فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب قوله: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 46] «

باب قَوْلِهِ: { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} يَعْنِي مِنَ الْمَرَارَةِ
(باب قوله) تعالى: ({ بل الساعة} ) يوم القيامة ({ موعدهم} ) موعد عذابهم ({ والساعة} ) أي عذابها ({ أدهى} ) أعظم بلية ({ وأمرّ} ) [القمر: 46] أشد مرارة من عذاب الدنيا (يعني من المرارة) لا من المرور.


[ قــ :4613 ... غــ : 4876 ]
- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ، قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَكَّةَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ.
{ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} .
[الحديث 4876 - أطرافه في: 4993] .

وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (هشام بن يوسف) الصنعاني القاضي (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (يوسف بن ماهك) بفتح الهاء والكاف معناه القمير مصغر القمر (قال: إني عند عائشة أم المؤمنين) -رضي الله عنها- (قالت: لقد أنزل) بهمزة مضمومة ولأبي ذر نزل بإسقاطها وفتح النون والزاي (على محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بمكة وإني لجارية) حديثة السن (ألعب: { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ} .




[ قــ :4614 ... غــ : 4877 ]
- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: وَهْوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: «أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ
الْيَوْمِ أَبَدًا»، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ.

     وَقَالَ : حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهْوَ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهْوَ يَقُولُ: «{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ}» [القمر: 45 - 46] .

وبه قال: ( حدّثني) بالإفراد ( إسحاق) غير منسوب هو ابن شاهين الواسطي قال: ( حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله الطحان ( عن خالد) هو ابن مهران الحذاء ( عن عكرمة) مولى ابن عباس ( عن ابن عباس) -رضي الله عنهما- ( أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: وهو في قبة له يوم) وقعة ( بدر) سقط لفظ له لأبي ذر.

( أنشدك) أي أطلبك ( عهدك) أي نحو ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون ( ووعدك) في {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} [الأنفال: 7] ( اللهم إن شئت) هلاك المؤمنين ( لم تعبد بعد اليوم أبدًا) لأنه خاتم النبيين ( فأخذ أبو بكر بيده) عليه الصلاة والسلام ( وقال: حسبك) مناشدتك ( يا رسول الله فقد ألححت على ربك) في السؤال ( وهو) عليه السلام يثب ( في الدرع) يقوم ( فخرج وهو يقول) جملة حالية كالسابقة ( {سيهزم الجمع}) بضم الياء مبنيًّا للمفعول وقرئ ستهزم بالفوقية خطابًا للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الجمع نصب مفعول به وأبو حيوة في رواية يعقوب سنهزم بنون العظمة الجمع نصب أيضًا ( {ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}) مما لحقهم يوم بدر.

وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في باب تأليف القرآن من فضائل القرآن.


[55] سورة الرَّحْمَنِ
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
.

     وَقَالَ  مُجَاهِدٌ: {بِحُسْبانٍ}: كَحُسْبَانِ الرَّحَى.
.

     وَقَالَ  غَيْرُهُ: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ}: يُرِيدُ لِسَانَ الْمِيزَانِ.
{وَالْعَصْفُ}: بَقْلُ الزَّرْعِ إِذَا قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ فَذَلِكَ الْعَصْفُ.
{وَالرَّيْحَانُ} فِي كَلاَمِ العَرَبِ: الرِّزْقِ.
{وَالرَّيْحَانُ}: رِزْقُهُ.
{وَالْحَبُّ}: الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ.
.

     وَقَالَ  بَعْضُهُمْ {وَالْعَصْفُ}: يُرِيدُ الْمَأْكُولَ مِنَ الْحَبِّ.
{وَالرَّيْحَانُ}: النَّضِيجُ الَّذِي لَمْ يُؤْكَلْ.
.

     وَقَالَ  غَيْرُهُ {الْعَصْفُ}: وَرَقُ الْحِنْطَةِ.
.

     وَقَالَ  الضَّحَّاكُ {الْعَصْفُ}: التِّبْنُ.
.

     وَقَالَ  أَبُو مَالِكٍ: {الْعَصْفُ}: أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ تُسَمِّيهِ النَّبَطُ هَبُورًا.
.

     وَقَالَ  مُجَاهِدٌ {الْعَصْفُ}: وَرَقُ الْحِنْطَةِ.
{وَالرَّيْحَانُ}: الرِّزْقُ.
وَالْمَارِجُ: اللَّهَبُ الأَصْفَرُ وَالأَخْضَرُ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ إِذَا أُوقِدَتْ.
.

     وَقَالَ  بَعْضُهُمْ عَنْ مُجَاهِدٍ {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ}: لِلشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ مَشْرِقٌ، وَمَشْرِقٌ فِي الصَّيْفِ.
{وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ}: مَغْرِبُهَا فِي الشِّتَاءِ.
وَالصَّيْفِ {لاَ يَبْغِيَانِ}: لاَ يَخْتَلِطَانِ.
{الْمُنْشَآتُ}: مَا رُفِعَ قِلْعُهُ مِنَ السُّفُنِ، فَأَمَّا مَا لَمْ يُرْفَعْ قَلْعُهُ فَلَيْسَ بِمُنْشَأَةٍ.
.

     وَقَالَ  مُجَاهِدٌ {كَالْفَخَّارِ}: كَمَا يُصْنَعُ الْفَخَّارُ.
{الشُّوَاظُ}: لَهَبٌ مِنْ نَارٍ.
.

     وَقَالَ  مُجَاهِدٌ {وَنُحَاسٌ}: النُّحَاسُ الصُّفْرُ يُصَبُّ عَلَى رُؤُوسِهِمْ
يُعَذَّبُونَ بِهِ.
{خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}: يَهُمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَيَتْرُكُهَا.
{مُدْهَامَّتَانِ}: سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ.
{صَلْصَالٍ}: طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الْفَخَّارُ، وَيُقَالُ مُنْتِنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ، يُقَالُ صَلْصَالٌ كَمَا يُقَالُ صَرَّ الْبَابُ عِنْدَ الإِغْلاَقِ، وَصَرْصَرَ مِثْلُ كَبْكَبْتُهُ: يَعْنِي كَبَبْتُهُ.
{فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}.

     وَقَالَ  بَعْضُهُمْ: لَيْسَ الرُّمَّانُ وَالنَّخْلُ بِالْفَاكِهَةِ،.
وَأَمَّا الْعَرَبُ فَإِنَّهَا تَعُدُّهَا فَاكِهَةً كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} فَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى كُلِّ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ أَعَادَ الْعَصْرَ تَشْدِيدًا لَهَا كَمَا أُعِيدَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ، وَمِثْلُهَا {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} ثُمَّ قَالَ: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} وَقَدْ ذَكَرَهُمْ فِي أَوَّلِ قَوْلِهِ {مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ}.
.

     وَقَالَ  غَيْرُهُ {أَفْنَانٍ}: أَغْصَانٍ.
{وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}: مَا يُجْتَنَى قَرِيبٌ.
.

     وَقَالَ  الْحَسَنُ {فَبِأَيِّ آلاَءِ}: نِعَمِهِ.
.

     وَقَالَ  قَتَادَةُ {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}: يَعْنِي الْجِنَّ وَالإِنْسَ،.

     وَقَالَ  أَبُو الدَّرْدَاءِ {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}: يَغْفِرُ ذَنْبًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيَرْفَعُ قَوْمًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ.
.

     وَقَالَ  ابْنُ عَبَّاسٍ {بَرْزَخٌ}: حَاجِزٌ.
{الأَنَامُ}: الْخَلْقُ.
{نَضَّاخَتَانِ}: فَيَّاضَتَانِ.
{ذُو الْجَلاَلِ}: ذُو الْعَظَمَةِ.
.

     وَقَالَ  غَيْرُهُ {مَارِجٌ}: خَالِصٌ مِنَ النَّارِ، يُقَالُ مَرَجَ الأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ إِذَا خَلاَّهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ.
{مَرِيجٍ}: مُلْتَبِسٌ.
{مَرَجَ}: اخْتَلَطَ الْبَحْرَانِ مِنْ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ: تَرَكْتَهَا.
{سَنَفْرُغُ لَكُمْ}: سَنُحَاسِبُكُمْ، لاَ يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهْوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ يُقَالُ: لأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ، وَمَا بِهِ شُغْلٌ، يَقُولُ لآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّتِكَ.


( [55] سورة الرحمن)
مكية أو مدنية أو متبعضة وآيها ست وسبعون.

( بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.

( وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: ( {بحسبان}) [الرحمن: 5] أي ( كحسبان الرحى) أي يدوران في مثل قطب الرحى والحسبان قد يكون مصدر حسبته أحسبه بالضم حسبًا وحسابًا وحسبانًا مثل الغفران والكفران والرجحان أو جمع حساب كشهاب وشهبان أي يجريان في منازلهما بحساب لا يغادران ذلك.

( وقال غيره) أي غير مجاهد وسقط من قوله وقال مجاهد إلى آخر قوله وقال غيره لغير أبي ذر ( {وأقيموا الوزن} يريد لسان الميزان) قاله أبو الدرداء وعند ابن أبي حاتم رأى ابن عباس رجلًا يزن قد أرجح فقال أقم اللسان كما قال الله تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط} [الرحمن: 9] .

( {والعصف}) في قوله تعالى: {والحب ذو العصف} هو ( بقل الزرع إذا قطع منه شيء
قبل أن يدرك)
الزرع ( فذلك العصف) والعرب تقول خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك ( {والريحان}) [الرحمن: 1] ( في كلام العرب الرزق) وهو مصدر في الأصل أطلق على الرزق وقال قتادة الذي يشم أول بقلة طيبة الريح سميت ريحانًا لأن الإنسان يراح لها رائحة طيبة أي بشم ( {والريحان} رزقه: {والحب} الذي يؤكل منه) أي من الزرع ( وقال بعضهم {والعصف} يريد المأكول من الحب) وسقطت واو العصف لأبي ذر ( {والريحان} النضيج}) فعيل بمعنى المنضوج ( الذي لم يؤكل) قاله الفراء وأبو عبيدة ( وقال غيره {والعصف} ورق الحنطة وقال الضحاك) مما وصله ابن المنذر ( {والعصف} التبن}) رزقًا للدواب.

( وقال مالك) الغفاري قال أبو زرعة لا يعرف اسمه وقال غيره اسمه غزوان بمعجمتين وهو كوفي تابعي ( {العصف} أول ما ينبت تسميه النبط) بفتح النون والموحدة وبالطاء المهملة الفلاحون ( هبورًا) بفتح الهاء وضم الموحدة مخففة وبعد الواو الساكنة راء دقاق الزرع.

( وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي ( {العصف} ورق الحنطة: {والريحان} الرزق) والريحان بوزن فعلان من ذوات الواو أصله روحان من الرائحة فأبدلت الواو ياء للفرق بينه وبين الروحان وهو كل شيء له روح.

( والمارج) في قوله تعالى: {وخلق الجان من مارج من نار} [الرحمن: 15] هو ( اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت) وزاد غيره والأحمر وهذا مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلطًا بعضها ببعض والجان اسم جنس كالإنسان أو أبو الجن إبليس وسقط واو المارج لأبي ذر.

( وقال بعضهم عن مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: ( {رب المشرقين} للشمس في الشتاء مشرق ومشرق في الصيف: {ورب المغربين}) [الرحمن: 17] ( مغربها في الشتاء و) مغربها في ( الصيف) وقيل مشرقًا الشمس والقمر ومغرباهما وذكر غاية ارتفاعهما وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناولان ما بينهما كلقولك في وصف ملك عظيم له المشرق والمغرب فيفهم منه أن له ما بينهما ويؤيده قوله تعالى: {رب المشارق والمغارب} [المعارج: 40] .

( {لا يبغيان}) في قوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 19، 0] أي ( لا يختلطان) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي والبحران قال ابن عباس بحر السماء وبحر الأرض قال سعيد بن جبير يلتقيان في كل عام وقال قتادة بحر فارس والروم أو البحر المالح والأنهار العذبة أو بحر المشرق والمغرب والبرزخ الحاجز قال بعضهم الحاجز هو القدرة الإلهية.

( {المنشآت}) قال مجاهد فيما وصله الفريابي هي ( ما رفع قلعه من السفن) بكسر القاف وسكون اللام ويجوز فتحها ( فأما ما لم يرفع قلعه فليس بمنشأة) ولأبي ذر بمنشآت بالفوقية
المجرورة في الكتابة بدل المربوطة وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين اسم فاعل أي تنشئ السير إقبالًا وإدبارًا أو اللاتي تنشئن الأمواج أو الرافعات الشرع ونسبة الرفع إليها مجاز والباقون بفتح الشين اسم مفعول أي أنشأها الله أو الناس أو رفعوا شراعها.

( وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي ( {كالفخار}) أي ( كما يصنع الفخار) بضم الياء وفتح النون مبنيًّا للمفعول وذلك أنه أخذ تراب الأرض فعجنه فصار طينًا ثم انتقل فصار كالحمأ المسنون ثم يبس فصار صلصالًا كالفخار ولا يخالف هذا قوله تعالى: {خلقه من تراب} [آل عمران: 59] ونحوه.

( {الشواظ}) قال: مجاهد ( لهب من نار) وقال غيره الذي معه دخان، وقيل اللهب الأحمر، وقيل الدخان الخارج من اللهب وقول مجاهد هذا ثابت لأبي ذر.

( وقال مجاهد: {ونحاس} النحاس) هو ( الصفر) يذاب ثم ( يصب على رؤوسهم يعذبون به) ولأبي ذر فيعذبون به، وقيل: النحاس الدخان الذي لا لهب معه قال الخليل: وهو معروف في كلامهم وأنشد للأعشى:
يضيء كضوء سراج السليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا
وسقط قوله النحاس لغير أبي ذر.

( {خاف مقام ربه}) قال مجاهد هو الرجل ( يهم) بفتح الياء وضم الهاء ( بالمعصية فيذكر الله عز وجل فيتركها) من خوفه ومقام مصدر مضاف لفاعله أي قيام ربه عليه وحفظه لأعماله أو لمفعوله أي القيام بحقوق الله فلا يضيعها والمقام مكان فالإضافة الأذنى ملابسة لما كان الناس يقومون بين يدي الله للحساب قيل فيه مقام الله والمعنى خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية فمقام مصدر بمعنى القيام وثبت في اليونينية وآل ملك والناصرية هنا ما سبق لأبي ذر وهو قوله الشواظ لهب من نار.

( {مدهامتان}) قال مجاهد: ( سوداوان من الري) والإدهام لغة السواد وشدة الخضرة، وقال ابن عباس خضروان.

( {صلصال}) أي ( طين خلط برمل فصلصل كما يصلصل الفخار) أي صوّت كما يصوت الخزف إذا جف وضرب لقوّته ( ويقال منتن) بضم الميم وكسر التاء ( يريدون به صل) اللحم يصل بالكسر صلولًا أنتن ( يقال صلصال كما يقال صر الباب عند الإغلاق وصرصر) يريد أن صلصال مضاعف كصرصر ( مثل كبكبته يعني كببته) ومنه {فكبكبوا فيها} [الشعراء: 94] أصله كبوا وفي هذا النوع وهو ما تكررت فاؤه وعينه خلاف فقيل وزنه فعفع كررت الفاء والعين ولا لام للكلمة قاله الفراء وغيره، وغلط لأن أقل الأصول ثلاثة فاء وعين ولام، وقيل وزنه فعفل، وقيل فعل بتشديد العين وأصله صلل، فلما اجتمع ثلاثة أمثال أبدل الثاني من جنس فاء الكلمة وهو مذهب كوفي وخص بعضهم هذا الخلاف بما إذا لم يختل المعنى بسقوط الثالث نحو لملم وكبكب فإنك تقول فيهما لم
وكب فلو لم يصح المعنى بسقوطه كسمسم قال فلا خلاف في أصالة الجميع وقوله صلصال الخ سقط لأبي ذر.

( {فاكهة ونخل ورمان} قال) ولغير أبي ذر وقال ( بعضهم) : قيل هو الإمام أبو حنيفة وجماعة كالفراء ( ليس الرمان والنخل بالفاكهة) لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره لأن العطف يقتضي المغايرة فلو حلف لا يأكل فاكهة فأكل رطبًا أو رمانًا لم يحنث، ( وأما العرب فإنها تعدها فاكهة) وإنما أعاد ذكرهما لفضلهما على الفاكهة فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء وثمرة الرمان فاكهة ودواء فهو من ذكر الخاص بعد العام تفضيلًا له ( كقوله عز وجل: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}) [البقرة: 38] .
( فأمرهم بالمحافظة على كل الصلوات ثم أعاد العصر تشديدًا لها) أي تأكيدًا لتعظيمها ( كما أعبد النخل والرمان) هنا ( ومثلها) أي مثل فاكهة ونخل ورمان قوله تعالى: ( {ألم تر أن الله يسجد له مَن في السماوات ومَن في الأرض}) [الحج: 18] ( ثم قال: {وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب} وقد ذكرهم في أول) ولأبي ذر: وقد ذكرهم الله عز وجل في أول ( قوله: {من في السماوات ومن في الأرض}) .

والحاصل أنه من عطف الخاص على العام واعترض بأنها نكرة في سياق الإثبات فلا عموم وأجيب: بأنها نكرة في سياق الامتنان فتعم أو ليس المراد بالعام والخاص ما اصطلح عليه في الأصول بل كل ما كان الأول فيه شاملًا للثاني.
قال العلاّمة البدر الدماميني: متى اعتبر الشمول جاء الاستغراق وهو الذي اصطلح عليه في الأصول، ولعل المراد كل ما كان الأول صادقًا على الثاني سواء كان هنا استغراق أو لم يكن.

ثم هنا فائدة لا بأس بالتنبيه عليها وهي أن الشيخ أبا حيان نقل قولين في المعطوفات إذا اجتمعت هل كلها معطوفة على الأول أو كل واحد منها معطوف على ما قبله.
فإن قلنا بالثاني لم يكن عطف الرمان على النخل من باب عطف الخاص على العام بل من عطف أحد المتباينين على الآخر ومن هذه الفائدة يتجه لك المنازعة في قولهم إن قوله تعالى: {من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل} [البقرة: 98] .
من عطف الخاص على العام وليس كذلك فأما إن قلنا بالقول الأول فجبريل معطوف على لفظ الجلالة وإن قلنا بالثاني فهو معطوف على رسله، والظاهر أن المراد بهم الرسل من بني آدم لعطفهم على الملائكة فليس منه.

( وقال غيره) : غير مجاهد أو غير البعض المفسر باب حنيفة -رحمه الله- ( {أفنان}) أي ( أغصان) تتشعب من فروع الشجرة وقال النابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلًا ... مفجعة على فنن تغني
وتخصيصها بالذكر لأنها التي تورق وتثمر وتمد الظل.

( {وجنى الجنتين دان}) [الرحمن: 54] أي ( ما يجتنى) من ثمر شجرهما ( قريب) تدنو
الشجرة حتى يجتنيها ولي الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا وقوله وقال غيره إلى هنا ساقط لأبي ذر.

( وقال الحسن) البصري فيما وصله الطبري ( {فبأي آلاء}) أي ( نعمه) جمع الألى وهي النعمة.

( وقال قتادة) : فيما وصله ابن أبي حاتم ( {ربكما تكذبان} يعني الجن والإنس) كما دلّ عليه قوله تعالى: {للأنام} وقوله: {أيها الثقلان} وذكرت آية {فبأي آلاء} إحدى وثلاثين مرة والاستفهام فيها للتقرير لما روى الحاكم عن جابر قال: قرأ علينا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتًا للجن كانوا أحسن منكم ردًّا ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة من {فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن: 16] إلاّ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد، وقيل المراد بالآلاء القدرة، وقال محمد بن علي الترمذي: هذه السورة من بين السور علم القرآن لأنها سورة صفة الملك والقدرة لافتتاحها باسمه الرحمن ليعلم أن جميع ما يصفه بعد من أفعاله وملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة ثم ذكر الإنسان وما منّ عليه به ثم حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر ورفع السماء ووضع الميزان والأرض للأنام وخاطب الثقلين فقال سائلًا لهما: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} أي بأي قدرة ربكما تكذبان وإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من قدرته وملكه شريكًا يملك معه ويقدر معه تعالى الله.
وقال القتيبي: إن الله تعالى عدّد في هذه السورة نعماءه وذكر خلقه وآلاءه ثم أتبع كل خلة وضعها وكل نعمة بهذه الآية وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبّههم على النّعم ويقررهم بها، وقال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة وتأكيد للحجة وسقط قوله تكذبان لغير أبي ذر.

( وقال أبو الدرداء) : عويمر بن مالك -رضي الله عنه- مما وصله ابن حبان في صحيحه وابن ماجة في سننه مرفوعًا في قوله تعالى: ( {كل يوم هو في شأن}) [الرحمن: 9] ( يغفر ذنبًا ويكشف كربًا ويرفع قومًا ويضع آخرين) وأخرجه البيهقي في الشعب موقوفًا وللمرفوع شاهد عن ابن عمر أخرجه البزار، وقيل يخرج كل يوم عساكر عسكرًا من الأصلاب إلى الأرحام وآخر من الأرحام إلى الأرض وآخر من الأرض إلى القبور ويقبض ويبسط ويشفي سقيفًا ويسقم سليمًا ويبتلي معافى ويعافي مبتلى ويعز ذليلًا ويذل عزيزًا.

فإن قلت: قد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة.
فالجواب: أن ذلك شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها.

( وقال ابن عباس) : في قوله تعالى: ( {برزخ}) أي ( حاجز) من قدرة الله.

( {الأنام}) هم ( الخلق) ونقله النووي في التهذيب عن الزبيدي، وقيل الحيوان، وقيل بنو آدم خاصة وقيل الثقلان.

( {نضاختان}) أي ( فياضتان) بالخير والبركة، وقيل بالماء، وقال ابن مسعود وابن عباس أيضًا: ينضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر،
وقال سعيد بن جبير بأنواع الفواكه والماء، وسقط من قوله: وقال ابن عباس إلى هنا لأبي ذر.

( {ذو الجلال}) [الرحمن: 7] أي ( ذو العظمة) وذو الثاني سقط لأبي ذر.
( وقال غيره) : غير ابن عباس ( {مارج}) أي ( خالص من النار) من غير دخان.
قال في الأنوار في قوله: من مارج من صاف من دخان من نار بيان لمارج ( يقال مرج الأمير رعيته إذا خلاهم) بتشديد اللاّم أي تركهم ( يعدو) بالعين المهملة ( بعضهم على بعض) أي يظلم بعضهم بعضًا ومنه ( مرج أمر الناس اختلط) واضطرب، ولأبي ذر: ويقال مرج أمر الناس ومرج بفتح الراء في الفرع وضبطها العيني بالكسر.

( {مريج}) من قوله: {في أمر مريج} [ق: 5] أي ( ملتبس) وسقطت هذه لأبي ذر.

( {مرج}) أي ( اختلط) {البحران} ولأبي ذر البحرين بالياء بدل ألف الرفع ( من مرجت دابتك) إذا ( تركتها) ترعى، وسقط لأبي ذر من.

( {سنفرغ لكم}) ، أي ( سنحاسبكم) فهو مجاز عن الحساب وإلا فالله تعالى ( لا يشغله شيء عن شيء وهو) أي لفظ سنفرغ لكم ( معروف في كلام العرب يقال لأتفرغن لك وما به شغل) وإنما هو وعيد وتهديد كأنه ( يقول لآخذنك على غرتك) غفلتك.