فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب علامات النبوة في الإسلام

باب عَلاَمَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الإِسْلاَمِ
( باب علامات النبوّة) الواقعة ( في) زمن ( الإسلام) من حين البعث دون ما وقع منها قبل، وعبّر بالعلامات لتشمل المعجزات التي هي خوارق عادات مع التحدي والكرامات.


[ قــ :3409 ... غــ : 3571 ]
- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ قَالَ: «حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَسِيرٍ فَأَدْلَجُوا لَيْلَتَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ عَرَّسُوا، فَغَلَبَتْهُمْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أَبُو بَكْرٍ -وَكَانَ لاَ يُوقَظُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ مَنَامِهِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ- فَاسْتَيْقَظَ عُمَرُ، فَقَعَدَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِهِ فَجَعَلَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَزَلَ وَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا فُلاَنُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا؟ قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ ثُمَّ صَلَّى، وَجَعَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي رَكُوبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ لاَ مَاءَ.
فَقُلْنَا: كَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ؟ قَالَتْ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
فَقُلْنَا: انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قَالَتْ: وَمَا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا حَتَّى اسْتَقْبَلْنَا بِهَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَحَدَّثَتْهُ بِمِثْلِ الَّذِي حَدَّثَتْنَا، غَيْرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا مُؤْتِمَةٌ، فَأَمَرَ بِمَزَادَتَيْهَا فَمَسَحَ فِي الْعَزْلاَوَيْنِ، فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعِينَ رَجُلاً حَتَّى رَوِينَا، فَمَلأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا، وَهْيَ تَكَادُ تَنِضُّ مِنَ الْمِلْءِ.
ثُمَّ قَالَ: هَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ، فَجُمِعَ لَهَا مِنَ الْكِسَرِ وَالتَّمْرِ حَتَّى أَتَتْ أَهْلَهَا قَالَتْ: لَقِيتُ أَسْحَرَ النَّاسِ، أَوْ هُوَ نَبِيٌّ كَمَا زَعَمُوا.
فَهَدَى اللَّهُ ذَاكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا».

وبه قال: ( حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: ( حدّثنا سلم بن زرير) بسكون اللام بعد فتح وزرير بفتح الزاي وراءين مهملتين أولاهما مكسورة بينهما تحتية ساكنة العطاردي البصري قال: ( سمعت أبا رجاء) عمران بن ملحان العطاردي المخضرم المعمر ( قال: حدّثنا عمران بن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتن -رضي الله عنه- ( أنهم كانوا مع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في مسير) راجعين من خيبر كما في مسلم أو في الحديبية كما عند أبي داود ( فأدلجوا) بهمزة قطع مفتوحة وسكون الدال المهملة وبالجيم ( ليلتهم) أي ساروا أوّلها ( حتى إذا كان وجه الصبح) ولأبي ذر: في وجه الصبح ( عرسوا) بفتح العين وضم السين المهملتين بينهما راء مشددة أي نزلوا آخر الليل للاستراحة ( فغلبتهم أعينهم) فناموا ( حتى ارتفعت الشمس فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر) الصديق -رضي الله عنه- ( وكان لا يوقظ) بفتح القاف مبنيًّا للمجهول ( رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من منامه حتى يستيقظ) في التيمم، وكان النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه من الوحي، ( فاستيقظ عمر) بعد أبي بكر -رضي الله عنهما- ( فقعد أبو
بكر عند رأسه)
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( فجعل يكبر ويرفع صوته) بالتكبير ( حتى استيقظ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) وفي التيمم: فلما استيقظ عمر رأى ما أصاب الناس أي من نومهم عن صلاة الصبح حتى خرج وقتها وهم على غير ماء وكان رجلاً جليدًا فكبّر ورفع صوته بالتكبير فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا منافاة بينهما إذ لا يمتنع أن كلاًّ من أبي بكر وعمر فعل ذلك ( فنزل) فيه حذف ذكر في التيمم بلفظ: فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم فقال: لا ضير أو لا يضير، ارتحلوا فارتحلوا فسار غير بعيد ثم نزل ( وصلى بنا الغداة) أي الصبح ( فاعتزل رجل) لم يسم ( من القوم لم يصل معنا، فلما انصرف) عليه الصلاة والسلام من الصلاة ( قال) :
( يا فلان) للذي لم يصل ( ما يمنعك أن تصلّي معنا؟ قال) : يا رسول الله ( أصابتني جنابة) زاد في التيمم ولا ماء ( فأمر.
أن يتيمم بالصعيد)
فتيمم ( ثم صلى) .
قال عمران ( وجعلني) من الجعل قيل وصوابه فأعجلني أي أمرني بالعجلة ( رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في ركوب بين يديه) بفتح الراء على كشط في الفرع وهو ما يركب من الدواب فعول بمعنى مفعول وفي غيره بضمها جمع راكب كشاهد وشهود وصوّب الأخير لكن قال في المصابيح: لا وجه للتخطئة في الموضعين أي جعلني من الجعل وفتح راء ركوب.

( وقد عطشنا عطشًا شديدًا) في التيمم بعد قوله: عليك بالصعيد فإنه يكفيك، ثم سار النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فاشتكى إليه الناس العطش فنزل فدعا فلانًا كان يسميه أبو رجاء نسبه عوف ودعا عليًا فقال لهما: اذهبا فابتغيا الماء فانطلقا وفلان المبهم هو عمران القائل هنا وجعلني ( فبينما) بالميم ( نحن نسير) نبتغي الماء ( إذا نحن بامرأة سادلة) بالسين والدال المهملتين أي مرسلة ( رجليها بين مزادتين) تنبيه مزادة راوية أو قربة زاد في التيمم من ماء ( فقلنا لها: أين الماء؟ فقالت: إنه لا ماء) أي هنا ( قلنا كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: يوم وليلة.
فقلنا)
: لها ( انطلقي إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالت) : ولأبي ذر: فقالت ( وما رسول الله؟) قال عمران ( فلم نملكها) بضم النون وفتح الميم وتشديد اللام المكسورة ( من أمرها) شيئًا ( حتى استقبلنا بها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) وسقط لفظ وسلم من الفرع كأصله ( فحدثته) أي المرأة ( بمثل الذي حدثتنا) به ( غير أنها حدثته أنه مؤتمة) بضم الميم فهمزة ساكنة ففوقية مكسورة فميم مفتوحة أي ذات أيتام ( فأمر) عليه الصلاة والسلام ( بمزادتيها فمسح) بالسين والحاء المهملتين ( في العزلاوين) تثنية عزلاء بالعين المهملة وسكون الزاي والمد فم القربة وللحموي والمستملي بالعزلاوين بالباء الموحدة بدل في ( فشربنا) منها حال كوننا ( عطاشًا أربعين) بالنصب بيانًا لعطاشًا، وللحموي والمستملي: أربعون بالرفع أي ونحن أربعون ( رجلاً حتى روينا) بكسر الواو من الري ( فملأنا كل قربة معنا وإداوة) بكسر الهمزة وتخفيف الدال المهملة إناء صغير من جلد يتخذ للماء ( غير أنه) أي الشأن أنا ( لم نسقِ بعيرًا) بالنون في لم نسق لأن الإبل تصبر على الماء ( وهي) أي المزادة ( تكاد تنض) بفوقية مفتوحة فنون مكسورة فضاد معجمة مشدّدة، كذا في اليونينية لكن في الفرع خفضة النون على كشط لعله كشط نقطة الباء وجعلها نونًا أي تنشق ( من الملء) بكسر الميم وسكون اللام آخره همزة يقال: نض الماء من العين إذا نبع.

وقال ابن سيده: نضّ الماء ينض نضًّا من باب ضرب إذا سال، ونض الماء نضًّا ونضيضًا خرج رشحًا والنضض الحسي وهو ماء على رمل دونه إلى أسفل أرض صلبة فكلما نض منه شيء أي رشح واجتمع أخذ، ولأبي ذر عن الكشميهني: تنصب بفوقية مفتوحة فنون ساكنة فصاد مهملة مفتوحة فموحدة مشددة.

وفي حاشية نسخة الشميساطية تبض بفوقية مفتوحة فموحدة مكسورة فمعجمة مشددة، وصدر بها الحافظ ابن حجر أي تقطر وتسيل قليلاً والثلاثة بمعنى.

وفي نسخة ذكرها القاضي عياض في مشارقه تبص بالموحدة المكسورة والصاد المهملة المشددة من البصيص وهو البريق ولمعان خروج الماء القليل، لكن قال الحافظ ابن حجر: معناه مستبعد هنا فإن في نفس الحديث تكاد تنض من الملء فكونها تسيل من الملء ظاهر، وأما كونها تلمع من الملء فبعيد انتهى.
فليتأمل مع القول أنها من البصيص وهو البريق ولمعان خروج الماء القليل.

وفي نسخة الشميساطية في أصل الكتاب تنضر بفوقية فنون فضاد معجمة مشدّدة فراء مفتوحات، وفي أصل ابن عساكر بفوقية مفتوحة فنون ساكنة فضاد معجمة مفتوحة فراء مشدّدة مرفوعة من الضرر.

قال الكرماني: مشتق من باب الانفعال أي تنقطع يقال ضررته فانضر، وقال البرماوي: والصواب تنضرج أي تنشق من الانضراج، وكذا رواه مسلم وكأنه سقط حرف الجيم وفي أصل مسموع على الأصيلي تقطر بفوقية مفتوحة فقاف ساكنة فطاء فراء مضمومتين مهملتين وهي بمعنى التي تسيل.

( ثم قال) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأصحابه الذين معه: ( هاتوا ما عندكم) تطييبًا لخاطرها في مقابلة حبسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها لا أنه عوض عن الماء ( فجمع لها) بضم الجيم وكسر الميم ( من الكسر) بكسر الكاف وفتح المهملة ( والتمر) وجعل في ثوب ووضع بين يديها وسارت ( حتى أتت أهلها قالت) ولأبي ذر: فقالت ( لقيت أسحر الناس أو هو نبي كما زعموا فهدى الله ذاك) ولأبي ذر ذلك باللام بدل الألف ( الصرم) بكسر الصاد المهملة وسكون الراء بعدها ميم النفر ينزلون بأهليهم على الماء ( بتلك المرأة) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: بتيك بتحتية ساكنة بدل اللام ( فأسلمت وأسلموا) .

وهذا الحديث سبق في باب الصعيد الطيب وضوء المسلم من كتاب التيمم.




[ قــ :3410 ... غــ : 357 ]
- حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: "أُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِإِنَاءٍ وَهْوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ.
قَالَ قَتَادَةُ.

قُلْتُ لأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلاَثَمِائَةٍ، أَوْ زُهَاءَ ثَلاَثِمِائَةٍ".

وبه قال: ( حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا ( محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة قال: ( حدّثنا ابن أبي عدي) هو محمد بن أبي عدي واسمه إبراهيم البصري ( عن سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة ( عن قتادة) بن دعامة ( عن أنس -رضي الله عنه-) أنه ( قال: أتى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) بضم الهمزة وكسر الفوقية مبنيًا للمفعول والنبي نائب فاعل ( بإناء) فيه ماء ( وهو) أي والحال أنه ( بالزوراء) بفتح الزاي وسكون الواو وبعدها راء فألف ممدودة موضع بسوق المدينة ( فوضع يده في) ذلك ( الإناء فجعل الماء ينبع) بضم الموحدة وتفتح وتكسر ( من بين أصابعه) من نفس لحمه الكائن بين أصابعه أو من بينها بالنسبة إلى رؤية الرائي وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه يفور ويكثر والأول أوجه ( فتوضأ القوم.
قال قتادة: قلت لأنس كم كنتم؟ قال)
: كنا ( ثلاثمائة) بالنصب خبر لكان المقدرة، وفي اليونينية كانت رفعة وأصلحها نصبة، وفي الفرع رفع على كشط ( أو زهاء) بضم الزاي ممدودًا أي قدر ( ثلاثمائة) .

وهذا الحديث أخرجه مسلم في فضائل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.




[ قــ :3411 ... غــ : 3573 ]
- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَحَانَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ، فَالْتُمِسَ الْوَضُوءُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ".

وبه قال: ( حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي ( عن مالك) الإمام ( عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري ( عن أنس بن مالك) -رضي الله عنه- ( أنه قال: رأيت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- و) الحال أنه قد ( حانت) أي قربت ( صلاة العصر فالتمس الوضوء) بضم التاء وكسر الميم مبنيًّا للمفعول والوضوء بفتح الواو أي طلب الماء للوضوء، ولأبي ذر كما في اليونينية فالتمس الناس الوضوء ولم يعزها في فرع التنكزي وفرع أقبغا لأبي ذر وهي حاشية اليونينية بالحمرة مرقوم عليها بالأسود علامته مصحح عليها ( فلم يجدوه فأتي رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) بضم همزة أتي ورسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نائب فاعل ( بوضوء) بفتح الواو وبماء في إناء ( فوضع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يده في ذلك الإناء فأمر الناس) بالفاء في فأمر ( أن يتوضؤوا منه فرأيت) أي أبصرت ( الماء ينبع) بتثليث الموحدة أي يخرج ( من تحت) وفي نسخة اليونينية وفرعها مصحح عليها من بين ( أصابعه فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم) .
قال الكرماني: كلمة "من" هنا بمعنى إلى وهي لغة، والكوفيون يجوّزون مطلقًا وضع حروف الجر بعضها مقام بعض اهـ.

وقال غيره والمعنى توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم ولم يبق منهم أحد والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم لأن السياق يقتضي العموم وكذا أنس إن قلنا
يدخل المخاطب بكسر الطاء في عموم خطابه وإنما أتي بفضلة من الماء لئلا يظن أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- موجد للماء والإيجاد إنما هو لله تعالى لا لغيره.

وهذا الحديث قد سبق في باب التماس الناس الوضوء من كتاب الطهارة.




[ قــ :341 ... غــ : 3574 ]
- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُبَارَكٍ حَدَّثَنَا حَزْمٌ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَعْضِ مَخَارِجِهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْطَلَقُوا يَسِيرُونَ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً يَتَوَضَّئُونَ.
فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَدَّ أَصَابِعَهُ الأَرْبَعَ عَلَى الْقَدَحِ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَتَوَضَّئُوا، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ حَتَّى بَلَغُوا فِيمَا يُرِيدُونَ مِنَ الْوَضُوءِ، وَكَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ».

وبه قال: ( حدّثنا عبد الرحمن بن مبارك) العيشي بعين مهملة فتحتية ساكنة وشين معجمة نسبة إلى بني عائش بن مالك البصري قال: ( حدّثنا حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة ابن مهران القطعي بضم القاف وفتح الطاء البصري ( قال: سمعت الحسن) البصري ( قال: حدّثنا أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: خرج النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في بعض مخارجه) أي بعض أسفاره ( ومعه ناس من أصحابه) الواو للحال ( فانطلقوا يسيرون فحضرت الصلاة ولم يجدوا ماء يتوضؤون) به وماء بالهمزة ولم يضبطه اليونيني لوضوحه ( فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير) الرجل هو أنس كما في مسند الحرث بن أبي أسامة من طريق شريك بن أبي نمر عن أنس بلفظ قال لي رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "انطلق إلى بيت أم سلمة" قال فأتيته بقدح ماء إما ثلثه وإما نصفه ( فأخذه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فتوضأ) منه زاد في مسند الحرث وفضلت فضلة وكثر الناس فقالوا: لم نقدر على الماء ( ثم مدّ) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( أصابعه الأربع) ولأبي الوقت الأربعة ( على القدح ثم قال) لهم:
( قوموا فتوضؤوا) ولأبي ذر: توضؤوا بغير فاء ( فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء) بضم الياء وكسر الراء ( وكانوا سبعين أو نحوه) .

وهذا الحديث من أفراده.




[ قــ :3413 ... غــ : 3575 ]
- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: "حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ مِنَ الْمَسْجِدِ يَتَوَضَّأُ، وَبَقِيَ قَوْمٌ.
فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فَصَغُرَ الْمِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَضَمَّ أَصَابِعَهُ فَوَضَعَهَا فِي الْمِخْضَبِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ جَمِيعًا.
قُلْتُ: كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: ثَمَانُونَ رَجُلاً".

وبه قال: ( حدّثنا عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون وسكون التحتية بعدها راء أنه ( سمع يزيد) بن هارون بن زاذان الواسطي يقول: ( أخبرنا حميد) الطويل ( عن أنس -رضي الله عنه-) أنه ( قال: حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار من المسجد) النبوي ( يتوضأ) ولأبي ذر:
فتوضأ ( وبقي قوم) لم يتوضؤوا ( فأتي النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بمخضب) بميم مكسورة فخاء ساكنة فضاد مفتوحة معجمتين فموحدة إناء ( من حجارة) تغسل فيه الثياب ويسمى الإجانة والمركن ( فيه ماء فوضع) عليه الصلاة والسلام ( كفه) بالإفراد ( فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فضم أصابعه فوضعها في المخضب فتوضأ القوم كلهم جميعًا) قال حميد ( قلت) : لأنس ( كم كانوا؟ قال: ثمانون رجلاً) ولأبي ذر عن الكشميهني: ثمانين بالنصب خبر كان المقدرة.

ولم يذكر في هذا الحديث نبع الماء اختصارًا للعلم به، وهذه أربع طرق لحديث أنس.

الأول طريق قتادة، والثاني طريق إسحاق بن عبد الله، والثالث طريق الحسن، والرابع طريق حميد.
وفي الأولى أنهم كانوا بالزوراء بالمدينة الشريفة وكذا الرابعة، وفي الثالثة في السفر، وفي الأولى أن الذين توضؤوا كانوا ثلاثمائة، وفي الثالثة كانوا سبعين، وفي الرابعة ثمانين فظهر أنهما قصتان في موطنين للتغاير في عدد من توضأ وتعيين المكان الواقع فيه ذلك وهي مغايرة واضحة يتعذر الجمع فيها.
ووقع عند أبي نعيم من رواية عبد الله بن عمر عن ثابت عن أنس أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خرج إلى قباء فأتي من بعض بيوضهم بقدح صغير.




[ قــ :3414 ... غــ : 3576 ]
- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنهما- قَالَ: «عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ، فَتَوَضَّأَ فَجَهَشَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلاَ نَشْرَبُ إِلاَّ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ.
فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ.
فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا.
قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً».
[الحديث 3576 - أطرافه في: 415، 4153، 4154، 4840، 5639] .

وبه قال: ( حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي البصري قال: ( حدّثنا عبد العزيز بن مسلم) القسملي بالقاف والسين المهملة قال: ( حدّثنا حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي ( عن سالم بن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة رافع الأشجعي ( عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ( -رضي الله عنهما-) أنه ( قال: عطش الناس) بكسر الطاء المهملة ( يوم الحديبية) بتخفيف الياء ( والنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بين يديه ركوة) بتثليث الراء إناء صغير من جلد يشرب فيه ( فتوضأ) منها ( فجهش الناس نحوه) عليه الصلاة والسلام بفتح الجيم والهاء والشين المعجمة من باب قطع أي أسرعوا إلى الماء متهيئين لأخذه، ولأبي ذر بكسر الهاء من باب سمع، وللحموي والمستملي جهش بإسقاط الفاء وفتح الهاء ( فقال) : عليه الصلاة والسلام ولأبوي ذر والوقت قال:
( ما لكم؟ قالوا) يا رسول الله ( ليس عندنا ماء نتوضأ) به ( ولا نشرب إلا ما بين يديك) وماء مهموز في اليونينية وفرع آقبغا ولم يضبطه في فرع تنكز ( فوضع) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( يده في الركوة فجعل
الماء يثور)
بالمثلثة، ولأبي ذر عن الكشميهني يفور بالفاء ( بين أصابعه) بغير من ( كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا) قال سالم: ( قلت) لجابر ( كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة) .

قال في شرح المشكاة: عدل عن الظاهر لاحتمال التجوّز في الكثرة والقلة، وهذا يدل على أنه اجتهد فيه وغلب ظنه على هذا المقدار، وقول البراء في الحديث الذي يتلو هذا الحديث كنا أربع عشرة مائة كان عن تحقيق لأن أهل الحديبية كانوا ألفًا وأربعمائة تحقيقًا.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي وكذا مسلم والنسائي في الطهارة والتفسير.




[ قــ :3415 ... غــ : 3577 ]
- حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ -رضي الله عنه- قَالَ كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، فَنَزَحْنَاهَا حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَجَلَسَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي الْبِئْرِ، فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا وَرَوَتْ -أَوْ صَدَرَتْ- رَكَائِبُنَا".
[الحديث 3577 - طرفاه في: 4150، 4151] .

وبه قال: ( حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد بن درهم النهدي الكوفي قال: ( حدّثنا إسرائيل) بن يونس ( عن) جده ( أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي ( عن البراء) بن عازب -رضي الله عنه- أنه ( قال: كنا يوم الحديبية) بتخفيف الياء ولأبي ذر: بالحديبية ( أريع عشرة مائة) رجح البيهقي هذه الرواية على رواية خمس عشرة مائة، بل قال ابن المسيب فيما حكي عنه أنها وهم، وهي رواية مالك والأكثرين فيما نقله غير واحد، لكن ما وقع في رواية زهير أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة أو أكثر يدل على عدم التحديد، وقد جمع بأنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة فمن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفًا وأربعمائة ألغاه، وأما رواية عبد الله بن أبي أوفى كانوا ألفًا وثلاثمائة فتحمل على ما اطلع هو عليه واطلع غيره على زيادة لم يطلع هو عليها والزيادة من الثقة مقبولة.

وقال في العمدة: يحمل قول من يزيد على أربع عشرة مائة أو ينقص منها مائة على عدة من انضم من المهاجرين والأنصار من العرب، فمنهم من جعل المنضافين لهم مائة، ومنهم من جعل المهاجرين والأنصار ثلاث عشرة مائة ولم يعد من انضاف إليهم لكونهم أتباعًا.
وأما قول ابن إسحاق كانوا سبعمائة فقاله تفقهًا من قِبل نفسه من حيث إنهم نحروا البدنة على عشرة وكانوا نحروا سبعين وليس فيه دليل على أنهم لم ينحروا غير البدن، وأيضًا كان فيهم من لم يحرم أصلاً.

( والحديبية بئر) على مرحلة من مكة مما يلي المدينة، وقيل سميت بشجرة حدباء كانت هناك ( فنزحناها) أي استقينا ماءها ( حتى لم ترك فيها قطرة) من ماء ( فجلس النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على شفير البئر) بالشين المعجمة المفتوحة والفاء المكسورة أي على شفتها ( فدعا بماء فمضمض) أي جعله في فيه
الشريف وحرّكه ( ومجّ) أي رمى بالماء الذي في فيه ( في البئر فمكثنا) بفتح الكاف وضمها ( غير بعيد ثم استقينا) من البئر ( حتى روينا) بكسر الواو ( وروت) بفتحها، ولأبي ذر: ورويت بكسرها مع زيادة تحتية بعدها ( أو) قال ( صدرت) بفتح الراء أي رجعت ( ركائبنا) بفتح الراء وبعد الألف تحتية، ولأبوي الوقت وذر: ركابنا بكسر الراء وإسقاط التحتية إبلنا التي تحملنا.
وهذا الحديث من أفراده.




[ قــ :3416 ... غــ : 3578 ]
- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلاَثَتْنِي بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أأرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: بِطَعَامٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا.
فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ.
فَقَالَتِ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ.
ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ حتى شَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلاً».

وبه قال: ( حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: ( أخبرنا مالك) الإمام الأعظم ( عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني ( أنه سمع أنس بن مالك) -رضي الله عنه- ( يقول: قال أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري المدني ( لأم سليم) واسمها رميلة أو سهلة أو رمسة وهي أخت أم حرام بنت ملحان وكلتاهما خالة لرسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الرضاع زوجته والدة أنس ( لقد سمعت صوت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ضعيفًا أعرف فيه الجوع) وكأنه لم يسمع في صوته لما تكلم إذ ذاك الفخامة المألوفة منه، فحمل ذلك على الجوع بالقرينة التي كانوا فيها وفيه ردّ على دعوى ابن حبان أنه لم يكن يجوع محتجًا بحديث أبيت يطعمني ربي ويسقيني وهو محمول على تعدّد الحال فكان أحيانًا يجوع ليتأسى به أصحابه، ولا سيما من لا يجد مددًا فيصبر فيضاعف أجره، وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم عن أنس قال: جئت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته فدخل على أم سليم قال: ( فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم فأخرجت أقراصًا من شعير ثم أخرجت خمارًا) بكسر الخاء المعجمة أي نصيفًا ( لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته) أي أخفته ( تحت يدي) بكسر الدال أي إبطي ( ولاثتني) بالمثلثة ثم الفوقية الساكنة ثم النون المكسورة لفتني ( ببعضه) ببعض الخمار على رأسي، ومنه لاث العمامة على رأسه أي عصبها.
( ثم أرسلتني إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قال: فدهبت به)
بالخبز ( فوجدت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في المسجد) الذي هيأه للصلاة في غزوة الأحزاب ( ومعه الناس فقمت عليهم فقال لي رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) :
( أأرسلك أبو طلحة؟) استفهام استخباري ( فقلت: نعم) أرسلني ( قال: بطعام؟ فقلت: نعم) بطعام ( فقال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لمن معه) : من الصحابة ( قوموا) .
قال في الفتح: ظاهره أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله فلذا قال لهم: قوموا، وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس فيجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيأكله، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس حوله استحيا وظهر له أن يدعو النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليقوم معه وحده إلى المنزل ليحصل المقصود من إطعامه.
قال: وقد وجدت في أكثر الروايات ما يقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في هذه الواقعة.
ففي رواية سعد بن سعيد عن أنس عند مسلم بعثني أبو طلحة إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأدعوه وقد جعل له طعامًا، وفي رواية محمد بن كعب فقال: يا بني اذهب إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فادعه ولا تدع معه غيره ولا تفضحني.

( فانطلق) وأصحابه.
وفي رواية محمد بن كعب فقال للقوم: "انطلقوا" فانطلقوا وهم ثمانون رجلاً ( وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته) بمجيئهم ( فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالناس وليس عندنا ما نطعمهم) أي قدر ما يكفيهم ( فقالت) : أم سليم ( الله ورسوله أعلم) بقدر الطعام فهو أعلم بالمصلحة ولو لم يكن يعلم بالمصلحة لم يفعل ذلك ( فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأقبل رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأبو طلحة معه) حتى دخل على أم سليم ( فقال رسول الله) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( هلم يا أم سليم) بفتح ميم هلم مشددة مع الخطاب للمؤنثة وهي لغة أهل الحجاز يستوي فيها المذكر والمؤنث والمفرد وغيره تقول: هلم يا زيد ويا هند ويا زيدان ويا هندان، ولأبي ذر عن الكشميهني: هلمي بالياء التحتية أي هات ( ما عندك.
فأتت بذلك الخبز)
الذي كانت أرسلته مع أنس ( فأمر به رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ففتّ) بتشديد الفوقية بعد ضم ( وعصرت أم سليم عكة) من جلد فيها سمن ( فأدمته) جعلته أدامًا للمفتوت.

( ثم قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيه ما شاء الله أن يقول) وفي رواية مبارك بن فضالة عند أحمد فقال: "بسم الله".
وفي رواية سعد بن سعيد عند مسلم فمسحها ودعا فيها بالبركة، وفى رواية النضر بن أنس عند أحمد عن أنس فجئت بها ففتح رباطها ثم قال: "بسم الله اللهم أعظم فيها
البركة" ( ثم قال) : ( ائذن) بالدخول ( لعشرة) من أصحابه ليكون أرفق بهم فإن الإناء الذي فيه الطعام لا يتحلق عليه أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم لبعده عنهم ( فأذن لهم) أبو طلحة فدخلوا ( فأكلوا) من ذلك الخبز المأدوم بالسمن ( حتى شبعوا ثم خرجوا.
ثم قال)
: عليه الصلاة والسلام لأبي طلحة ( ائذن لعشرة) ثانية ( فأذن لهم) فدخلوا ( فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال) : ( ائذن لعشرة) ثالثة ( فأذن لهم) فدخلوا ( فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال) : ( ائدن لعشرة) رابعة ( فأكل القوم كلهم حتى شبعوا) كذا في الفرع حتى شبعوا، كتب حتى على كشط وفي اليونينية وفرع آقبغا والناصرية وغيرها مما رأيته كلهم وشبعوا ( والقوم سبعون) زاد أبو ذر هنا رجلاً ( أو) قال: ( ثمانون رجلاً) بالشك من الراوي.

وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عند أحمد حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً ثم أكل رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤرًا أي فضلاً.
وفي رواية سعد بن سعيد عند مسلم: ثم أخذ ما بقي فجمعه ثم دعا فيه بالبركة فعاد كما كان.
وفي رواية عمرو بن عبد الله عند أبي يعلى عن أنس: وفضلت فضلة فأهديناها لجيراننا.

وحديث الباب هذا أخرجه المصنف أيضًا في الأطعمة وكذا مسلم وأخرجه الترمذي في المناقب والنسائي في الوليمة.




[ قــ :3417 ... غــ : 3579 ]
- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ، فَقَالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ».

وبه قال: ( حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا ( محمد بن المثنى) العنزي البصري قال: ( حدّثنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله ( الزبيري) بضم الزاي وفتح الموحدة مصغرًا الكوفي قال: ( حدّثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ( عن منصور) هو ابن المعتمر ( عن إبراهيم) هو النخعي ( عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي ( عن عبد الله) بن مسعود -رضي الله عنه- أنه ( قال: كنا نعدّ الآيات) التي هي خوارق العادات ( بركة) من الله تعالى ( وأنتم تعدونها) كلها ( تخويفًا) مطلقًا.
والتحقيق أن بعضها بركة كشبع الجيش الكثير من الطعام القليل وبعضها تخويف ككسوف الشمس وكأنهم تمسكوا بظاهر قوله: { وما نرسل الآيات إلاّ تخويفًا} [لاسراء: 59] أي من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له ( كنا مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في سفر) في الحديبية كما جزم به البيهقي أو خيبر كما عند أبي نعيم في الدلائل ( فقلّ الماء فقال) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

( اطلبوا فضلة من ماء) لئلا يظن أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- موجد للماء ( فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده)
المباركة ( في الإناء ثم قال: حي) بفتح الياء ( على الطهور) بفتح الطاء أي هلموا إلى الماء مثل حي على الصلاة ويجوز ضم الطاء والمراد الفعل أي تطهروا ( المبارك) الذي أمده الله ببركة نبيه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( والبركة) مبتدأ خبره ( من الله) عز وجل.

قال ابن مسعود ( فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أي من نفس اللحم الذي بينها ( ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) أي في حالة الأكل في عهده -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غالبًا.

وعند الإسماعيلي كنا نأكل مع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونحن نسمع تسبيح الطعام.

وهذا الحديث أخرجه الترمذي في المناقب.




[ قــ :3418 ... غــ : 3580 ]
- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ -رضي الله عنه-: «أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِي تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَلَيْسَ عِنْدِي إِلاَّ مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ، وَلاَ يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ سِنِينَ مَا عَلَيْهِ، فَانْطَلِقْ مَعِي لِكَيْ لاَ يُفْحِشَ عَلَىَّ الْغُرَمَاءُ.
فَمَشَى حَوْلَ بَيْدَرٍ مِنْ بَيَادِرِ التَّمْرِ فَدَعَا، ثَمَّ آخَرَ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ فَقَالَ: انْزِعُوهُ، فَأَوْفَاهُمُ الَّذِي لَهُمْ، وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ».

وبه قال: ( حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: ( حدّثنا زكريا) بن أبي زائدة ( قال:
حدّثني)
بالإفراد ( عامر) هو الشعبي ( قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا ( جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ( -رضي الله عنه- أن أباه توفي) شهيدًا يوم أُحُد ( وعليه دين) وفي رواية وهب بن كيسان ثلاثون وسقًا ليهودي فاستنظره جابر فأبى أن ينظره قال: ( فأتيت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقلت) له ( إن أبي ترك عليه دينًا وليس عندي إلا ما يخرج نخله) من التمر ( ولا يبلغ ما يخرج) نخله في مدة ( سنين) بالجمع ( ما عليه) من الدين ( فانطلق معي لكيلا) ولأبي ذر: لكي لا ( يفحش) بضم أوّله وكسر ثالثه أو فتح أوّله وضم ثالثه والوجهان في الناصرية ( علي الغرماء) بتشديد ياء علي، فقال عليه الصلاة والسلام: "نعم" فانطلق فأتى على الحائط ( فمشى حول بيدر من بيادر التمر) قال في المغرب: البيدر الموضع الذي يداس فيه الطعام ( فدعا) في تمره بالبركة ( ثم) مشى حول بيدر ( آخر) فدعا ( ثم جلس عليه) على البيدر ( فقال) :
( انزعوه) بكسر الزاي أي من البيدر وفي رواية مغيرة عن الشعبي في البيوع كل للقوم ( فأوفاهم الذي لهم) وفي رواية فراس في الوصايا ثم قال لجابر: جدّ فأوف له الذي له فجدّه ( وبقي مثل ما أعطاهم) .
وفي رواية مغيرة وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء، وفي رواية وهب بن كيسان فأوفاه ثلاثين وسقًا وفضلت له سبعة عشر وسقًا ويجمع بالحمل على تعدّد الغرماء، فكأن أصل الدين كان منه ليهودي ثلاثون وسقًا من صنف واحد فأوفاه وفضل من ذلك البيدر سبعة عشر وسقًا وكان منه لغير ذلك اليهودي أشياء أخر من أصناف أخرى فأوفاهم وفضل من المجموع قدر الذي أوفاه.
قاله في فتح الباري.

وهذا الحديث سبق مطوّلاً ومختصرًا في الاستقراض والجهاد والشروط والبيع والوصايا.