فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب قوله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} «من الرأفة»

باب قَوْلِهِ: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] مِنَ الرَّأْفَةِ
( باب قوله) عز وجل ( { لقد جاءكم رسول} ) يعني محمدًا ( { من أنفسكم} ) من جنسكم صفة لرسول أي من صميم العرب وقرأ ابن عباس وأبو العالية وابن محيصن ومحبوب عن أبي عمرو ويعقوب من بعض طرقه وهي قراءته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وفاطمة وعائشة بفتح الفاء أي من أشرفكم، وقال الزجاج هي مخاطبة لجميع العالم والمعنى: لقد جاءكم رسول من البشر وإنما كان من الجنس لأن الجنس إلى الجنس أميل ثم رتب عليه صفات أخرى لتعداد المنن على المرسل إليهم فقال ( { عزيز عليه} ) أي شديد شاق ( { ما عنتم} ) عنتكم أي إثمكم وعصيانكم فما مصدرية وهي مبتدأ وعزيز خبر مقدم ويجوز أن يكون ما عنتم فاعلاً بعزيز وعزيز صفة لرسول ويجوز أن تكون ما موصولة أي يعز عليه الذي عنتموه أي عنتم بسببه فحذف العائد على التدريج كقوله:
يسر المرء ما ذهب الليالي ... وكان ذهابهن له ذهابا
أي يسره ذهاب الليالي ( { حريص عليكم} ) أن تدخلوا الجنة ( { بالمؤمنين رؤوف رحيم} ) [التوبة: 128] وهي أشد الرحمة ولم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير نبينا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قاله الحسين بن الفضل وسقط لأبي ذر قوله: { حريص} الخ وقال بعد قوله: { عنتم} الآية.


[ قــ :4424 ... غــ : 4679 ]
- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ -رضي الله عنه-، وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ:.

قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لاَ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلاَ نَتَّهِمُكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ
النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة: 128] إِلَى آخِرِهَِا.
وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ.
تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، وَاللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
.

     وَقَالَ  اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
.

     وَقَالَ  مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ.
.

     وَقَالَ  مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ.
.

     وَقَالَ  أَبُو ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ.

     وَقَالَ  مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ.

وبه قال: ( حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: ( أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة ( عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه ( قال: أخبرني) بالإفراد ( ابن السباق) بالسين المهملة والموحدة المشدّدة المفتوحتين وبعد الألف قاف عبيد المدني الثقفي أبو سعيد ( أن زيد بن ثابت الأنصاري -رضي الله عنه- وكان ممن يكتب الوحي) لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( قال: أرسل إليّ أبو بكر) الصديق في خلافته.
قال الحافظ أبو الفضل: ولم أقف على اسم الرسول إليه بذلك ( مقتل أهل اليمامة) ظرف زمان أي أيام، والمراد عقب مقاتلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم مسيلمة الكذاب سنة إحدى عشرة بسبب ادعائه النبوّة وارتداد كثير من العرب وقتل كثير من الصحابة ( وعنده عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ( فقال) لي ( أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ) بسين مهملة ساكنة ففوقية ثم مهملة فراء مشددة مفتوحات أي اشتدّ وكثر ( يوم) القتال الواقع في ( اليمامة بالناس) قيل قتل بها من المسلمين ألف ومائة وقيل ألف وأربعمائة منهم سبعون جمعوا القرآن أي مجموعهم لا إن كل فرد جمعه ( وإني أخشى أن يستحر القتل) أي يكثر ( بالقراء في المواطن) التي يقع فيها القتال مع الكفار ( فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمع) أنت ( القرآن) ولأبي ذر: أن يجمع القرآن بضم أوّل يجمع مبنيًا للمفعول ( قال أبو بكر: قلت) : ولأبي ذر فقلت ( لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فقال) لي ( عمر: هو) أي جمع القرآن ( والله خير) من تركه وهو ردّ لقوله كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إنما لم يجمعه رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما كان يترقبه من النسخ ( فلم يزل عمر يراجعني فيه) في جمع القرآن ( حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر) إذ هو من النصح لله ولرسوله ولكتابه وأذن فيه عليه الصلاة والسلام بقوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: ( لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن) وغايته جمع ما كان مكتوبًا قبل فلا يتوجه اعتراض الرافضة على الصديق.

( قال زيد بن ثابت) : قال أبو بكر ذلك ( وعمر عنده جالس لا يتكلم) ولأبي ذر جالس عنده
( فقال) ليس ( أبو بكر: إنك) يا زيد ( رجل شاب) أشار إلى نشاطه وقوّته فيما يطلب منه وبعده عن النسيان ( عاقل) تعي المراد ( ولا نتهمك) بكذب ولا نسيان والذي لا يتهم تركن النفس إليه وسقطت الواو لأبي ذر ( كنت تكتب الوحي لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أي فهو أكثر ممارسة له من غيره فجمع هذه الخصوصيات الأربعة فيه يدل على أنه أولى بذلك ممن لم تجتمع فيه ( فتتبع القرآن فاجمعه) وقد كان القرآن كله كتب في العهد النبوي لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور قال زيد: ( فوالله لو كلفني) أي أبو بكر ( نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن) قال ذلك خوفًا من التقصير في إحصاء ما أمر بجمعه ( قلت) للعمرين ( كيف تفعلان شيئًا لم يفعله النبي) ولأبي ذر رسول الله ( -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فقال) لي ( أبو بكر: هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر) لما في ذلك من المصلحة العامة ( فقمت فتتبعت القرآن) حال كوني ( أجمعه) مما عندي وعند غيري ( من الرقاع) بكسر الراء جمع رقعة من أديم أو ورق أو نحوهما ( والأكتاف) بالمثناة الفوقية جمع كتف عظم عريض في أصل كتف الحيوان ينشف ويكتب فيه ( والعسب) بضم العين والسين المهملتين آخره موحدة جمع عسيب وهو جريد النخل يكشطون خوصه ويكتبون في طرفه العريض ( وصدور الرجال) الذين جمعوا القرآن وحفظوه كاملاً في حياته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كأبيِّ بن كعب ومعاذ بن جبل فيكون ما في الرقاع والأكتاف وغيرهما تقريرًا على تقرير ( حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري) هو ابن ثابت بن الفاكه الخطمي ذو الشهادتين ( لم أجدهما) أي الآيتين ( مع أحد غيره) كذا بالنصب على كشط في الفرع كأصله وفي فرع آخر غيره بالجر أي لم أجدهما مع غير خزيمة مكتوبتين فالمراد بالنفي نفي وجودهما مكتوبتين لا نفي كونهما محفوظتين.

وعند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما قالوا: وما هما؟ قال: تلقيت من رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( { لقد جاءكم رسول من أنفسكم} ) إلى آخر السورة.
فقال عثمان: وأنا أشهد فأين ترى أن نجعلهما.
قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن.

وعن أبي العالية عن أبي بن كعب عند عبد الله ابن الإمام أنهم جمعوا القرآن في المصاحف في خلافة أبي بكر، وكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم أبي بن كعب: إن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أقرأني بعدها آيتين { لقد جاءكم رسول من أنفسكم} إلى { وهو رب العرش العظيم} [التوبة: 128 - 129] .

وعند أحمد قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين { لقد جاءكم رسول} إلى عمر بن الخطاب فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري والله إني أشهد لسمعتهما من رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ووعيتهما وحفظتهما فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- { لقد جاءكم رسول من
أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم}
( إلى آخرها) وسقط لأبي ذر: حريص عليكم ( وكانت الصحف التي جمُع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر) رضي الله تعالى عنهما.

( تابعه) أي تابع شعيبًا في روايته عن الزهري ( عثمان بن عمر) بضم العين وفتح الميم ابن فارس البصري العبدي فيما وصله أحمد وإسحاق في مسنديهما عنه ( و) تابعه أيضاً ( الليث) بن سعد الإمام فيما وصله المؤلّف في فضائل القرآن وفي التوحيد كلاهما ( عن يونس) بن يزيد الأيلي ( عن ابن شهاب) الزهري.

( وقال الليث) بن سعد فيما وصله أبو القاسم البغوي في فضائل القرآن ( حدّثني) بالإفراد ( عبد الرحمن بن خالد) الفهمي أمير مصر ( عن ابن شهاب) الزهري فزاد الليث فيه شيخًا آخر عن الزهري ( وقال مع أبي خزيمة الأنصاري) وهو ابن أوس بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار بلفظ الكنية فخالف السابق.

( وقال موسى) بن إسماعيل فيما وصله المؤلّف في فضائل القرآن ( عن إبراهيم) بن سعد أنه قال: ( حدّثنا ابن شهاب) الزهري وقال: ( مع أبي خزيمة) بلفظ الكنية.
( وتابعه) أي وتابع موسى بن إسماعيل في روايته عن إبراهيم ( يعقوب بن إبراهيم عن أبيه) إبراهيم بن سعد المذكور على قوله أبي خزيمة بالكنية وهذه وصلها أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف وغيره.

( وقال أبو ثابت) محمد بن عبيد الله المدني فيما وصله المؤلّف في الأحكام ( حدّثنا إبراهيم) بن سعد المذكور ( وقال مع خزيمة أو أبي خزيمة) بالشك والتحقيق كما قال في فتح الباري أن آية التوبة مع أبي خزيمة بالكنية، وآية الأحزاب مع خزيمة.

وهذا الحديث أخرجه الترمذي في التفسير والنسائي في فضائل القرآن.

[10] سُورَةُ يُونُسَ