فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن

باب قُدُومُ الأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ
وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ».

( باب قدوم الأشعريين) سنة سبع عند فتح خيبر مع أبي موسى ( و) بعض ( أهل اليمن) وهم رفد حمير سنة الوفود سنة تسع، وليس المراد اجتماعهما في الوفادة، وسقط لفظ باب لأبي ذر فالتالي رفع ( وقال أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ( عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هم) أي الأشعريون ( مني وأنا منهم) هي من الاتصالية ومعنى ذلك المبالغة في اتحاد طريقهما واتفاقهما على طاعة الله تعالى.

والحديث موصول عند المؤلّف في الشركة.


[ قــ :4146 ... غــ : 4384 ]
- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ فَمَكَثْنَا حِينًا مَا نُرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَهُ.

وبه قال: ( حدثني) بالإفراد ( عبد الله بن محمد) المسندي ( وإسحاق بن نصر) أبو إبراهيم السعدي ( قالا: حدّثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي قال: ( حدّثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي قال: ( حدّثنا ابن أبي زائدة) هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة واسمه ميمون أو خالد الهمداني الكوفي ( عن أبيه) زكريا الأعمى الكوفي ( عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي ( عن الأسود بن يزيد) النخعي الكوفي ( عن أبي موسى) الأشعري -رضي الله عنه- أنه ( قال: قدمت أنا وأخي) أبو رهم أو أبو بردة ( من اليمن) على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عند فتح خيبر صحبة جعفر بن أبي طالب ( فمكثنا حينًا) حال كوننا ( ما نرى) بضم النون أي ما نظن ( ابن مسعود) عبد الله ( وأمه) أم عبد الهذلية ( إلا من أهل البيت) النبوي ( من كثرة دخولهم) على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( ولزومهم له) .

وقد سبق في مناقب ابن مسعود.




[ قــ :4147 ... غــ : 4385 ]
- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى أَكْرَمَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ جَرْمٍ وَإِنَّا لَجُلُوسٌ عِنْدَهُ، وَهْوَ يَتَغَدَّى دَجَاجًا وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ فَدَعَاهُ إِلَى الْغَدَاءِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْكُلُهُ فَقَالَ: إِنِّي حَلَفْتُ لاَ آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ أُخْبِرْكَ عَنْ يَمِينِكَ، إِنَّا أَتَيْنَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَفَرٌ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَأَبَى أَنْ يَحْمِلَنَا فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَحْمِلَنَا ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ أُتِيَ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ فَلَمَّا قَبَضْنَاهَا قُلْنَا تَغَفَّلْنَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَمِينَهُ لاَ نُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لاَ تَحْمِلَنَا وَقَدْ حَمَلْتَنَا قَالَ: «أَجَلْ وَلَكِنْ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا».

وبه قال: ( حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: ( حدّثنا عبد السلام) بن حرب بن سلمة النهدي بالنون الملاي بضم الميم وتخفيف اللام الثقة الحافظ له مناكير ( عن أيوب) السختياني ( عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي ( عن زهدم) بفتح الزاي وسكون الهاء بوزن جعفر بن مضرب بالضاد المعجمة وكسر الراء الجرمي بفتح الجيم كالسابق أبي مسلم البصري أنه ( قال: لما قدم أبو موسى) قال ابن حجر: أي إلى الكوفة أميرًا عليها في زمن عثمان، ووهم من قال: أراد اليمن لأن زهدمًا لم يكن من أهل اليمن انتهى.
والظاهر أنه أراد بالواهم الكرماني ومن تبعه ( أكرم هذا
الحي من جرم)
بفتح الجيم وسكون الراء قبيلة مشهورة ينسبون إلى جرم بن ربان براء مفتوحة فموحدة مشددة ابن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ( وإنا لجلوس عنده وهو يتغدى) بالغين المعجمة والدال المهملة ( دجاجًا وفي القوم رجل جالس) لم يسم نعم في رواية عبد الله بن عبد الوهاب عن حماد عن أيوب في الخمس أنه من بني تيم الله أحمر كأنه من الموالي ( فدعاه) أبو موسى ( إلى الغداء) معه ( فقال) الرجل: ( إني رأيته) أي الدجاج ( يأكل شيئًا) من النجاسة ( فقذرته) بفتح القاف وكسر الذال المعجمة أي كرهته واستقذرته ( فقال) له أبو موسى: ( هلم) أي تعال ( فإني رأيت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يأكله.
فقال)
الرجل ( إني حلفت لا آكله) كذا في اليونينية وفي الفرع وغيره أن لا آكله ( فقال) له أبو موسى ( هلم أخبرك) بالجزم ( عن يمينك) الذي حلفته ( إنّا أتينا النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نفر من الأشعريين) ما بين الثلاثة إلى العشرة من الرجال ( فاستحملناه) طلبنا منه أن يحملنا وأثقالنا على إبل في غزوة تبوك ( فأبى أن يحملنا فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا، ثم لم يلبث النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن أُتي) بضم الهمزة ( بنهب إبل) من غنيمة ( فأمر لنا بخمس ذود) بالإضافة وفتح الذال المعجمة ما بين الثنتين إلى التسعة من الإبل ( فلما قبضناها قلنا: تغفلنا) بالغين المعجمة وتشديد الفاء وسكون اللام ( النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يمينه لا نفلح بعدها فأتيته فقلت: يا رسول الله إنك حلفت أن لا تحملنا) بفتح اللام ( وقد حملتنا.
قال)
:
( أجل) أي نعم حلفت وحملتكم، وزاد في رواية عبد الله بن عبد الوهاب المذكورة: أفنسيت ( ولكن لا أحلف على يمين) أي محلوف يمين، ولمسلم أمر بدل يمين ( فأرى) بفتح الهمزة ( غيرها خيرًا منها) أي من الخصلة المحلوف عليها ( إلا أتيت الذي هو خير منها) زاد في الرواية المذكورة وتحللتها.

والمطابقة بين الترجمة والحديث ظاهرة.




[ قــ :4148 ... غــ : 4386 ]
- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرَةَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ قال: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَ: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيمٍ» فَقَالُوا: أَمَّا إِذْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ» قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.

وبه قال: ( حدثني) بالإفراد ( عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي قال: ( حدّثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد قال: ( حدّثنا سفيان) الثوري قال: ( حدّثنا أبو صخرة جامع بن شداد) بالمعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى المحاربي ( قال: حدّثنا صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء بعدها زاي ( المازني قال: حدّثنا عمران بن حصين قال: جاءت بنو تميم إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال) :
( أبشروا) بهمزة قطع بالجنة ( يا بني تميم فقالوا: أما إذ بشرتنا فأعطنا) من المال ( فتغير وجه رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فجاء ناس من أهل اليمن) وهم الأشعريون ( فقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) لهم: ( أقبلوا البشرى) يا أهل اليمن ( إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا) ها ( يا رسول الله) .
كذا أورد هذا الحديث هنا مختصرًا.
وسبق تامًّا في بدء الخلق ومراده منه هنا قوله: فجاءنا ناس من أهل اليمن.

قال في الفتح: واستشكل بأن قدوم وفد بني تميم كان سنة تسع وقدوم الأشعريين كان قبل ذلك عقب فتح خيبر سنة سبع.
وأجيب: باحتمال أن يكون طائفة من الأشعريين قدموا بعد ذلك.




[ قــ :4149 ... غــ : 4387 ]
- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «الإِيمَانُ هَا هُنَا -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْيَمَنِ- وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ، رَبِيعَةَ، وَمُضَرَ».

وبه قال: ( حدثني) بالإفراد ( عبد الله بن محمد) المسند ( الجعفي) قال: ( حدّثنا وهب بن جرير) بفتح الجيم ابن حازم قال: ( حدّثنا شعبة) بن الحجاج ( عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم البجلي ( عن قيس بن أبي حازم) البجلي ( عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو البدري الأنصاري -رضي الله عنه- ( أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال) :
( الإيمان هاهنا وأشار) بالواو ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فأشار ( بيده إلى) جهة ( اليمن) أي أهلها لا من ينسب إليها، ولو كان من غير أهلها، وفيه ردّ على من زعم أن المراد بقوله: الإيمان يمان الأنصار لأنهم يمانيو الأصل، لأن في إشارته إلى اليمن ما يدل على أن المراد به أهلها حينئذٍ لا الذين كان أصلهم منها، وسبب الثناء عليهم بذلك إسراعهم إلى الإيمان وحسن قبولهم له: ولا يلزم من ذلك نفيه عن غيرهم كما لا يخفى ( والجفاء) بفتح الجيم والفاء ممدود التباعد وعدم الرقة والرحمة ( وغلظ القلوب) بكسر الغين المعجمة وفتح اللام بعدها معجمة ( في الفدادين) بالفاء والدالين المهملتين الأولى مشددة جمع فدّاد وهو الشديد الصوت ( عند أول أذناب الإبل) عند سوقهم لها ذمهم لاشتغالهم بمعالجة ذلك عن أمور دينهم وذلك مقتض لقساوة القلب على ما لا يخفى ( من حيث يطلع قرنا الشيطان) اللعين بالتثنية جانبا رأسه لأنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس، فإذا طلعت كانت بين قرنيه ( ربيعة ومضر) بالجر بدلاً من الفدّادين غير منصرفين، هما قبيلتان مشهورتان.

ومرّ الحديث بأواخر بدء الخلق في باب خير مال المسلم غنم.




[ قــ :4150 ... غــ : 4388 ]
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي أَصْحَابِ الإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ».

وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
وبه قال: ( حدّثنا محمد بن بشار) بندار العبدي قال: ( حدّثنا ابن أبي عدي) محمد واسم أبي عدي إبراهيم ( عن شعبة) بن الحجاج ( عن سليمان) الأعمش ( عن ذكوان) أبي صالح السمان ( عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أنه ( قال) يخاطب أصحابه وفيهم الأنصار:
( أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا) .
قال الخطابي: وصف الأفئدة بالرقة، والقلوب باللين، لأن الفؤاد غشاء القلب، فإذا رق نفذ القول منه وخلص إلى ما وراءه، وإذا غلظ بعد وصوله إلى داخل فإذا صادف القلب لينًا علق به وتجمع فيه.

وقال القاضي البيضاوي: الرقة ضدّ الغلظ، والصفاقة واللين مقابل القسوة فاستعيرت في أحوال القلب، فإذا نبا عن الحق وأعرض عن قبوله ولم يتأثر بالآيات والنذر يوصف بالغلظ، فكأن شغافه صفيق لا ينفذ فيه الحق وجرمه صلب لا يؤثر فيه الوعظ، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرقة واللين، فكأن حجابه رقيق لا يأبى نفوذ الحق وجوهره لين يتأثر بالنصح، وللطيبي فيه قول آخر يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، ولما وصفهم بذلك أتبعه بما هو كالنتيجة والغاية فقال عليه الصلاة والسلام:
( الإيمان يمان) مبتدأ وخبر وأصله يمني بياء النسبة فحذفت الياء تخفيًا وعوّض عنها الألف أي الإيمان منسوب إلى أهل اليمن، لأن صفاء القلب ورقته ولين جوهره يؤدّي به إلى عرفان الحق والتصديق به وهو الإيمان والانقياد ( والحكمة يمانية) بتخفيف الياء فقلوبهم معادن الإيمان وينابيع الحكمة ( والفخر) كالإعجاب بالنفس ( والخيلاء) الكبر واحتقار الغير ( في أصحاب الإبل والسكينة) المسكنة ( والوقار) الخضوع ( في أهل الغنم) .
قال البيضاوي في تخصيص الخيلاء بالصحابي الإبل، والوقار بأهل الغنم ما يدل على أن مخالطة الحيوان ربما تؤثر في النفس وتعدي إليها هيئات وأخلاقًا تناسب طباعها وتلائم أحوالها.

( وقال غندر) محمد بن جعفر فيما وصله أحمد ( عن شعبة) بن الحجاج ( عن سليمان) الأعمش أنه قال: ( سمعت ذكوان) الزيات ( عن أبي هريرة) -رضي الله عنه- ( عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) فذكر الحديث السابق وأعاده لتصريح الأعمش بسماعه من ذكوان.




[ قــ :4151 ... غــ : 4389 ]
- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِتْنَةُ هَا هُنَا هَا هُنَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ».

وبه قال: ( حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: ( حدثني) بالإفراد ( أخي) أبو بكر عبد الحميد ( عن سليمان) بن بلال ( عن ثور بن زيد) المدني لا الشامي ( عن أبي الغيث) بالمعجمة المفتوحة والمثلثة بينهما ياء ساكنة سالم مولى عبد الله بن مطيع ( عن أبي هريرة) -رضي الله عنه- ( أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال) :
( الإيمان يمان والفتنة هاهنا) يعني نحو المشرق ( هاهنا يطلع قرن الشيطان) بالإفراد ومرّ ما فيه قريبًا.




[ قــ :415 ... غــ : 4390 ]
- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ».

وبه قال: ( حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: ( أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: ( حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة) -رضي الله عنه- ( عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أنه ( قال) لأصحابه:
( أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبًا وأرق أفئدة) قال في شرح المشكاة: يمكن أن يراد بالفؤاد والقلب ما عليه أهل اللغة من كونهما مترادفين فكرّر ليناط به معنى غير المعنى السابق، فإن الرقة مقابلة للغلظ واللين مقابل للشدة والقسوة، فوصف أوّلاً بالرقة ليشير إلى التخلق مع الناس وحسن العشرة مع الأهل والإخوان.
قال تعالى: { ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك} [آل عمران: 159] وثانيًا باللين ليؤذن بأن الآيات النازلة والدلائل المنصوبة ناجعة فيها وصاحبها مقيم على التعظيم لأمر الله.

( الفقه) وهو إدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها ( يمان والحكمة يمانية) ولأبوي ذر والوقت يمان بلا هاء التأنيث.

قال في الفتح: الأظهر أن المراد من ينسب له بالسكنى بل هو المشاهد في كل عصر من أحوال سكان جهة اليمن إذ غالبهم رقاق القلوب والأبدان، وغالب من يوجد من جهة الشمال غلاظ القلوب والأبدان.
وعند البزار من حديث ابن عباس بينا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالمدينة إذ قال: "الله أكبر { إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] وجاء أهل اليمن نقية قلوبهم حسنة طاعتهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية".
وعن جبير بن مطعم عنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "يطلع عليكم أهل اليمن كأنهم السحاب هم خير أهل الأرض" رواه أحمد والبزار وأبو يعلى.




[ قــ :4153 ... غــ : 4391 ]
- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَجَاءَ خَبَّابٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَيَسْتَطِيعُ هَؤُلاَءِ الشَّبَابُ أَنْ يَقْرَءُوا كَمَا تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ شِئْتَ أَمَرْتُ بَعْضَهُمْ يَقْرَأُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: أَجَلْ.
قَالَ: اقْرَأْ يَا عَلْقَمَةُ
فَقَالَ زَيْدُ بْنُ حُدَيْرٍ أَخُو زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: أَتَأْمُرُ عَلْقَمَةَ أَنْ يَقْرَأَ وَلَيْسَ بِأَقْرَئِنَا؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فِي قَوْمِكَ وَقَوْمِهِ فَقَرَأْتُ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ مَا أَقْرَأُ شَيْئًا إِلاَّ وَهُوَ يَقْرَؤُهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَبَّابٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْخَاتَمِ أَنْ يُلْقَى؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَرَاهُ عَلَىَّ بَعْدَ الْيَوْمِ فَأَلْقَاهُ، رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ.

وبه قال: ( حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة العابد المروزي البصري الأصل ( عن أبي حمزة) بالزاي محمد بن ميمون السكري ( عن الأعمش) سليمان ( عن إبراهيم) النخعي ( عن علقمة) بن قيس أنه ( قال: كنا جلوسًا مع ابن مسعود فجاء خبّاب) بفتح الخاء المعجمة والموحدة المشددة وبعد الألف موحدة أخرى ابن الأرثّ الصحابي -رضي الله عنه- ( فقال) : لابن مسعود مستفهمًا منه ( يا أبا عبد الرحمن أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرؤوا كما تقرأ) ؟ أنت ( قال: أما) بالتخفيف ( إنك لو) ولأبي ذر: إن ( شئت أمرت) بتاء الخطاب أو التكلم ( بعضهم يقرأ عليك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فيقرأ بزيادة فاء قبل الياء، وله عن الكشميهني: فقرأ بصيغة الماضي ( قال: أجل) أي نعم ( قال) ابن مسعود: ( اقرأ يا علقمة.
فقال زيد بن حدير)
بالحاء المضمومة والدال المفتوحة المهملتين مصغرًا ( أخو زياد بن حدير) الأسدي التابعي الكبير له رواية في سنن أبي داود ( أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ قال) ابن مسعود ( أما) بالتخفيف ( إنك إن شئت أخبرتك بما قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قومك) بني أسد من الذم حيث قال عليه الصلاة والسلام فيما سبق في المناقب: إن جهينة وغيرها خير من بني أسد وغطفان ( وقومه) النخع من الثناء فيما رواه أحمد والبزار بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: شهدت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في يدعو لهذا الحي من النخع ويثني عليهم حتى تمنيت أني رجل منهم.
قال علقمة: ( فقرأت خمسين أية من سورة مريم، فقال عبد الله) بن مسعود لخباب ( كيف ترى؟ قال) خباب ( قد أحسن) ولأحمد فقال خباب لعلقمة: أحسنت ( قال عبد الله) بن مسعود ( ما أقرأ شيئًا إلا هو) أي علقمة ( يقرؤه، ثم التفت) عبد الله بن مسعود ( إلى خباب وعليه خاتم من ذهب فقال) له: ( ألم يأن لها الخاتم أن يلقى) بضم أوله وفتح ثالثه أي يرمى به ( قال) خباب: ( أما) بالتخفيف ( إنك لمن تراه عليّ بعد اليوم فألقاه.
رواه غندر)
محمد بن جعفر فيما وصله أبو نعيم في مستخرجه ( عن شعبة) بن الحجاج أي عن الأعمش بالإسناد السابق، والظاهر أن خبابًا كان يعتقد أن النهي عن خاتم الذهب للتنزيه، فنبهه ابن مسعود على أنه للتحريم.