فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب التوبة

باب التَّوْبَةِ
قَالَ قَتَادَةُ: { تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} : [التحريم: 8] : الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ.

( باب التوبة) سقط لفظ باب لأبي ذر فالتوبة رفع وهي في الشرع ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه والعزم على ترك المعاودة وتدارك ما أمكنه أن يتداركه من الأعمال بالأعمال بالإِعادة وردّ الظلامات لذويها أو تحصيل البراءة منهم، وزاد عبد الله بن المبارك: إن يعمد إلى البدن الذي رباه بالسحت فيذيبه بالهم والحزن حتى ينشأ له لحم طيب وأن يذيق نفسه ألم الطاعة كما أذاقها لذة المعصية اهـ.

والتوبة أهم قواعد الإِسلام وهي أول مقامات سالكي الآخرة وبها سعادة الأبد.

( قال) : ولأبي ذر: وقال ( قتادة) فيما وصله عبد بن حميد في تفسير قوله تعالى: ( { توبوا إلى الله توبة نصوحًا} ) [التحريم: 8] أي ( الصادقة الناصحة) وقيل هي التي لا عود بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع وقيل الخالصة وقال الحسن: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره وقيل نصوحًا من نصاحة الثوب أي توبة ترفو خروقك في دينك وترم خللك ويجوز أن يراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضاها، وسقط توبوا إلى الله لأبي ذر.


[ قــ :5974 ... غــ : 6308 ]
- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ، يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى
ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ» فَقَالَ: بِهِ هَكَذَا قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ ثُمَّ قَالَ: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلاً وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِى فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ».
تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَجَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ،.

     وَقَالَ  أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ.

     وَقَالَ  شُعْبَةُ: وَأَبُو مُسْلِمٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ.

     وَقَالَ  أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.

وبه قال: ( حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي.
الكوفي قال: ( حدّثنا أبو شهاب) عبد ربه بن نافع الحناط بالحاء المهملة والنون المشددة وبعد الألف مهملة الصغير لا الكبير ( عن الأعمش) سليمان بن مهران ( عن عمارة بن عمير) بضم العين فيهما والثاني مصغر التيمي من بني تيم اللات بن ثعلبة الكوفي ( عن الحارث بن سويد) التيمي أيضًا التابعي الكبير كالسابقين لكن أولهما صغير من صغارهم والذي بعده من أوساطهم: ( حدّثنا عبد الله بن مسعود) وسقط لغير أبي ذر ابن مسعود -رضي الله عنه- ( حديثين أحدهما عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والآخر عن نفسه قال) : وهو الحديث الموقوف.

( إن المؤمن يرى ذنوبه) مفعول يرى الثاني محذوف أي كالجبال بدليل قوله في الآخر كذباب مرّ أو هو قوله ( كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه) لقوّة إيمانه وشدة خوفه فلا يأمن العقوبة بسبب ذنوبه والمؤمن دائم الخوف والمراقبة يستصغر عمله الصالح ويخاف من صغير عمله ( وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب) بالمعجمة الطير المعروف ( مرّ على أنفه) فلا يبالي به لاعتقاده عدم حصول كبير ضرر بسببه ( فقال به) بالذباب ( هكذا) أي نحاه بيده أو دفعه وهو من إطلاق القول على الفعل، فالفاجر لقلة عمله يقل خوفه فيستهين بالمعصية ودل التمثيل الأول على غاية الخوف والاحتراز من الذنوب والثاني على نهاية قلة المبالاة والاحتفال بها.

( قال أبو شهاب) : الحناط المذكور بالسند السابق في تفسير قوله: فقال به أي ( بيده فوق أنفه) والتعبير بالذباب لكونه أخف الطير وأحقره ولأنه يدفع بالأقل وبالأنف للمبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده لأن الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غالبًا العين وباليد تأكيدًا للخفة.

( ثم) قال ابن مسعود ( قال) رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
( لله) بلام التأكيد المفتوحة ( أفرح) أرضى ( بتوبة عبده) وأقبل لها والفرح المتعارف في نعوت بني آدم غير جائز على الله تعالى لأنه اهتزاز طرب يجده الشخص في نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به نقصانه أو يسدّ به خلته أو يدفع به عن نفسه ضررًا أو نقصًا، وإنما كان غير جائز
عليه تعالى لأنه الكامل بذاته الغني بوجوده الذي لا يلحقه نقص ولا قصور وإنما معناه الرضا والسلف فهموا منه ومن أشباهه ما وقع الترغيب فيه من الأعمال والإِخبار عن فضل الله، وأثبتوا هذه الصفات له تعالى ولم يشتغلوا بتفسيرها مع اعتقادهم تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين، وأما من اشتغل بالتأويل فله طريقان: أحدهما أن التشبيه مركب عقلي من غير نظر إلى مفردات التركيب بل تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع وهي غاية الرضا ونهايته، وإنما أبرز ذلك في صورة التشبيه تقرير المعنى الرضا في نفس السامع وتصويرًا لمعناه وثانيهما تمثيلي وهو أن يتوهم للمشبه الحالات التي للمشبه به وينتزع له منها ما يناسبه حالة حالة بحيث لم يختلط منها شيء، والحاصل أن إطلاق الفرح في حقه تعالى مجاز عن رضاه وقد يعبر عن الشيء بسببه أو عن ثمرته الحاصلة عنه فإن من فرح بشيء جاد لفاعله بما سأل وبذل له ما طلب فعبّر عن عطائه تعالى وواسع كرمه بالفرح، وزاد الإِسماعيلي بعد قوله عبد المؤمن وكذا عند مسلم، ولأبي ذر: لله أفرح بتوبة العبد ( من رجل نزل منزلاً) بكسر الزاي في الثاني ( وبه) أي بالمنزل، وعند الإِسماعيلي بدوية بموحدة مكسورة فدال مفتوحة فواو مكسورة فتحتية مشددة مفتوحة فهاء تأنيث، وهو كذا عند مسلم والسنن أي مقفرة ( مهلكة) بفتح الميم واللام تهلك سالكها أو من حصل فيها، وفي بعض النسخ كما في الفتح مهلكة بضم الميم وكسر اللام من مزيد الرباعي أي تهلك هي من حصل بها، وفي مسلم في أرض دوية مهلكة ( ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ) من نومه ( وقد ذهبت راحلته) فخرج في طلبها ( حتى اشتدّ) ولأبي ذر: حتى إذا اشتدّ ( عليه الحرّ والعطش أو ما شاء الله) شك من أبي شهاب قاله في الفتح وفي رواية أبي معاوية حتى إذا أدركه الموت ( قال: أرجع إلى مكاني) بقطع الهمزة الذي كنت فيه فأنام ( فرجع) إليه ( فنام نومة ثم رفع رأسه) بعد أن استيقظ ( فإذا راحلته عنده) عليها زاده طعامه وشرابه كذا في رواية عند مسلم.
( تابعه) أي تابع أبا شهاب الحناط ( أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري فيما وصله الإِسماعيلي ( و) تابعه أيضًا ( جرير) بفتح الجيم فيما وصله البزار ( عن الأعمش) سليمان بن مهران.

( وقال أبو أسامة) : حماد بن أسامة فيما وصله مسلم ( حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: ( حدّثنا عمارة) بن عمير ( قال: سمعت الحارث بن سويد) يعني عن ابن مسعود بالحديثين، ومراده كما في الفتح أن هؤلاء الثلاثة وافقوا أبا شهاب في إسناد هذا الحديث إلا أن الأولين عنعناه.

( وقال شعبة) بن الحجاج: ( وأبو مسلم) بضم الميم وسكون المهملة زاد أبو ذر عن المستملي اسمه عبيد الله بضم العين ابن سعيد بن مسلم كوفيّ قائد الأعمش سليمان وقد ضعفه جماعة لكن لما وافقه شعبة أخرج له البخاري، وقال في تاريخه: في حديثه نظر ( عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد) أي عن ابن مسعود ففيه أن شعبة وأبا مسلم خالفًا أبا شهاب الحناط ومن وافقه في تسمية شيخ الأعمش فقال الأوّلون: عمارة وقال هذان: إبراهيم التيمي.

( وقال أبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين ( حدّثنا الأعمش) سليمان ( عن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم ابن عمير ( عن الأسود) بن يزيد النخعي ( عن عبد الله) أي ابن مسعود وغرض المؤلف الإعلام بأن أبا معاوية خالف الجميع فجعل الحديث عن الأعمش عن عمارة بن عمير ( وعن إبراهيم التيمي) جميعًا لكنه عند عمارة عن الأسود بن يزيد وعند إبراهيم التيمي ( عن الحارث بن سويد عن عبد الله) يعني ابن مسعود وأبو شهاب ومن تبعه جعلوه عند عمارة عن الحارث بن سويد.
قال في الفتح: ورواية أبي معاوية لم أقف عليها في شيء من السنن والمسانيد على هذين الوجهين ثم قال: وفي الجملة فقد اختلف فيه عمارة في شيخه هل هو الحارث بن سويد أو الأسود واختلف على الأعمش في شيخه هل هو عمارة أو إبراهيم التيمي، والراجح من الاختلاف كله ما قاله أبو شهاب ومن تبعه ولذا اقتصر عليه مسلم وصدر به البخاري كلامه فأخرجه موصولاً وذكر الاختلاف معلقًا كعادته في الإِسناد للإشارة إلى أن مثل هذا الاختلاف غير قادح والله أعلم.


( تنبيه) .

قوله: حدّثنا عبد الله حديثين أحدهما عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والآخر عن نفسه أي نفس ابن مسعود ولم يصرح بالمرفوع.
قال النووي: قالوا المرفوع لله أفرح الخ والأوّل قول ابن مسعود وكذا جزم ابن بطال بأن الأول هو الموقوف، والثاني هو المرفوع قال الحافظ ابن حجر: وهو كذلك.




[ قــ :5976 ... غــ : 6309 ]
- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ح.
وَحَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِى أَرْضِ فَلاَةٍ».

وبه قال: ( حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد ( إسحاق) هو ابن منصور كما قال: الجياني ولفظه يحتمل أن يكون ابن منصور فإن مسلمًا أخرج عن إسحاق بن منصور عن حبان حديثًا غير هذا وقوّاه الحافظ ابن حجر بما في باب البيعان بالخيار في رواية أبي علي بن شبويه حدّثنا إسحاق بن منصور حدّثنا حبان فذكر حديثًا غير هذا قال: ( أخبرنا حبان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن هلال الباهلي البصري قال: ( حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا ( همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى قال: ( حدّثنا قتادة) بن دعامة ولأبي ذر عن قتادة قال: ( حدّثنا أنس بن مالك) -رضي الله عنه- وسقط لأبي ذر ابن مالك ( عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) قال البخاري ( ح) :
( وحدّثنا) ولأبي ذر: وحدثني بالإفراد ( هدبة) بن خالد قال: ( حدّثنا همام) قال: ( حدّثنا قتادة عن أنس -رضي الله عنه-) أنه ( قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) :
( الله) بهمزة وصل ( أفرح) أرضى ( بتوبة عبده) وهو من باب التمثيل كما مرّ وهو أن يشبه الحال الحاصلة بتنجيز الرضا والإِقبال على العبد التائب بحال من كان في المفازة على الصورة
المذكورة في الحديث ثم يترك المشبه ويذكر المشبه به، وفي مسلم من رواية أبي هريرة وغيره: لله أفرح بتوبة عبده المؤمن ( من أحدكم سقط على بعيره) أي صادفه وعثر عليه من غير قصد فظفر به ( وقد أضله) ذهب منه بغير قصده ( في أرض فلاة) بالإِضافة أي مفازة ليس فيها ما يؤكل ولا ما يشرب.
قال في الفتح: إلى هنا انتهت رواية قتادة.
وزاد إسحاق بن أبي طلحة عن أنس فيه عند مسلم فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فآيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها فنام فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال: من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح، وفيه كما قال القاضي عياض: إن مثل هذا إذا صدر في حال الدهشة والذهول لا يؤاخذ به الإِنسان وكذا حكايته عنه على وجه العلم أو الفائدة الشرعية لا على سبيل الهزء والعبث والله تعالى بمنه وكرمه يعافينا من كل مكروه.