فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب رمي المحصنات

باب رَمْىِ الْمُحْصَنَاتِ
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور الآيتان: 4 - 5] {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] [النور: 6] {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا} [النور: 4] الآية.

( باب) حكم ( رمي المحصنات) أي قذف الحرائر العفيفات ( وقول الله عز وجل: ( {والذين يرمون المحصنات}) يقذفون بالزنا الحرائر العفيفات المسلمات المكلفات والقذف يكون بالزنا وبغيره والمراد هنا قذفهن بالزنا بأن يقولوا يا زانية لذكر المحصنات عقب الزواني ولاشتراط أربعة شهداء بقوله: ( {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء}) على زناهن برؤيتهم ( {فاجلدوهم}) أي كل واحد منهم ( {ثمانين جلدة}) إن كان القاذف حرًّا ونصب ثمانين نصب المصادر وجلدة على التمييز ( {ولا
تقبلوا لهم شهادة})
في شيء ( {أبدًا}) ما لم يتب وعند أبي حنيفة إلى آخر عمره ( {وأولئك هم الفاسقون}) لإتيانهم كبيرة ( {إلا الذين تابوا}) عن القذف ( {من بعد ذلك وأصلحوا}) أعمالهم ( {فإن الله غفور}) لهم قذفهم ( {رحيم}) [النور: 4، 5] بهم بإلهامهم التوبة فيها ينتهي فسقهم وتقبل شهادتهم، وسقط لأبي ذر من قوله: ( {ثمانين جلدة}) إلى آخره وقال بعد قوله: ( {فاجلدوهم}) الآية.
( {إن الذين يرمون}) بالزنا ( {المحصنات}) العفائف ( {الغافلات}) السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ( {المؤمنات}) بما يجب الإيمان به ( {لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم}) [النور: 23] جعل القذفة ملعونين في الدارين وتوعدهم بالعذاب الأليم العظيم في الآخرة إن لم يتوبوا وقيل مخصوص بمن قذف أزواجه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وسقط لأبي ذر من قوله لعنوا إلى آخر الآية وقال بعد المؤمنات الآية.

( وقول الله) تعالى: {والذين يرمون أزواجهم})
بالزنا ( {ثم لم يأتوا} الآية}) .
قال الحافظ أبو ذر الهروي: كذا وقع في البخاري ثم لم والتلاوة ( {ولم يكن}) وهذا ثابت في رواية أبي ذر.


[ قــ :6496 ... غــ : 6857 ]
- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ».

وبه قال: ( حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: ( حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد ( سليمان) بن بلال ( عن ثور بن زيد) بالمثلثة المدني ( عن أبي الغيث) بالمعجمة والمثلثة سالم مولى ابن مطيع ( عن أبي هريرة) -رضي الله عنه- ( عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أنه ( قال) :
( اجتنبوا السبع الموبقات) بضم الميم وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها قاف فألف ففوقية المهلكات وسميت بذلك لأنها سبب لإهلاك مرتكبها قاله المهلب والمراد بها الكبائر ( قالوا: يا رسول الله وما هن؟) الموبقات ( قال) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هن ( الشرك بالله) بأن تتخذ معه إلهًا غيره ( والسحر) بكسر السين وسكون المهملتين وهو أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة والذي عليه الجمهور أن له حقيقة تؤثر بحيث تغير المزاج ( وقتل النفسى التي حرم الله) قتلها ( إلا بالحق) كالقصاص والقتل على الردة والرجم ( وأكل الربا) وهو في اللغة الزيادة ( وأكل مال اليتيم) بغير حق ( والتولي يوم الزحف) أي الإعراض والفرار يوم القتال في الجهاد ( وقذف المحصنات) بفتح الصاد جمع محصنة مفعولة أي التي أحصنها الله من الزنا وبكسرها اسم فاعلة أي التي حفظت فرجها من الزنا ( المؤمنات) فخرج الكافرات ( الغافلات) بالغين المعجمة والفاء كناية عن البريئات لأن البريء غافل عما بهت به من الزنا والتنصيص على عدد لا ينفي غيره، إذ ورد في أحاديث أخر كاليمين الفاجرة
وعقوق الوالدين والإلحاد في المحرم والتعرب بعد الهجرة وشرب الخمر وقول الزور والغلول والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله والسرقة وترك التنزه.
من البول وشتم أبي بكر وعمر والنميمة ونكث العهد والصفقة وفراق الجماعة.

واختلف في حدّ الكبيرة فقيل: كل ما أوجب الحد من المعاصي، وقيل: ما توعد عليه بنص الكتاب أو السنة.
وقال الشيخ عز الدّين بن عبد السلام: لم أقف على ضابط للكبيرة يعني يسلم من الاعتراض والأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها.
قال: وضبطها بعضهم بكل ذنب قرن به وعيد أو لعن، وقال ابن الصلاح: لها أمارات منها إيجاب الحد، ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب والسنة، ومنها وصف فاعلها بالفسق، ومنها اللعن.
وقال أبو العباس القرطبي: كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدة العقاب أو علق عليه الحد أو شدة النكير عليه فهو كبيرة.
وقال ابن عبد السلام أيضًا: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر فهي من الكبائر، فحكم القاضي بغير الحق كبيرة فإن شاهد الزور متسبب متوسل فإذا جعل السبب كبيرة فالمباشرة أكبر من تلك الكبيرة، فلو شهد اثنان بالزور على قتل موجب للقصاص فسلمه الحاكم إلى الوليّ فقتله وكلهم عالمون بأنهم باطلون فشهادة الزور كبيرة والحكم بها أكبر منها ومباشرة القتل أكبر من الحكم.

وحديث الباب سبق في الوصايا والطب.