فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب قول الله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت: 8]

كتاب الأدب
( بسم الله الرحمن الرحيم) قال في فتح الباري حذف بعضهم البسملة.
وهو الأخذ بمكارم الأخلاق أو استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً أو هو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك أو الوقوف مع المستحسنات.


باب البِرِّ وَالصِّلَةِ: { وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} [العنكبوت: 8] ( باب البر) للوالدين والأقربين وغيرهم ( والصلة) للأرحام.

قال القرطبي: الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، وأجمعوا على أن صلة الرحم واجبة في الجملة وأن قطيعتها معصية كبيرة، وللصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ومنها مستحب، ولو لم يصل غايتها لا يسمى قاطعًا ولو قصر عما يقدر عليه.

والبر عمل كل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة وحذف بعضهم لفظ البر والصلة، وفي الفرع كشط بعد قوله باب وكتب بعده ( { ووصينا الإنسان بوالديه} ) [العنكبوت: 8] وزاد في بعض النسخ { حسنًا} والمراد آية العنكبوت، والذي في اليونينية: بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الأدب باب قول الله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه} ولأبي ذر والأصيلي زيادة { حسنًا} ووصى حكمه حكم أمر في معناه وتصرفه.
يقال: وصيت زيدًا بأن يفعل خيرًا كما تقول: أمرته بأن يفعل، ومنه قوله تعالى: { ووصى بها إبراهيم بنيه} [البقرة: 32] أي وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها، وكذلك معنى قوله: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا} وصيناه بإيتاء والديه حسنًا أو بإيلاء والديه حسنًا أي فعلاً ذا حسن أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه، ويجوز أن تجعل حسنًا من باب قولك: زيدًا بإضمار اضرب إذا رأيته متهيئًا للضرب فتنصبه بإضمار أولهما، أو الفعل بهما
لأن التوصية بهما دالة عليه وما بعده مطابق له كأنه قال: أولهما معروفًا ولا تطعهما في الشرك إذا حملاك عليه.

[ قــ :5649 ... غــ : 5970 ]
- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ: أَخْبَرَنِى قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِىَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِىَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَىُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» قَالَ: ثُمَّ أَىُّ: قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ أَىّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ: حَدَّثَنِى بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِى.

وبه قال: ( حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي الحافظ ( قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج الحافظ أبو بسطام العتكي ( قال الوليد بن عيزار) وللأصيلي العيزار بفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الزاي وبعد الألف راء ابن حريث العبدي ( أخبرني) بالإفراد وهو من تقديم اسم الراوي على الصيغة وهو جائز، وكان شعبة يستعمله كثيرًا وليس في نسخة الفرع لفظ أخبرني وهو ثابت في أصله ( قال: سمعت أبا عمرو) بفتح العين سعد بن إياس ( الشيباني) بفتح المعجمة بعدها تحتية ساكنة فموحدة فألف فنون فياء نسبة ( يقول: أخبرنا صاحب هذه الدار وأومأ) بهمز في اليونينية أي أشار ( بيده إلى دار عبد الله) بن مسعود -رضي الله عنه- ( قال: سألت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أي العمل أحب إلى الله عز وجل) ؟ مبتدأ وخبر والموضع معمول القول مقدرًا أي فقلت أي العمل وأحب أفعل تفضيل ( قال) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
( الصلاة على وقتها) ( قال) : عبد الله ثم قلت: يا رسول الله ( ثم أي) ؟ ولم يضبط في الفرع كأصله الياء وكتب فوقها في الفرع كذا.
قال الفاكهاني: الصواب عدم تنوينه لأنه موقوف عليه في الكلام والسائل ينتظر الجواب والتنوين لا يوقف عليه إجماعًا فتنوينه ووصله بما بعده خطأ فيوقف عليه وقفة لطيفة، ثم يؤتى بما بعده ( قال) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( ثم بر الوالدين) بالإحسان إليهما وفعل الجميل معهما وفعل ما يسرهما ويدخل فيه الإحسان إلى صديقهما كما في الصحيحين، وقال سفيان بن عيينة في قوله تعال: { أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14] من صلّى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقب الصلوات فقد شكر لهما، وسقط قوله: "ثم" لأبي ذر ( قال) عبد الله قلت ( ثم أي؟ قال) : -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( الجهاد في سبيل الله) عز وجل.

( قال) عبد الله ( حدثني) بالإفراد ( بهن) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب وفيه تقرير وتأكيد لما سبق وأنه باشر السؤال وسمع الجواب ( ولو استزدته) من هذا النوع وهو أفضل مراتب الأعمال أو من مطلق المسائل المحتاج إليها ( لزادني) .
ووقع في باب الإيمان أوّل الكتاب أن إطعام الطعام خير الأعمال.

واستشكل مع قوله هنا الصلاة على وقتها.
وأجيب: بأن الجواب اختلف باختلاف أحوال
السائلين فأعلم كل قوم بما يحتاجون إليه أو بمالهم فيه رغبة أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه وسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل أو أن أفضل ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق، فالمراد من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة والمراد الأعمال البدنية، فلا تعارض بين ذلك وبين حديث أبي هريرة: أفضل الأعمال إيمان بالله.

وهذا الحديث سبق في الصلاة.