فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب الرطب والتمر


[ قــ :5150 ... غــ : 5443 ]
- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ يَهُودِيٌّ، وَكَانَ يُسْلِفُنِي فِي تَمْرِي إِلَى الْجِذادِ، وَكَانَتْ لِجَابِرٍ الأَرْضُ الَّتِي بِطَرِيقِ رُومَةَ فَجَلَسَتْ فَخَلاَ عَامًا، فَجَاءَنِي الْيَهُودِيُّ عِنْدَ الْجَذادِ وَلَمْ أَجُدَّ مِنْهَا شَيْئًا، فَجَعَلْتُ أَسْتَنْظِرُهُ إِلَى قَابِلٍ، فَيَأْبَى فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: «امْشُوا نَسْتَنْظِرْ لِجَابِرٍ مِنَ الْيَهُودِيِّ».
فَجَاءُونِي فِي نَخْلِي، فَجَعَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكَلِّمُ الْيَهُودِيَّ، فَيَقُولُ: أَبَا الْقَاسِمِ لاَ أُنْظِرُهُ.
فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَامَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ فَكَلَّمَهُ.
فَأَبَى.
فَقُمْتُ فَجِئْتُ بِقَلِيلِ رُطَبٍ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَىِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ عَرِيشُكَ يَا جَابِرُ»؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «افْرُشْ لِي فِيهِ».
فَفَرَشْتُهُ فَدَخَلَ فَرَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَجِئْتُهُ بِقَبْضَةٍ أُخْرَى فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَ فَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ، فَأَبَى عَلَيْهِ فَقَامَ فِي الرِّطَابِ فِي النَّخْلِ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قَالَ: «يَا جَابِرُ، جُذَّ وَاقْضِ».
فَوَقَفَ فِي الْجَدَادِ فَجَدَدْتُ مِنْهَا مَا قَضَيْتُهُ وَفَضَلَ مِنْهُ.
فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَبَشَّرْتُهُ فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ».
عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ: "بِنَاءٌ".
.

     وَقَالَ  ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْرُوشَاتٍ مَا يُعَرَّشُ مِنَ الكُرُومِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، يُقَالُ عُرُوشُهَا أَبْنِيَتُهَا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فَخَلاَ لَيْسَ عِنْدِي مُقَيَّدًا، ثُمَّ قَالَ فَجَلَّى لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ.

وبه قال: ( حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي مولاهم البصري قال: ( حدّثنا أبو غسان) بالغين المعجمة والسين المهملة المشددة محمد بن مطرف
أنه ( قال: حدّثني) بالإفراد ( أبو حازم) سلمة بن دينار ( عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة) المخزومي واسم أبي ربيعة عمرو أو حذيفة لقبه ذو الرمحين من مسلمة الفتح ( عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ( -رضي الله عنهما-) أنه ( قال: كان بالمدينة يهودي) قال في المقدمة: لم أعرف اسمه، ويحتمل أن يكون هو أبو الشحم ( وكان يسلفني) بضم الياء من الإسلاف ( في تمري إلى الجذاذ) بكسر الجيم وفتحها وبالذال المعجمة ويجوز إهمالها، والذي في اليونينية بالدال المهملة لا غير أي زمن قطع تمر النخل وهو الصرام ( وكانت لجابر) فيه التفات من الحضور إلى الغيبة ( الأرض التي بطريق رومة) بضم الراء وسكون الواو بعدها ميم وهي البئر التي اشتراها عثمان -رضي الله عنه- وسبلها وهي في نفس المدينة، ورواية دومة بالدال بدل الراء التي ذكرها الكرماني.
قال ابن حجر: باطلة لأن دومة الجندل لم تكن إذ ذاك فتحت حتى يكون لجابر فيها أرض، وأيضًا ففي الحديث أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مشى إلى أرض جابر وأطعمه من رطبها ونام فيها فلو كانت بطريق دومة الجندل لاحتاج إلى السفر لأن بين دومة الجندل والمدينة عشر مراحل.

وأجاب العيني: بأن المراد كانت لجابر أرض كائنة بالطريق التي يسار منها إلى دومة الجندل وليس المعنى التي بدومة الجندل ( فجلست) بالجيم واللام والسين المفتوحات والفوقية الساكنة أي فجلست الأرض أي تأخرت عن الإثمار ( فخلا) بالفاء والخاء المعجمة واللام المخففة من الخلوّ أي تأخر السلف ( عامًا) ولأبي ذر عن الكشميهني: فخاست بخاء معجمة بعد الفاء وبعد الألف سين مهملة ففوقية ساكنة بدل قوله فجلست أي خالفت معهودها وحملها يقال: خاس عهده إذا خانه أو تغير عن عادته وخاس الشيء إذا تغير، وهذا الذي في الفرع من جلست وفخاست وفخلا.
وقال ابن قرقول: في المطالع تبعًا للقاضي عياض في المشارق فجلست نخلًا بالنون كذا للقابسي وأبي ذر وأكثر الرواة وعند أبي الهيثم فجاست نخلة عامًا وللأصيلي فحبست فخلا بالفاء عامًا وصواب ذلك ما رواه أبو الهيثم فجاست نخلها عامًا بالنون قال: وكان أبو مروان بن سراج يصوّب رواية القابسي إلا أنه يصلح ضبطها فجلست بسكون السين وضم التاء على أنها مخاطبة جابر أي تأخرت عن القضاء فخلى بفاء وخاء معجمة ولام مشدّدة من باب التخلية، لكن قال: ذكر الأرض أول الحديث يدل على الخبر عن الأرض لا عن نفسه ( فجاءني اليهودي عند الجذاذ) وفي اليونينية بالدال المهملة فقط ( ولم أجدّ منها شيئًا فجعلت أستنظره إلى قابل) أي أطلب منه أن يهملني إلى عام ثانٍ ( فيأبى) يمتنع من الإمهال ( فأخبر بذلك النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) بضم همزة فأخبر وكسر الموحدة وجوّز في الفتح احتمال أن يكون بضم الراء على صيغة المضارعة والفاعل جابر وذكره كذلك مبالغة في استحضار صورة الحال قال: ووقع في رواية أبي نعيم في المستخرج فأخبرت ( فقال لأصحابه: امشوا نستنظر) بالجزم أي نطلب الإنظار ( لجابر من اليهودي فجاؤوني في نخلي فجعل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يكلم اليهودي) في أن ينظرني في دينه ( فيقول) اليهودي للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يا ( أبا القاسم) بحذف أداة النداء ( لا أنظره فلما رأى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) ذلك من أمر اليهودي ( قام فطاف في النخل ثم جاءه) أي جاء النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى اليهودي ( فكلمه) أن ينظرني
( فأبى) قال جابر: ( فقمت فجئت بقليل رطب فوضعته بين يدي النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأكل) منه ( ثم قال) :
( أين عريشك يا جابر) ؟ أي المكان الذي اتخذته في بستانك لتستظل به وتقيل فيه ولأبي ذر أين عرشك بسكون الراء وإسقاط التحتية ( فأخبرته) به ( فقال: افرش لي فيه) بضم الراء ( ففرشته فدخل) فيه ( فرقد ثم استيقظ فجئته بقبضة أخرى) من الرطب ( فأكل منها ثم قام فكلم اليهودي فأبى عليه فقام) عليه الصلاة والسلام ( في الرطاب) بكسر الراء ( في النخل) المرة ( الثانية ثم قال: يا جابر جذ) بضم الجيم وكسرها والإعجام والإهمال أي اقطع ( واقض) دين اليهودي ( فوقف في الجداد) بالدال المهملة في اليونينية ( فجددت منها ما قضيته) دينه كله ( وفضل منه) ولأبي ذر: مثله ( فخرجت حتى جئت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فبشرته) بذلك ( فقال: أشهد أني رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) إنما قال ذلك-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما فيه من خرق العادة الظاهرة من إيفاء الكثير من القليل الذي لم يكن يظن به أن يوفي منه البعض فضلًا عن الكل فضلًا عن أنس يفضل فضله فضلًا عن أن يفضل قدر الذي كان عليه من الدين.

وثبت في رواية المستملي وحده قوله في تفسير أين عريشك ( عروش) بضم العين والراء ( وعريش) بفتح العين وكسر الراء أي ( بناء) كذا فسره أبو عبيدة ( وقال ابن عباس) : مما سبق أول تفسير سورة الأنعام ( معروشات ما يعرش) بضم الياء وتشديد الراء مفتوحة ( من الكروم وغير ذلك يقال عروشها) أي ( أبنيتها) يريد تفسير قوله تعالى: { وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] ( قال محمد بن يوسف) الفربري: ( قال أبو جعفر) محمد بن أبي حاتم ورّاق المؤلّف ( قال محمد بن إسماعيل) البخاري: ( فخلا) بالخاء المعجمة المذكورة في الحديث السابق ( ليس عندي مقيدًا) أي مضبوطًا ( ثم قال فجلى) أي بتشديد اللام والجيم ( ليس فيه شك) والله أعلم.