فهرس الكتاب

إرشاد الساري - باب قوله: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164]

باب قَوْلِهِ: { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]
(باب قوله) عز وجل: ({ وكلم الله موسى تكليمًا} [النساء: 164] ) الجمهور على رفع الجلالة الشريفة وتكليمًا مصدر رافع للمجاز قال الفراء العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلامًا بأيّ طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا تحقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، وقال القرطبي: تكليمًا مصدر معناه التأكيد، وهذا يدل على بطلان قول من يقول خلق الله لنفسه كلامًا في شجرة يسمعه موسى بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلمًا قال النحّاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصادر لم يكن مجازًا وأنه لا يجوز في قول الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني
أن يقول وقال قولاً، وكذا لما قال تكليمًا وجب أن يكون كلامًا على الحقيقة.
قال في المصابيح بعد أن ذكر نحو ما ذكرته، واعترض هذا بقوله تعالى: { ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا} [النمل: 50] وقوله تعالى: ({ وأكيد كيدًا} [الطارق: 16] وقول الشاعر:
بكى الخز من روح وأنكر جلده ... وعجبت عجيجًا من جذام المطارف
فإن ذلك كله مجاز مع وجود التأكيد بالمصدر، ولهذا قال بعضهم: والتأكيد بالمصدر يرفع المجاز في الأمر العام يريد الغالب قال: وكان الشيخ بهاء الدين بن عقيل يقول الجواب عن هذا البيت يؤيد تحقيقًا سمعناه من شيخنا علاء الدين القونوي فيقول لا تخلو الجملة التي أكد الفعل فيها بالمصدر من أن تكون صالحة لأن تستعمل لكلٍّ من المعنيين يريد الحقيقة والمجاز أو لا يصلح استعمالها إلا في المعنى المجازي فقط فإن كان الأول كان التأكيد بالمصدر يرفع المجاز وإن كان الثاني لم يكن التأكيد رافعًا له فمثال الأول قولك ضربت زيدًا ضربًا ومثال الثاني البيت المذكور لأن عجيج المطارف لا يقع إلا مجازًا اهـ.

واختلف في سماع كلام الله تعالى فقال الأشعري: كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تالٍ وقراءة كل قارئ.
وقال الباقلاني: وإنما تسمع التلاوة دون المتلوّ والقراءة دون المقروء ولم يذكر في هذه الآية المتكلم به نعم في سورة الأعراف { قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 14] أي وبتكليمي إياك ووقع في رواية أبي ذر باب ما جاء في وكلم الله موسى.
وقال في فتح الباري في رواية أبي زيد المروزي باب ما جاء في قوله عز وجل: ({ وكلم الله} [النساء: 164] .


[ قــ :7117 ... غــ : 7515 ]
- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِى أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ: آدَمُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالاَتِهِ وَكَلاَمِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِى عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».

وبه قال: (حدّثنا يحيي بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (حدّثنا) وللأصيلي أخبرني بالإفراد (حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة) -رضي الله عنه- (أن النبي) ولأبي ذر والأصيلي أن رسول الله (-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال):
(احتج آدم وموسى) أي تحاجّا (فقال موسى أنت آدم الذي أخرجت ذريتك من الجنة قال أنت) ولغير أبي ذر والأصيلي قال آدم أنت (موسى الذي اصطفاك الله تعالى برسالاته وبكلامه ثم تلومني على أمر قد قدّر) بضم القاف وكسر الدال مشددة (عليّ) بتشديد الياء (قبل أن أخلق) بضم الهمزة (فحج آدم موسى) أي غلب عليه بالحجة في قوله أنت آدم الخ بأن ألزمه أن ما صدر عنه لم يكن هو مستقلاًّ به متمكّنًا من تركه بل كان أمرًا مقضيًّا وليس معنى قوله: تلومني على أمر قد قدّر عليّ أنه لم يكن له فيه كسب واختيار، بل المعنى أن الله أثبته في أم الكتاب قبل كوني وحكم بأن ذلك كائن لا محالة بعلمه السابق فهل يمكن أن يصدر عني خلاف علم الله؟ فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت ممن اصطفاك الله من المصطفين الذين يشاهدون سرّ الله من وراء الأستار قاله التوربشتي.

ومطابقته للترجمة في قوله اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وسبق في القدر.




[ قــ :7118 ... غــ : 7516 ]
- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يُجْمَعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ الْمَلاَئِكَةَ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَىْءٍ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ».

وبه قال: ( حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: ( حدّثنا هشام) الدستوائي قال: ( حدّثنا قتادة) بن دعامة ( عن أنس -رضي الله عنه-) أنه ( قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) ولأبوي الوقت وذر والأصيلي قال النبي ( -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) :
( يجمع المؤمنون) بضم الياء من يجمع والمؤمنون نائب الفاعل ( يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا هذا) لما ينالهم من الكرب ( فيأتون آدم) عليه السلام ( فيقولون له أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده) أي بقدرته وخصّه بالذكر إكرامًا وتشريفًا له أو أنه خلق إبداع من غير واسطة رحم ( وأسجد لك الملائكة) بأن أمرهم أن يخضعوا لك والجمهور على أن المأمور به وضع الرجه على الأرض وكان تحية له، إذ لو كان لله لما امتنع عنه إبليس وكان سجود التحية جائزًا فيما مضى ثم نسخ بقوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لسلمان حين أراد أن يسجد له: "لا ينبغي لمخلوق أن يسجد لأحد إلا لله" ( وعلمك أسماء كل شيء) أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلومًا مدلولاً عليه بذكر الأسماء إذ الاسم يدل على المسمى ( فاشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا) مما نحن فيه من الكرب ( فيقول لهم لست هناكم) بضم الهاء أي لست في المنزلة التي تحسبونني وهي مقام الشفاعة ( ويذكر لهم خطيئته التي أصاب) أي التي أصابها وهي أكله من الشجرة التي نهى عنها قاله تواضعًا وإعلامًا بأنها لم تكن له.

وهذا الحديث ذكره هنا مختصرًا ولم يذكر فيه ما ترجم له على عادته في الإشارة.

وقد سبق في تفسير سورة البقرة عن مسلم بن إبراهيم شيخه هنا بتمامه وفيه: ائتوا موسى عبدًا كلّمه الله تعالى وأعطاه التوراة الحديث.
وساقه أيضًا في كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى: { لما خلقت بيديّ} [ص: 75] وفيه ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه تكليمًا.




[ قــ :7119 ... غــ : 7517 ]
- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ «أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهْوَ نَائِمٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلاَ تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلاَّهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ ثُمَّ أُتِىَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ.
-يَعْنِى عُرُوقَ حَلْقِهِ- ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ.
قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِى مُحَمَّدٌ.
قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلاً فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ لاَ يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِى الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِى السَّمَاءِ الدُّنْيَا
آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلاً بِابْنِى نِعْمَ الاِبْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِى السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِى خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَى مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلاً، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ، عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِى الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِى الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِى الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ وَإِبْرَاهِيمَ فِى السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِى السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلاَمِ اللَّهِ فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَىَّ أَحَدٌ، ثُمَّ عَلاَ بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لاَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللَّهُ حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاَةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَىَّ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ، فَالْتَفَتَ النَّبِىُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِى ذَلِكَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلاَ بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ فَقَالَ وَهْوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا، فَإِنَّ أُمَّتِى لاَ تَسْتَطِيعُ هَذَا، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الْخَمْسِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِى إِسْرَائِيلَ قَوْمِى عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا، فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِىُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ وَلاَ يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ فَرَفَعَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ أُمَّتِى ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا؟ فَقَالَ الْجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: إِنَّهُ لاَ يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِى أُمِّ الْكِتَابِ قَالَ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَهْىَ خَمْسُونَ فِى أُمِّ الْكِتَابِ، وَهْىَ خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: خَفَّفَ عَنَّا أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا.
قَالَ مُوسَى: قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ، فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا مُوسَى قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّى مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ، قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ فِى مَسْجِدِ الْحَرَامِ».

وبه قال: ( حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى الأويسي قال: ( حدّثني) بالإفراد ( سليمان) بن بلال ( عن شريك بن عبد الله) بن أبي نمر بفتح النون وكسر الميم بعدها راء المدني التابعي ( أنه قال: سمعت ابن مالك) ولأبي ذر والأصيلي سمعت أنس بن مالك -رضي الله عنه- ( يقول: ليلة أسري) بضم الهمزة ( برسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من مسجد الكعبة أنه جاءه) بكسر الهمزة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أنه بفتح الهمزة جاء بإسقاط الضمير ( ثلاثة نفر) كذا في الفرع كأصله.
وقال في الفتح في رواية الكشميهني: إذ جاءه بدل أنه قال والأول أولى والنفر الثلاثة لم أقف على أسمائهم صريحًا لكنهم من الملائكة لكن في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبري فأتاه جبريل وميكائيل ( قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أوّلهم: أيّهم هو) ؟ محمد، وقد روي أنه كان نائمًا معه حينئذٍ عمه حمزة بن عبد المطلب وابن عمه جعفر بن أبي طالب ( فقال: أوسطهم هو خيرهم: فقال آخرهم) : ولأبي ذر عن الكشميهني فقال أحدهم أي أحد النفر الثلاثة ( خذوا خيرهم) للعروج به إلى السماء ( فكانت تلك الليلة) أي فكانت تلك القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا فالضمير المستتر في كانت لمحذوف وكذا خبر كان ( فلم يرهم) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد ذلك ( حتى أتوه ليلة أخرى) أي يعين المدة بين المجيئين فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج إذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدة سنين، وبهذا يحصل الجواب عما استشكله الخطابي وابن حزم وعبد الحق وعياض والنووي من قوله قبل أن يوحى إليه، ونسبتهم رواية شريك إلى الغلط لأن المجمع عليه أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل أن يوحى إليه وإن شريكًا تفرّد بذلك فارتفع الإشكال.
كذا قرره الحافظ ابن حجر رحمه الله.
وقيل: المراد قبل أن يوحى إليه في بيان الصلاة ومنهم مَن أجراه على ظاهره ملتزمًا أن الإسراء كان مرتين قبل النبوّة وبعدها كما حكاه في المصابيح، ونقلته عنه في كتابي المواهب اللدنية.
وأما دعواهم تفرّد شريك فقال الحافظ أيضًا: إنه قد وافقه كثير بن خنيس بالخاء المعجمة ونون مصغرًا عن أنس كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي من طريقه وكان مجيء الملائكة له -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكانت الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) الثابت في الروايات أنه كان في اليقظة فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلاّ فيحمل هذا مع قوله آخر الحديث.
واستيقظ وهو في المسجد الحرام على أنه كان في طرفي القصة نائمًا وليس في ذلك ما يدل على كونه نائمًا فيها كلها ( فلم يكلموه) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل) عليه السلام ( فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته) بفتح اللام والموحدة المشددة موضع القلادة من الصدر ومن هنا تنحر الإبل ( حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده) بيد جبريل ( حتى أنقى جوفه) ليتهيأ للترقي إلى الملأ الأعلى ويثبت في المقام الأسنى ويتقوّى لاستجلاء الأسماء الحسنى وكذا وقع شق صدره الشريف في صغره عند حليمة وعند النبوّة ولكلٍّ حكمة، بل ذكر الشق مرة أخرى نبهت عليها مع غيرها في المواهب تبعًا للحافظ ابن حجر.

( ثم أتى) عليه الصلاة والسلام ( بطست من ذهب) وكان إذ ذاك لم يحرم اسعماله ( فيه تور من ذهب) بالمثناة الفوقية من تور وهو إناء يشرب فيه وهو يقتضي أن يكون غير الطست وأنه كان داخل الطست ( محشوًّا إيمانًا وحكمة) .
قال في الفتح قوله محشوًّا حال من الضمير في الجار والمجرور والتقدير بطست كائن من ذهب فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور وأما إيمانًا فعلى التمييز وتعقبه العيني فقال فيه نظر، والذي يقال إن محشوًّا حال من التور الموصوف بقوله من ذهب، وأما إيمانًا فمفعول قوله محشوًّا لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله وحكمة عطف عليه ويحتمل أن يكون أحد الإناءين أعني الطست والتور فيه ماء زمزم والآخر المحشوّ بالإيمان وأن يكون التور ظرف الماء وغيره والطست لما يصب فيه عند الغسل صيانة له عن التبدّد في الأرض والمراد أن الطست كان فيه شيء يحصل به كمال الإيمان فالمراد سببهما مجازًا ( فحشا به) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة ( صدره ولغاديده) بالغين المعجمة والمهملتين بينهما تحتية ساكنة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فحشي بضم الحاء وكسر الشين به صدره ولغاديده برفعهما وفسر اللغاديد قوله ( يعني عروق حلقه ثم أطبقه) ثم أركبه البراق إلى بيت المقدس ( ثم عرج به إلى السماء الدنيا) بفتح العين والجيم ( فضرب بابًا من أبوابها فناداه أهل السماء مَن هذا؟ فقال: جبريل.
قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد)
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( قال) قائلهم ( وقد بعث إليه) ؟ للإسراء وصعود السماوات وليس المراد الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدة ولأن أمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت الأعلى وهذا هو الصحيح ( قال) جبريل: ( نعم.
قالوا: فمرحبًا به وأهلاً فيستبشر به أهل السماء)
وسقطت الفاء من فيستبشر للأصيلي وزاد أي الأصيلي الدنيا ( لا يعلم أهل السماء بما) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني ما ( يريد الله) عز وجل ( به في الأرض حتى يعلمهم) أي على لسان من شاء كجبريل عليه السلام ( فوجد في السماء الدنيا أم) عليه السلام ( فقال له جبريل: هذا أبوك فسلّم) وللأصيلي أبوك آدم فسلم ( عليه فسلم عليه وردّ عليه آدم) السلام ( فقال مرحبًا وأهلاً يا بني نعم الابن أنت فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين) بفتح الهاء ( يطّردان) بتشديد الطاء المهملة يجريان ( فقال) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لجبريل:
( ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذان النيل والفرات عنصرهما) بضم العين والصاد المهملتين أي أصلهما ( ثم مضى به في السماء) أي الدنيا ( فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده) أي في النهر وللأصيلي بيده ( فإذا هو مسك) ولأبي ذر والأصيلي مسك أذفر بالذال المعجمة جيد الرائحة ( قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك) خبأ بالخاء المعجمة والموحدة المفتوحتين مهمز أي ادّخر لك ( ربك) ولأبي ذر عن الكشميهني: حباك بفتح الحاء المهملة والموحدة وبعد الألف كاف به ربك.
هذا مما استشكل من رواية شريك فإن الكوثر في الجنة والجنة في السماء السابعة، ويحتمل أن يكون هنا حذف تقديره ثم مضى به في السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر ( ثم عرج إلى السماء) ولأبي ذر والأصيلي ثم عرج به إلى السماء ( الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى من هذا؟ قال: جبريل.
قالوا: ومن معك؟ قال:
محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم.
قالوا: مرحبًا به وأهلاً.
ثم عرج به)
جبريل ( إلى السماء الثالثة وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ثم عرج به) جبريل ( إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به) جبريل ( إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به) جبريل ( إلى السادسة) ولأبي ذر إلى السماء السادسة ( فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به) جبريل ( إلى السماء السابعة فقالوا له مئل ذلك كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت) بفتح الهمزة والعين ولأبي ذر عن الكشميهني فوعيت ( منهم إدريس) وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي قد سماهم منهم إدريس ( في الثانية، وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله) عز وجل أي بسبب أن له فضل لام الله إياه.
وهذا موضع الترجمة من الحديث.

( فقال موسى رب لم أظن أن يرفع) بضم التحتية وفتح الفاء ( عليّ) بتشديد الياء ( أحد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لم أظن أن ترفع عليّ أحدًا ( ثم علا به) جبريل ( فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله) عز وجل ( حتى جاء سدرة المنتهى) إليها ينتهي علم الملائكة ولم يجاوزها أحد إلا نبيّنا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( ودنا الجبار ربّ العزة) دنوّ قرب ومكانة لا دنو مكان ولا قرب زمان إظهارًا لعظيم منزلته وحظوته عند ربه تعالى ولأبي ذر ودنا للجبار ( فتدلى) طلب زيادة القرب، وحكى مكي والماوردي عن ابن عباس هو الرب دنا من محمد فتدلى إليه أي أمره وحكمه ( حتى كان منه قاب قوسين) قدر قوسين ما بين مقبض القوس والسية بكسر السين المهملة والتحتية الخفيفة وهي ما عطف من طرفيها ولكل قوس قابان وقاب قوسين بالنسبة له -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عبارة عن نهاية القرب ولطف المحل وإيضاح المعرفة وبالنسبة إلى الله إجابة ورفع درجة ( أو أدنى) أي أقرب ( فأوحى الله) زاد أبو الوقت وأبو ذر عن الكشميهني إليه ( فيما أوحى) ولغير أبي ذر إليه ولأبي ذر والأصيلي وأبي الوقت فيما يوحي بكسر الحاء ( خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط) صلوات الله وسلامه عليه ( حتى بلغ موسى) عليه السلام ( فاحتبسه موسى فقال) له ( يا محمد ماذا عهد إليك ربك) أي ماذا أمرك أو أوصاك ( قال: عهد إليّ) أن أصلي ( خمسين صلاة كل يوم وليلة) وآمر بها أمتي ( قال) له موسى: ( إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع) إلى ربك ( فليخفف عنك ربك وعنهم) وعن أمتك ( فالتفت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك) الذي قاله موسى من الرجوع للتخفيف ( فأشار إليه جبريل أن نعم) بفتح الهمزة وتخفيف النون مفسرة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أي نعم بالتحتية بدل النون وهما بمعنى ( إن شئت فعلاً به) جبريل ( إلى الجبار) تعالى ( فقال) عليه الصلاة والسلام ( وهو مكانه) أي في مقامه الأوّل الذي قام فيه قبل هبوطه ( يا رب خفّف عنّا فإن أمتي لا تستطيع هذا) المأمور به من الخمسين صلاة ( فوضع) تعالى ( عنه عشر صلوات) من الخمسين ( ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردّده موسى إلى ربه) تعالى ( حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد راودت) أي راجعت ( بني إسرائيل قومي على أدنى) أي أقل ( من هذا) القدر ( فضعفوا فتركوه) ولأبي ذر عن الكشميهني من هذه الصلوات
الخمس فضعفوا، وفي تفسير ابن مردويه من رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما ( فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا) والأجسام بالميم والأجساد بالدال سواء والجسم والجسد جميع الشخص والأجسام أعم من الأبدان لأن البدن من الجسد ما سوى الرأس والأطراف وقيل البدن أعالي الجسد دون أسافله ( فارجع) إلى ربك ( فليخفف عنك ربك.
كل ذلك)
أي في كل ذلك ( يلتفت) بتحتية فلام ساكنة، وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي يتلفت بفوقية بعد التحتية وتشديد الفاء ( النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل فرفعه عند) المرة ( الخامسة فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم ( فخفف عنا.
فقال الجبار: يا محمد.
قال: لبيك)
رب ( وسعديك.
قال: إنه لا يبدل القول لديّ كما فرضت)
ولأبي ذر فرضته ( عليك) أي وعلى أمتك ( في أم الكتاب) وهو اللوح المحفوظ ( قال: فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك) أي وعلى أمتك ( فرجع) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( إلى موسى فقال) له ( كيف فعلت؟ فقال: خفف) ربنا ( عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها.
قال موسى: قد والله راودت)
راجعت ( بني إسرائيل على أدنى) أقل ( من ذلك فتركوه) وقوله راودت متعلق بقد القسم بينهما مقحم لإرادة التأكيد ( ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا.
قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه)
بهمزة وصل وفتح اللام وسكون الفاء بعدها فوقية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي مما اختلف بهمزة قطع وكسر اللام وحذف الفوقية ( قال) له جبريل: ( فاهبط بسم الله) وليس القائل اهبط موسى وإن كان هو ظاهر السياق ( قال: واستيقظ) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( وهو في مسجد الحرام) .
بغير ألف ولام في الأول أي استيقظ من نومة نامها بعد الإسراء أو أنه أفاق مما كان فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى فلم يرجع إلى حال بشريته إلا وهو نائم.


تنبيه:
قال الخطابي: هذه القصة كلها إنما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه لم يعزها إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا نقلها عنه ولا أضافها إلى قوله، فحاصل النقل أنها من جهة الراوي إما من أنس وإما من شريك فإنه كثير التفرّد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة انتهى.

وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن ما نفاه من أن أنسًا لم يسند هذه القصة إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا تأثير له، فأدنى أمره أن يكون مرسل صحابي، وإما أن يكون تلقاها عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه هذه القصة لا يقال بالرأي فله حكم الرفع، ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلاً، وهو خلاف عمل المحدّثين قاطبة فالتعليل بذلك مردود.

وقال أبو الفضل بن طاهر: تعليل الحديث بتفرّد شريك ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء
لم يسبق إليه فإن شريكًا قبله أئمة الجرح والتعديل ووثقوه ورووا عنه وأدخلوا حديثه في تصانيفهم واحتجوا به قال: وحديثه هذا رواه عنه سليمان بن بلال وهو ثقة وعلى تقدير تفرّده بقوله قبل أن يوحى إليه لا يقتضي طرح حديثه فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور ولو ترك حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين.

وقال الحافظ ابن حجر: ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك وهي أمكنة الأنبياء في السماوات وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم، وقد وافقه الزهري في بعض ما ذكر كما في أول الصلاة، وكون المعراج قبل البعثة وسبق الجواب عنه وكونه منامًا وسبق ما فيه ومحل سدرة المنتهى وأنها فوق السابعة بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة، ومخالفته في النهرين النيل والفرات وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور أنهما في السابعة، وشق الصدر عند الإسراء، وذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور أنه في الجنة ونسبة الدنوّ والتدلي إلى الله تعالى، والمشهور في الحديث أنه جبريل وتصريحه بأن امتناعه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة فخالف ثابتًا عن أنس وأنه وضع عنه في كل مرة خمسًا وأن المراجعة كانت تسع مرات، وقوله فعلاً به إلى الجبار فقال وهو مكانه وقد سبق ما فيه ورجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى عليه السلام أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع وزيادته ذكر التور في الطست وسبق ما فيه اهـ.

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله بتفضيل كلام الله كما نبهت عليه.