فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب من زار قوما فقال عندهم

باب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَقَالَ عِنْدَهُمْ
( باب من زار قومًا فقال) أي نام ( عندهم) نصف النهار.


[ قــ :5950 ... غــ : 6281 ]
- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىُّ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كَانَتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِىِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نِطَعًا فَيَقِيلُ عِنْدَهَا عَلَى ذَلِكَ النِّطَعِ قَالَ: فَإِذَا نَامَ النَّبِىُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعَرِهِ فَجَمَعَتْهُ فِى قَارُورَةٍ، ثُمَّ جَمَعَتْهُ فِى سُكٍّ قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِى حَنُوطِهِ مِنْ ذَلِكَ السُّكِّ قَالَ: فَجُعِلَ فِى حَنُوطِهِ.

وبه قال: ( حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي أبو رجاء قال: ( حدّثنا محمد بن عبد الله) بن المثنى ( الأنصاري) قاضي البصرة روى عنه المؤلّف كثيرًا بلا واسطة ( قال: حدثني) بالإفراد ( أبي) عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك ( عن ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم ابن عبد الله بن أنس بن مالك وهو عم عبد الله بن المثنى ( عن أنس) -رضي الله عنه- وهو جد ثمامة، وسقط لأبي ذر عن أنس كما في الفرع وأصله ( أن أم سليم) الغميصاء أو الرميصاء بنت ملحان بن خالد الأنصارية وهي أم أنس، وعلى رواية أبي ذر بإسقاط أن يكون الحديث مرسلاً لأن ثمامة لم يدرك جدة أبيه أم سليم.
قال في الفتح: لكن دل قوله في أواخره فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إليّ أن يجعل في حنوطه على أن ثمامة حمله عن أنس فليس مرسلاً ولا من مسند أم سليم بل من مسند أنس، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية ابن السني عن محمد بن عبد الله الأنصاري فقال في روايته عن ثمامة عن أنس أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهذا يشعر بأن أنسًا إنما حمله عن أمه اهـ.

قلت: والظاهر أن الحافظ ابن حجر لم يقف على ثبوت ذلك لغير أبي ذر أو لم يصح عنده، فلذا جعل الحديث من مسند أنس بطريق المفهوم كما قرّره ونقلته عنه.
نعم ثبت عن أنس في كل ما رأيته من النسخ الصحيحة وعليه شرح العيني وبه صرح المزي في أطرافه فقال في مسند أنس ما نصه ثمامة بن أنس بن مالك الأنصاري عن جده أنس قال: حدثت أن أم سليم كانت تبسط للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نطعًا فإذا قام أخذت عرقه الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان عن قتيبة عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عنه به اهـ.

وقد وقع ما يشعر بأن أنسًا حمله عن أمه أيضًا ففي مسلم من رواية أبي قلابة عن أنس عن أم سليم ( كانت تبسط للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نطعًا) بكسر النون وفتح الطاء المهملة ( فيقيل) فينام ( عندها على ذلك النطع قال) أنس: ( فإذا نام) ولأبي ذر فإذا قام ( النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أخذت) أم سليم ( من عرقه) وكان كثير العرق ( و) تناثر من ( شعره) عند الترجل ( فجمعته) مع عرته ( في قارورة) من زجاج ( ثم جمعته في سك) بضم السين المهملة وتشديد الكاف طيب مركب، وليس المراد أنها كانت تأخذ من
شعره وهو نائم، وعند ابن سعد بسند صحيح عن ثابت عن أنس أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما حلق شعره بمنى أخذ أبو طلحة شعره فأتى به أم سليم فجعلته في سكها.
قالت أم سليم: وكان يجيء ويقيل عندي على نطع فجعلت أسلت العرق، ففيه أنها لما أخذت العرق وقت قيلولته أضافته إلى الشعر الذي عندها لا أنها أخذت من شعره لما نام، وفي رواية ثابت عن أنس عند مسلم دخل علينا النبي فقال عندنا فعرق وجاءت أم سليم بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ فقال: "يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين"؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا إذ هو من أطيب الطيب ( قال) ثمامة ( فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى أن) ولأبي ذر أوصى إلى أن ( يجعل في حنوطه) بفتح الحاء المهملة وهو الطيب الذي يصنع للميت خاصة وفيه الكافور يجعل في أكفانه ( من ذلك السك) الذي فيه من عرقه وشعره ( قال: فجعل) بضم الجيم ( في حنوطه) كما أوصى تبركًا به وعوذة من المكاره.

والحديث من أفراده.




[ قــ :5951 ... غــ : 68 - 683 ]
- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةً فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ» -أَوْ قَالَ: «مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» شَكَّ إِسْحَاقُ قُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ؟ فَدَعَا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةً فِى سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ- أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» - فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ؟ قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ» فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ زَمَانَ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ.

وبه قال: ( حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس ( قال: حدثني) بالإفراد ( مالك) الإمام الأعظم ( عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن) عمه ( أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه سمعه يقول: كان رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا ذهب إلى قباء) بالمد والصرف ( يدخل على أم حرام) بالحاء المهملة المفتوحة والراء الرميصاء ( بنت ملحان) بكسر الميم وسكون اللام وفتح الحاء المهملة وبعد الألف نون خالة أنس ( فتطعمه وكانت تحت عبادة بن الصامت) ظاهره أنها كانت إذ ذاك زوجته لكن سبق في باب غزو المرأة في البحر من طريق أبي طوالة عن أنس أن تزوج عبادة لها بعد دخوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عندها وفي مسلم فتزوج بها عبادة بعد وجمع بأن المراد بقوله هنا وكانت تحت عبادة الأخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك ( فدخل) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عليها ( يومًا فأطعمته) لم أقف على تعيين ما
أكل عندها ( فنام رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) وقت القائلة ( ثم استيقظ) حال كونه ( يضحك) إعجابًا وفرحًا بما رأى من المنزلة الرفيعة ( قالت) أم حرام: ( فقلت ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال) :
( ناس من أمتي عرضوا علي) بتشديد التحتية ( غزاة في سبيل الله) عز وجل ( يركبون ثبج هذا البحر) بفتح المثلثة والموحدة والجيم هوله أو معظمه أو وسطه ولمسلم يركبون ظهر البحر أي يركبون السفن التي تجري على ظهره ولما كان جري السفن غالبًا إنما يكون في وسطه.
قيل المراد وسطهِ وإلا فلا اختصاص لوسطه بالركوب ( ملوكًا) نصب.
قال في العمدة: بنزع الخافض أي مثل ملوك ولأبي ذر ملوك بالرفع أي هم ملوك ( على الأسرة) في الجنة ورؤياه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحي، وقال الله تعالى في صفة أهل الجنة { على سرر متقابلين} [الحجر: 47] ( أو قال مثل الملوك على الأسرة شك) ولأبي ذر يشك بلفظ المضارع ( إسحاق) بن عبد الله بن أبي طلحة المذكور.
قال في الفتح: والإتيان بالتمثيل في معظم طرق الحديث يدل على أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة أو موضع التشبيه أنهم فيما هم فيه من النعيم الذي أثيبوا به على جهادهم مثل ملوك الدنيا على أسرتهم والتشبيه بالمحسوس أبلغ في نفس السامع ( قالت) ولأبي ذر فقلت يا رسول الله ( ادع الله أن يجعلني منهم فدعا) ليس فقال: "اللهم اجعلها منهم" وفي رواية حماد بن زيد في الجهاد فقال: أنت منهم ( ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ) حال كونه ( يضحك) إعجابًا وفرحًا بما رآه من النعيم ( فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج) ظهر ( هذا البحر ملوكًا على الأسرة أو) قال: ( مثل الملوك على الأسرة - فقلت) يا رسول الله ( ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت من الأولين) زاد أبو عوانة من طريق الدراوردي عن أبي طوالة ولست من الآخرين وفي رواية عمير بن الأسود في باب ما قيل في قتال الروم أنه قال: في الأولى يغزون هذا البحر وفي الثانية يغزون قيصر فيدل على أن الثانية إنما غزت في البر.
( فركبت البحر) أم حرام ( زمان) ولأبي ذر في زمان إمرة ( معاوية) بن أبي سفيان على الشام في خلافة عثمان ( فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت) أي ماتت وفي رواية الليث في الجهاد، فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشام قربت لها دابة لتركبها فصرعت عنها فماتت، وفي الحديث جواز ركوب البحر الملح وكان عمر يمنع منه ثم أذن فيه عثمان.
قال ابن العربي: ثم منع منه عمر بن عبد العزيز ثم أذن فيه من بعده واستقر الأمر عليه، ونقل عن عمر أنه إنما منع من ركوبه لغير الحج والعمرة ونحو ذلك، ونقل ابن عبد البر أنه يحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقًا، وكره مالك ركوب النساء البحر لما يخشى من اطلاعهن على عورات الرجال إذ يعسر الاحتراز من ذلك، وخص أصحابه ذلك بالسفن الصغار وأما الكبار التي يمكن فيها الاستتار بأماكن تخصهن فلا حرج ومشروعية القائلة لما فيها من الإعانة على قيام الليل، وفيه علم من أعلام نبوته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو الأخبار بما سيقع فوقع كما قال.

والحديث سبق في الجهاد.