حدّثنا عبيد الله قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.




[ قــ :30 ... غــ : 3354 ]
- حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا عَوْفٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ حَدَّثَنَا سَمُرَةُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ لاَ أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولاً، وَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-».

وبه قال: ( حدّثنا مؤمل) بالهمزة وتشديد الميم الثانية مفتوحة بصيغة اسم المفعول ابن هشام البصري قال: ( حدّثنا إسماعيل) ابن علية قال: ( حدّثنا عوف) الأعرابي قال: ( حدّثنا أبو رجاء) عمران العطاردي قال: ( حدّثنا سمرة) بن جندب -رضي الله عنه- ( قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) :
( أتاني الليلة) في منامي ( آتيان) جبريل وميكائيل ( فأتينا) أي فذهبا بي حتى أتينا ( على رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً) في السماء ( وإنه إبراهيم) الخليل "-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" سقطت التصلية لأبي ذر.

وهذا الحديث سبق بتمامه في أواخر الجنائز.




[ قــ :303 ... غــ : 3355 ]
- حَدَّثَنِي بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- وَذَكَرُوا لَهُ الدَّجَّالَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ أَوْ ك ف ر -قَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ،.
وَأَمَّا مُوسَى فَجَعْدٌ آدَمُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ؛ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي».

وبه قال: ( حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا ( بيان بن عمرو) بفتح الموحدة وتخفيف التحتية وعمرو بفتح العين أبو محمد البخاري العابد قال: ( حدّثنا النضر) بنون مفتوحة فضاد معجمة ساكنة فراء ابن شميل قال: ( أخبرنا ابن عون) عبد الله ( عن مجاهد) هو ابن جبر الإمام في التفسير ( أنه سمع ابن عباس -رضي الله عنهما- وذكروا له الدجال) فقالوا ( بين عينيه مكتوب) كتابة حقيقة ( كافر أو) هذه الحروف المقطعة ( ك ف ر) بفتحات تظهر لكل مؤمن كاتبًا أو غير كاتب ( قال) ابن عباس ( لم أسمعه) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زاد في باب الجعد من كتاب اللباس قال ذلك ( ولكنه قال) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
( أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم) يريد رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنه كان أشبه الناس بإبراهيم ( وأما موسى فجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة مجتمع الجسم وليس المراد جعودة شعره إذ في بعض الروايات أنه رجل الشعر ( آدم) من الأدمة وهي السمرة ( على جمل أحمر مخطوم) بالخاء المعجمة مزموم ( بخلبة) بخاء معجمة مضمومة فلام ساكنة فموحدة مفتوحة ليفة ولأبي ذر: الخلبة الليفة ( كأني أنظر إليه) حقيقة كليلة الإسراء أو في المنام ورؤيا الأنبياء وحي ( انحدر) وفي الحج إذا انحدر ( في الوادي) أي وادي الأزرق وزاد في الحج يلبي.




[ قــ :304 ... غــ : 3356 ]
- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وَهْوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُّومِ».
تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
[الحديث 3356 - طرفه في: 698] .

وبه قال: ( حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي مولاهم البغلاني البلخي قال: ( حدّثنا
مغيرة بن عبد الرَّحمن القرشي عن أبي الزناد)
عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة -رضي الله عنه-) أنه ( قال: قال رسول الله) ولأبي ذر: النبي ( -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) :
( اختتن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو ابن ثمانين سنة) جملة حالية ( بالقدوم) بفتح القاف وتشديد الدال في الفرع وأصله وقال الحافظ ابن حجر: رويناه بالتشديد عن الأصيلي والقابسي، ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف.
قال النووي: لم تختلف الرواة على مسلم في التخفيف، وأنكر يعقوب بن شبة التشديد أصلاً واختلف في المراد به فقيل هو اسم قرية بالشام أو ثنية بالسراة، وقيل: آلة النجار وهي بالتخفيف، وأما اسم الموضع ففيه الوجهان.
قال في القاموس: والقدوم يعني بالتخفيف آلة ينحت بها مؤنثة الجمع قدائم وقدم وقرية بحلب وموضع بنعمان وجبل بالمدينة وثنية بالسراة وموضع اختتن فيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد تشدّد داله وثنية في جبل ببلاد دوس وحصن باليمن انتهى.
فمن رواه بالتشديد أراد الموضع، ومن رواه بالتخفيف فيحتمل القرية والآلة والأكثرون على التخفيف وإرادة الآلة.

وقد روى أبو يعلى من طريق عليّ بن رباح قال: أمر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتد عليه فأوحى الله إليه عجلت قبل أن نأمرك بآلته.
فقال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك.

وعن مالك والأوزاعي فيما قاله عياض أنه اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة وأنه عاش بعد ذلك ثمانين سنة إلا أن مالكًا ومن تبعه وقفوه على أبي هريرة.
وحكى الجارودي أنه اختتن وهو ابن سبعين وما في الصحيح أصح.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاستئذان ومسلم في أحاديث الأنبياء.




[ قــ :305 ... غــ : 3357 ]
- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- إِلاَّ ثَلاَثَ كذبات».

وبه قال: ( حدّثنا سعيد بن تليد) بفتح الفوقية وسكون التحتية بينهما لام مكسورة آخره دال مهملة وهو سعيد بن عيسى بن تليد ( الرعيني) المصري قال: ( أخبرنا) بالجمع ولأبي ذر: أخبرني ( ابن وهب) عبد الله المصري ( قال: أخبرني) بالإفراد ( جرير بن حازم) بفتح الجيم وحازم بالحاء المهملة والزاي ( عن أيوب) السختياني ( عن محمد) هو ابن سيرين ( عن أبي هريرة -رضي الله عنه-) أنه ( قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) :
( لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلا ثلاثًا) أي إلا ثلاث كذبات كما في الطريق الثانية.




[ قــ :305 ... غــ : 3358 ]
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - إِلاَّ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: .

     قَوْلُهُ : { إِنِّي سَقِيمٌ} وَقَولُهُ: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} .

     وَقَالَ : بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلاً مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي.
فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ.
فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ.
ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ.
فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ.
فَأَتَتْهُ هَاجَرَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ -أَوِ الْفَاجِرِ- فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ".

وبه قال: (حدّثنا محمد بن محبوب) ضد المبغوض البناني بضم الموحدة وتخفيف النون البصري
قال: (حدّثنا حماد بن زيد) اسم جده درهم الأزدي الجهضمي البصري (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة -رضي الله عنه-) أنه (قال: لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام) لم يصرح برفعه في رواية حماد بن زيد هذه إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على المعتمد الموافق لرواية النسفيّ وكريمة كما رواه عبد الرزاق عن معمر، والأصل رفعه كما في رواية جرير بن حازم السابقة ورواية هشام بن حسان عند النسائي والبزار وابن حبان.

ورواه البخاري عن الأعرج عن أبي هريرة في البيوع وفي النكاح عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد فصرح برفعه أيضًا في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولفظه قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات) بسكون الذال عند ابن الحطيئة عن أبي ذر كما في اليونينية.
وقال في المصابيح بفتح الذال، وفي فتح الباري عن أبي البقاء أنه الجيد لأنه جمع كذبة بسكون الذال وهو اسم لا صفة تقول كذب كذبة كما تقول ركع ركعة ولو كان صفة لسكن في الجمع، وليس هذا من الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا، وإنما أطلق عليه الكذب تجوزًا وهو من باب المعاريض المحتملة للأمرين لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث المروي عند البخاري في الأدب المفرد من طريق قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عمران بن الحصين أن في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب، ورواه أيضًا البيهقي في الشعب والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وهو عند ابن السني من طريق الفضل بن سهل مرفوعًا.
قال البيهقي رحمه الله: والموقوف هو الصحيح، وروي أيضًا من حديث علي مرفوعًا وسنده ضعيف جدًّا، وعند ابن أبي حاتم عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله أي جادل ودافع، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: والله إن جادل بهن إلا عن دين الله، وقال ابن عقيل: دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب عن إبراهيم، وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقًا به ليعلم صدق ما جاء به عن الله ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع وعلى كل تقدير فلم يصدر من إبراهيم عليه الصلاة والسلام إطلاق الكذب على ذلك أي حيث يقول في حديث الشفاعة: وإني كنت كذبت ثلاث كذبات إلا في حال شدّة الخوف لعلو مقامه وإلاّ فالكذب في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعًا لأعظمهما، وقد اتفق الفقهاء فيما لو طلب ظالم وديعة عند إنسان ليأخذها غصبًا وجب على المودع عنده أن يكذب بمثل أنه لا يعلم موضعها بل يحلف على ذلك، ولما كان ما صدر من الخليل عليه السلام مفهوم ظاهره خلاف باطنه أشفق أن يؤاخذ به لعلو حاله فإن الذي كان يليق بمرتبته في النبوة والخلة أن يصدع بالحق ويصرح بالأمر كيفما كان ولكنه رخص له فقبل الرخصة، ولذا يقول عندما يسأل في الشفاعة: إنما كنت خليلاً من وراء وراء ويستفاد منه أن الخلة لم تكن بكمالها إلا لمن صح له في ذلك اليوم المقام المحمود، وأما قول الإمام فخر الدين: لا ينبغي أن ينقل هذا الحديث لأن فيه نسبة الكذب إلى إبراهيم، وقول بعضهم له: فكيف يكذب
الراوي العدل؟ وجواب الإمام له بأنه لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبة الكذب إلى الخليل كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى فليس بشيء إذ الحديث صحيح ثابت، وليس فيه نسبة محض الكذب إلى الخليل، وكيف السبيل إلى تخطئة الراوي مع قوله: ({ إني سقيم} ) و ({ بل فعله كبيرهم} ) (الأنبياء: 63] .
هذا.
وعن سارة أختي إذ ظاهر هذه الثلاثة بلا ريب غير مراد (ثنتين منهن) أي من الثلاث (في ذات الله) لأجله (عز وجل) محضًا من غير حظ لنفسه بخلاف الثالثة وهي قصة سارة فإنها تضمنت حظًّا ونفعًا له.

فالأولى (قوله) تعالى حاكيًا عنه لما طلبه قومه ليخرج معهم إلى معبدهم وكان أحب أن يخلو بآلهتهم ليكسرها { إني سقيم} [الصافات: 89] .
مريض القلب بسبب إطباقكم على الكفر والشرك أو سقيم بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرًا أو خارج المزاج عن الاعتدال خروجًا قلّ من يخلو منه، وقال سفيان: سقيم أي طعين وكانوا يفرّون من المطعون، وعن ابن عباس في رواية العوفي قالوا له وهو في بيت آلهتهم أخرج فقال: إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون.
فإنه كان غالب أسقامهم الطاعون وكانوا يخافون العدوى، وأما حكاية قول بعضهم: إنه كان تأتيه الحمى في ذلك الوقت فبعيد لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبًا لا تصريحًا ولا تلويحًا.

(و) الثانية (قوله) لما كسر آلهتهم كسرًا وقطعًا إلا كبيرًا لهم فاستبقاه وكانت فيما قيل اثنين وسبعين صنمًا بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من رصاص وحجر وخشب، وكان الكبير من الذهب مرصعًا بالجواهر وفي عينيه ياقوتتان تتقدان وجعل الفأس في عنقه لعلهم إليه يرجعون فيسألونه: ما بال هؤلاء مكسرين وأنت صحيح والفأس في عنقك؟ إذ من شأن المعبود أن يرجع إليه أو المراد أنهم يرجعون إلى إبراهيم لتفرده واشتهاده بعداوة آلهتهم فيحاجهم أو يرجعون إلى توحيد الله عند تحققهم عجز آلهتهم فلما رجعوا من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم مكسرة وقالوا لإبراهيم { أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم} [الأنبياء: 6] .
قال: { بل فعله كبيرهم هذا} وهذا الإضراب عن جملة محذوفة أي لم أفعله إنما الفاعل حقيقة هو الله وإسناد الفعل إلى كبيرهم من أبلغ المعاريض، وذلك أنهم لما طلبوا منه الاعتراف ليقدموا على إيذائه قلب الأمر عليهم وقال: { بل فعله كبيرهم هذا} لأنه عليه السلام غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته لها والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه أو أن إبراهيم عليه السلام قصد تقرير الفعل لنفسه على أسلوب تعريضي وليس قصده نسبة الفعل إلى الصنم وهذا كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته أأنت كتبت هذا فقلت له بل كتبته أنت قاصدًا بذلك تقريره لك مع الاستهزاء لا نفيه عنك وإثباته له ذكرهما الزمخشري، وتعقب الأول منهما صاحب الفرائد بأنه إنما يستقيم إذا كان الفعل دائرًا بين إبراهيم وبين الصنم الكبير لاحتمال أن يكون كسرها غير إبراهيم، والثاني منهما بأنه ضعيف لأن غيظه من عبادة غير
الله يستوي فيه الكبير والصغير.
والجواب أنه دل تقديم الفاعل المعنوي في قوله { أأنت فعلت} على أن الكلام ليس في الفعل لأنه معلوم بل في الفاعل كقوله تعالى: { وما أنت علينا بعزيز} [هود: 91] .
ودل قولهم { سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} وقولهم { قالوا فأتوا به على أعين الناس} على أنهم لم يشكوا أن الفاعل هو فإذن لا يكون قصدهم في قولهم: { أأنت فعلت هذا} إلا بأن يقرّ بأنه هو فلما رد بقوله: { بل فعله كبيرهم} تعريضًا دار الأمر بين الفاعلين أو المعنى على التقديم والتأخير أي بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم فجعل النطق شرطًا للفعل إن قدروا على النطق قدروا على الفعل فأراهم عجزهم وفي ضمنه أنا فعلت ذلك.

وقال: (بينا) بغير ميم (هو) أي إبراهيم (ذات يوم وسارة) بنت هاران ملك حران زوجته معه وزاد مسلم وكانت من أحسن الناس وجواب بينا قوله (إذ أتى) أي مرّ (على جبار من الجبابرة) اسمه صادوق فيما ذكره ابن قتيبة وهو ملك الأردن أو سنان أو سفيان بن علوان فيما ذكره الطبري أو عمرو بن امرئ القيس بن سبأ وكان على مصر ذكره السهيلي (فقيل له: إن ههنا رجلاً) ولأبي ذر عن الكشميهني هذا رجل (معه امرأة من أحسن الناس فأرسل) الجبار (إليه) أي إلى الخليل (فسأله عنها فقال: من هذه) المرأة (قال) الخليل هي (أختي) أي في الإسلام، ولعله أراد بذلك دفع أحد الضررين بارتكاب أخفهما لأن اغتصاب الملك إياها واقع لا محالة لكن إن علم أن لها زوجًا حملته الغيرة على قتله أو حبسه وإضراره بخلاف ما إذا علم أن لها أخًا فإن المغيرة حينئذٍ تكون من قبل الأخ خاصة لا من قبل الملك فلا يبالي به، وقيل خاف أنه إن علم أنها زوجته ألزمه بطلاقها (فأتى) الخليل (سارة قال): ولأبي ذر: فقال (يا سارة ليس على وجه الأرض) التي وقع بها ذلك (مؤمن غيري وغيرك) بفتح الراء عند ابن الحطيئة عن أبي ذر وتخصيص الأرض بالأرض التي وقع بها ذلك دافع لاعتراض من قال إن لوطًا كان مؤمنًا معه قال تعالى: ({ فآمن له لوط} وإن هذا) الجبار (سألني) عنك (فأخبرته أنك أختي) في الإيمان (فلا تكذبيني) بقولك هو زوجي (فأرسل) الجبار (إليهما فلما دخلت عليه ذهب) ولأبي ذر عن الكشميهني: وذهب (يتناولها) ولأبي ذر تناولها بإسقاط التحتية بلفظ الماضي (بيده فأخذ) بضم الهمزة وكسر المعجمة مبنيًا للمفعول أي اختنق حتى ركض برجله كأنه مصروع.
وعند مسلم أنه لما أرسل إليها قام إبراهيم يصلّي، وفي رواية الأعرج في البيوع في باب: شراء الملوك من الحربي وهبته وعتقه فأرسل بها إليه فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلي فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط عليّ الكافر فغطّ حتى ركض برجله، وفي مسلم لما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده فقبضت يده قبضة شديدة (فقال) لها (ادعي الله لي) وعند مسلم ادعي الله أن يطلق يدي (ولا أضرّك) ولأبي ذر: ولا أضرك بفتح الراء (فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية) ولأبي ذر ثانية بغير ألف ولام (فأخذ) بضم الهمزة (مثلها) أي الأولى (أو أشد) منها (فقال) لها (ادعي الله لي) أن يخلصني (ولا أضرك) بفتح الراء وضمها كالسابقة (فدعت الله فأطلق فدعا بعض حجبته) بفتح الحاء المهملة والجيم جمع حاجب ولمسلم ودعا الذي جاء بها.
قال
الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسمه (فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان إنما أتيتموني) ولأبي ذر وابن عساكر إنك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني (بشيطان) أي متمرد من الجن وهو مناسب لما وقع له من الصرع زاد الأعرج.
أرجعوها إلى إبراهيم (فأخدمها هاجر) أي وهبها لها لتخدمها لأنه أعظمها أن تخدم نفسها وكان أبو هاجر من ملوك القبط (فأتته) أي أتت سارة إبراهيم (وهو قائم يصلّي فأومأ بيده مَهْيَا) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء التحتية مقصور من غير همز أي ما حالك وما شأنك، ولأبي ذر عن الكشميهني: مهيم بالميم بدل الألف، ولابن السكن: مهين بالنون وكلها بمعنى (قالت) سارة (ردّ الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره) هو مثل تقوله العرب لمن رام أمرًا باطلاً فلم يصل إليه (وأخدم هاجر) وفي حديث مسلم عن أبي زرعة عن أبي هريرة في حديث الشفاعة الطويل فقال في قصة إبراهيم وذكر كذباته ثم ساقه من طريق أخرى من هذا الوجه وقال في آخره وزاد في قصة إبراهيم وذكر قوله في الكوكب هذا ربي وقوله لآلهتهم { بل فعله كبيرهم هذا} [الصافات: 91] قال القرطبي فيما قرأته في تفسيره فعلى هذا تكون الكذبات أربعة إلا أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نفى تلك بقوله: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وواحدة في شأن سارة" ولم يعد عليه قوله في الكوكب هذا ربي كذبة وهي داخلة فيه، لأنه والله أعلم كان حين قوله ذلك في حال الطفولية وليست حالة تكليف انتهى.

وهذا الذي قاله القرطبي نقله عنه في فتح الباري وأقره وقد اتفق أكثر المحققين على فساده محتجين بأنه لا يجوز أن يكون له رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو موحد عابد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء، وكيف يتوهم هذا على من عصمه وطهره وآتاه رشده من قبل وأراه ملكوت السماوات والأرض، أفتراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبًا قال هذا ربي معتقدًا، فهذا لا يكون أبدًا.
وأيضًا فالقول بربوبية الجماد أيضًا كفر بالإجماع وهو لا يجوز على الأنبياء بالإجماع، أو قاله بعد بلوغه على سبيل الوضع فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقول الخصم ثم يكر عليه بالإفساد كما يقول الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم فيقول الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده مركبًا متغيرًا، فقوله الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه، فكذا هنا قال (هذا ربي) حكاية لقول الخصم ثم ذكر عقبه ما يدل على فساده وهو قوله: (لا أحب الآفلين) ويؤيد هذا أنه تعالى مدحه في آخر هذه الآية على هذه المناظرة بقوله: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] ولذا لم تعد هذه مع تلك الثلاث المذكورة.

(قال أبو هريرة) -رضي الله عنه- بالسند السابق يخاطب العرب (تلك) يعني هاجر (أمكم يا بني ماء السماء) لكثرة ملازمتهم الفلوات التي بها مواقع المطر لرعي دوابهم، وقال الخطابي وقيل إنما أراد زمزم أنبعها الله لهاجر فعاشوا بها فصاروا كأنهم أولادها.
وذكر ابن حبان في صحيحه إن كل مَن كان من ولد هاجر يقال له ولد ماء السماء لأن إسماعيل ولد هاجر وقد ربي بماء زمزم وهي ماء السماء الذي أكرم الله به إسماعيل حين ولدته هاجر، فأولادها أولاد ماء السماء،
وقيل ماء السماء هو عامر جد الأوس والخزرج سمي بذلك لأنه كان إذا قحط الناس أقام لهم ماله مقام مطر.

وهذا الحديث قد سبق في البيع، وأخرجه في النكاح أيضًا ومسلم في الفضائل.