فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب ما يكره من الحرص على الإمارة

باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الإِمَارَةِ
( باب ما يكره من الحرص على) طلب ( الإمارة) .


[ قــ :6766 ... غــ : 7148 ]
- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ».
.

     وَقَالَ  مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ.

وبه قال: ( حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله قال: ( حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن المدني ( عن سعيد المقبري) بضم الموحدة ( عن أبي هريرة) -رضي الله عنه- ( عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أنه ( قال) :
( إنكم ستحرصون) بكسر الراء وفتحها ( على الإمارة) الإمامة العظمى أو الولاية بطريق النيابة ( وستكون ندامة) لمن لم يعمل فيها بما ينبغي ( بوم القيامة) .
وفي حديث عوف بن مالك عند البزار والطبراني بسند صحيح: أوّلها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل، وعن أبي هريرة في أوسط الطبراني الإمارة أولها ندامة وأوسطها غرامة وآخرها عذاب يوم القيامة ( فنعم المرضعة) الولاية فإنها تدر عليه المنافع واللذات العاجلة ( وبئست الفاطمة) عند انفصاله عنها بموت أو غيره فإنها تقطع عنه تلك اللذائذ والمنافع وتُبقي عليه الحسرة والتَّبِعَة وألحقت التاء في بئست دون نعم، والحكم فيهما إذا كان فاعلهما مؤنثًا جواز الإلحاق وتركه فوقع التفنن في هذا الحديث
بحسب ذلك.
وقال في المصابيح: شبه على سبيل الاستعارة ما يحصل من نفع الولاية حال ملابستها بالرضاع وشبه بالفطام انقطاع ذلك عنه عند الانفصال عنها إما بموت أو بغيره فالاستعارة في المرضعة والفاطمة تبعية.

فإن قلت: هل من لطيفة تلمح في ترك التاء من فعل المدح وإثباتها مع فعل الذم؟ قلت: رضاعها هو أحب حالتيها إلى النفس وفطامها أشق الحالتين على النفس والتأنيث أخفض حالتي الفعل وتركه أشرف حالتيه إذ هي حالة التذكير وهو أشرف من التأنيث فآثر استعمال أشرف حالتي الفعل مع الحالة المحبوبة التي هي أشرف حالتي الولاية واستعمل الحالة الأخرى وهي التأنيث مع الحالة على النفس، وهي حالة الفطام عن الولاية لمكان الناسبة في المحلين فهذا أمر قد يتخيل في هذا المقام فتأمله اهـ.

وقال في شرح المشكاة: إنما لم يلحق التاء بنعم لأن المرضعة مستعارة للإمارة وهي وإن كانت مؤنثة إلا أن تأنيثها غير حقيقي وألحقها ببئس نظرًا إلى كون الإمارة حينئذٍ داهية دهياء، وفيه أن ما يناله الأمير من البأساء والضراء أبلغ وأشد مما يناله من النعماء والسرّاء، وإنما أتي بالتاء في المرضع والفاطم دلالة على تصوير تينك الحالتين المتجددتين في الإرضاع والإفطام فعلى العاقل أن لا يلم بلذة تتبعها حسرات.

وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي وقال حديث غريب أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "من ولي القضاء أو جعل قاضيًا بين الناس فقد ذبح بغير سكّين" والذبح إذا كان بغير سكين فيه زيادة تعذيب للمذبوح بخلاف الذبح بالسكّين ففيه إراحة له بتعجيل إزهاق الروح وقيل إن الذبح لما كان في العرف بالسكّين عدل -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى غيره ليعلم أن المراد ما يخاف عليه من هلاك دينه دون بدنه.
قال التوربشتي: وشتان ما بين الذبحين فإن الذبح بالسكّين عناء ساعة والآخر عناء عمره، أو المراد أنه ينبغي أن يميت جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة فهو مذبوح بغير سكّين، وعلى هذا فالقضاء مرغوب فيه وعلى ما قبله فالمراد التحذير منه.
قال المظهريّ: خطر القضاء كثير وضرره عظيم لأنه
قلما عدل القاضي بين الخصمين لأن النفس مائلة إلى من تحبه أو من له منصب يتوقع جاهه أو يخاف سلطنته، وربما يميل إلى قبول الرشوة، وهذا الداء العضال وما أحسن قول ابن الفضل في هذا المعنى:
ولما أن توليت القضايا ... وفاض الجور من كفيك فيضا
ذبحت بغير سكّين وإنّا ... لنرجو الذبح بالسكّين أيضًا
والحديث أخرجه النسائي في البيعة والسِّيَر والقضاء.

قال البخاري بالسند السابق أوّل هذا التعليق إليه: ( وقال محمد بن بشار) بالموحدة والشين المعجمة المشددة وهو المعروف ببندار ( حدّثنا عبد الله بن حمران) بضم الحاء المهملة وسكون الميم
بعدها راء فألف الأموي مولاهم البصري قال: ( حدّثنا عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري المدني، وسقط ابن جعفر لغير أبي ذر ( عن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم) بضم عين الأول وبفتح المهملة والكاف في الثاني ابن ثوبان المدني ( عن أبي هريرة) -رضي الله عنه- ( قوله) .
أي موقوفًا عليه، وقد أدخل عمر بن الحكم بين سعيد المقبري وأبي هريرة بخلاف الطريق السابقة.




[ قــ :6767 ... غــ : 7149 ]
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَا وَرَجُلاَنِ مِنْ قَوْمِى فَقَالَ: أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.

     وَقَالَ  الآخَرُ: مِثْلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّا لاَ نُوَلِّى هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلاَ مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ».

وبه قال: ( حدّثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الحافظ أبو كريب مشهور بكنيته قال: ( حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة ( عن بريد) بضم الموحدة عامر أو الحارث ( من) جده ( أبي بردة عن) أبيه ( أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ( -رضي الله عنه-) أنه ( قال: دخلت على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنا ورجلان من قومي) لم يسميا نعم في معجم الطبراني الأوسط أن أحدهما ابن عمه ( فقال أحد الرجلين: أمرنا) بفتح الهمزة وكسر الميم المشددة أي ولنا ( يا رسول الله) موضعًا ( وقال الآخر مثله فقال) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إنّا لا نولي هذا) الأمر ( من سأله ولا حرص عليه) بفتح المهملة والراء والحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد في الأرض قاله المهلب.