فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب: يرد المصلي من مر بين يديه

باب يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ، وَفِي الْكَعْبَةِ،.

     وَقَالَ : إِنْ أَبَى إِلاَّ أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ.

هذا ( باب) بالتنوين ( يردّ المصلي) ندبًا ( من مرّ بين يديه) سواء كان المارّ آدميًّا أو غيره.
( وردّ ابن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما مما وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة ( المارّ بين يديه) وهو عمرو بن دينار ( في) حال ( التشهد) في غير الكعبة ( و) رد أيضًا المارّ بين يديه ( في الكعبة) فالعطف على مقدرًا وهو على التشهد، فيكون الرد في حالة واحدة في التشهد وفي الكعبة، وحينئذٍ فلا حاجة لمقدر، وفي بعض الروايات كما حكاه ابن قرقول وفي الركعة بدل الكعبة.
قال: وهو أشبه بالمعنى.

وأجيب: بأنه وقع عند أبي نعيم شيخ المؤلّف في كتاب الصلاة من طريق صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلّي في الكعبة فلا يدع أحدًا يمر بين يديه يبادره.
قال: أي يرده وبأن تخصيص الكعبة بالذكر لدفع توهم اغتفاره فيها لكثرة الزحام بها.

( وقال) أي ابن عمر رضي الله عنهما مما وصله عبد الرزاق: ( إن أبى) المارّ ( إلا أن تقاتله) أيها المصلي بالمثناة الفوقية المضمومة ( فقاتله) بكسر المثناة الفوقية وسكون اللام بصيغة الأمر، ولأبي ذر وابن عساكر قاتله بسكون اللام من غير فاء، لكن قال البرماوي كالكرماني كونه بلا فاء في جواب الشرط يقدّر له مبتدأ أي فأنت قاتله، ولغير الكشميهني في غير اليونينية إلا أن يقاتله أي المصلي قاتله بفتح المثناة واللام بصيغة الماضي، وهذا وارد على سبيل المبالغة إذ المراد أن يدفعه دفعًا شديدًا كدفع المقاتل.



[ قــ :496 ... غــ : 509 ]
- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ح.
وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلاَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ.
ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلاِبْنِ أَخِي كَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».
[الحديث 509 - طرفه في: 3274] .

وبه قال: ( حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المقعد البصري المتوفى بها سنة أربع وعشرين ومائتين ( قال: حدّثنا عبد الوارث) ابن سعيد بن ذكوان العنبري البصري، المتوفّى سنة ثمانين ومائة ( قال: حدّثنا يونس) بن عبيد بالتصغير ابن دينار البصري، المتوفّى سنة تسع وثلاثين ومائة ( عن حميد بن هلال) بكسر الهاء وتخفيف اللام العدوي التابعي الجليل ( عن أبي صالح) ذكوان السمان ( أن أبا سعيد) سعد بن مالك الخدريّ رضي الله عنه ( قال: قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ح) مهملة للتحويل وهي ساقطة من اليونينية.

قال البخاري: ( وحدّثنا آدم) ولغير أي ذر والأصيلي آدم بن أي إياس ( قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة) القيسي البصري ( قال: حدّثنا حميد بن هلال العدوي، قال: حدّثنا أبو صالح) ذكوان ( السمان) المذكوران وقرن المؤلّف رواية يونس برواية سليمان وساق لفظه دون لفظ يونس ( قال) :

( رأيت أبا سعيد الخدري) رضي الله عنه ( في يوم جمعة يصلّي إلى شيء يستره من الناس فأراد شاب من بني أبي معيط) قيل: هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما خرّجه أبو نعيم شيخ المؤلّف في كتاب الصلاة، وقيل غيره ( أن يجتاز بين يديه) بالجيم والزاي من الجواز ( فدفع أبو سعيد) الخدري رضي الله عنه ( في صدره فنظر الشاب فلم يجد مساغًا) بفتح الميم والغين المعجمة أي طريقًا يمكنه المرور منها ( إلاَّ بين يديه فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشد من) الدفعة ( الأولى فنال) الشاب بالفاء والنون ( من أبي سعيد) أي أصاب من عرضه بالشتم ( ثم دخل) الشاب ( على مروان) بن الحكم الأموي، المتوفى سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين سنة.
( فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان فقال) مروان لأبي سعيد: ( ما لك ولابن أخيك) أي في الإسلام ( يا أبا سعيد) وهو يردّ على من قال: إن المارّ هو الوليد بن عقبة لأن أباه عقبة قتل كافرًا.
وقوله ما مبتدأ وخبره لك ولابن أخيك عطف عليه بإعادة الخافض ( قال) أبو سعيد رضي الله عنه: ( سمعت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه) قال القرطبي رحمة الله عليه بالإشارة ولطيف المنع ( فإن أبى فليقاتله) بكسر اللام الجازمة وسكونها.

قال النووي رحمة الله عليه: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع، بل صرّح أصحابنا رحمهم الله تعالى بأنه مندوب.
نعم قال أهل الظاهر بوجوبه، ونقل البيهقي عن الشافعي رحمهما الله تعالى أن المراد بالمقاتلة دفع أشد من الدفع الأول.
وقال أصحابنا: يرده بأسهل الوجوه فإن أبى فبأشد ولو أدّى إلى قتله فقتله فلا شيء عليه، لأن الشّارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها وليس المراد المقاتلة بالسلاح ولا بالمشي إليه، بل والمصلي بمحله بحيث تناله يده ولا يكون عمله في مدافعته كثيرًا ( فإنما هو شيطان) أي إنما فعله فعل شيطان، وإطلاق الشيطان على مارد الإنس سائغ على سبيل المجاز والحصر بإنما للمبالغة، فالحكم للمعاني لا للأسماء لأنه يستحيل أن يصير المارّ شيطانًا بمروره بين يدي المصلي.


ورواة هذا الحديث الثمانية بصريون إلا أبا صالح فإنه مدني، وآدم فإنه عسقلاني، وفيه التحويل والتحديث والعنعنة والقول والرؤية، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وأخرجه المؤلّف أيضًا في صفة إبليس لعنة الله عليه، ومسلم وأبو داود في الصلاة.